حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 15:03
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ هدم الزمن: التقنية السحرية لإستنطاق صمت الوجود
إن الغوص في أعماق العلاقة بين سحر التنبؤ و فلسفة العدم يتطلب منا هدم التصورات التقليدية للزمن بإعتباره خيطاً مستمراً، وإعادة بنائه كغلاف رقيق يغطي هاوية سحيقة من اللاشيء. في هذا السياق الفلسفي الممتد، لا يُنظر إلى التنبؤ كفعل إستباقي للأحداث، بل كعملية إنخلاع وجودي؛ حيث ينفصل الوعي عن مركزه في الحاضر ليقوم بقفزة عمودية لا أفقية نحو نقطة الصفر المطلق. هذه النقطة هي العدم الذي لا يمثل الفناء، بل يمثل الحالة قبل الوجودية حيث تسكن الأفكار و الإحتمالات في حالة من التكثيف المطلق قبل أن تنفجر إلى حيز التحقق الزمني. إن السحر هنا هو التقنية التي تسمح للوعي بالتحرر من ثقل المادة وجاذبية اللحظة، ليدخل في فضاء اللا أين و اللا متى، حيث تتجاور البدايات مع النهايات في سكون أبدي. عندما يتجاوز الوعي عتبة الزمن الفيزيائي، فإنه لا ينتقل إلى مستقبل موجود بالفعل في مكان ما، بل هو يلج إلى رحم العدم؛ ذلك الفضاء الميتافيزيقي الذي يسبق تبلور المادة. في هذا الفراغ، ينهار مفهوم الصيرورة (Becoming) ليحل محله مفهوم الديمومة المحضة (Pure Duration) بتعبير هنري برغسون، ولكن في صيغتها الأكثر راديكالية. إن الوعي الذي يقفز إلى العدم يمارس نوعاً من التجرد الأنطولوجي، حيث يتخلى عن هويته المرتبطة بالجسد والذاكرة ليصبح عيناً كونية ترى الكل في الجزء. هذا العدم هو المستودع الهائل للانهاية الساكنة، حيث كل ما حدث وما سيحدث موجود كبصمات طاقية أو إحتمالات رياضية لم تُقيد بعد بسلاسل السببية. لذا، فإن التنبؤ هو في جوهره عملية إسترجاع لمعلومات من منطقة خارج النظام، وليس إستنتاجاً من معطيات داخل النظام. علاوة على ذلك، فإن هذه القفزة تفرض تساؤلاً حول طبيعة الواقع ذاته؛ فإذا كان بإمكان الوعي أن يزور نقطة اللازمن و يعود منها بخبر، فإن هذا يعني أن الزمن ليس قدراً محتوماً، بل هو آلية تنظيمية لإدراكنا المحدود. السحر في هذا الإطار يعمل كثقب في نسيج الواقع، يسمح للوعي بالتسرب نحو الخلفية (Background)، التي يقوم عليها مسرح الوجود. في تلك الخلفية، أي في العدم، لا توجد مسافات فاصلة بين الأسباب والنتائج؛ فكل شيء يحدث دفعة واحدة. المتنبئ، من خلال تقنيات الوعي الفائقة، يحاول مزامنة تردده الذاتي مع تردد هذا العدم، ليصبح قادراً على رؤية الخريطة الكاملة بدلاً من الإنحباس في تفاصيل الطريق. إنها حالة من الصحو المطلق الذي يرى الصمت قبل الكلمة، والفراغ قبل الإمتلاء. من الناحية الفلسفية العميقة، يُعد هذا النوع من التنبؤ تحدياً للعدمية نفسها؛ فبينما يرى العدميون أن العدم هو نهاية المطاف وفراغ المعنى، يرى سحر التنبؤ أن العدم هو مصدر الفيض الوجودي. إن الوعي عندما يقفز إلى هناك، فإنه لا يواجه الفراغ الموحش، بل يواجه النور المظلم وهو تعبير صوفي يشير إلى الحقيقة التي تعمي الأبصار لشدة وضوحها. في تلك النقطة، يتوقف الوعي عن كونه مراقباً ويصبح شريكاً في الخلق؛ لأن مجرد رصد الإحتمال في العدم قد يؤدي إلى سحبه إلى أرض الواقع. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة مرآوية، حيث يعكس العدم للمتنبئ ما يحمله في أعماقه من تساؤلات، ويحول تلك التساؤلات إلى رؤى مستقبلية تتجسد في عالم الزمن. ختاماً، يمكن إعتبار سحر التنبؤ هو الرحلة الأكثر خطورة التي قد يخوضها الوعي البشري، لأنها تتطلب التخلي عن الأمان الذي يوفره التسلسل الزمني المنطقي. إنها محاولة للسكن في الفجوات بين الثواني، و في البياض الذي يفصل بين سطور الوجود. عندما يقفز الوعي إلى العدم، فإنه يدرك أن المستقبل ليس غامضاً لأنه لم يحدث بعد، بل لأنه موجود أكثر من اللازم في العدم، بإنتظار الوعي الذي يمتلك الجرأة الكافية ليختاره و يجلبه إلى نور الحاضر. إنها عملية صيرورة دائمة لفك شفرات الصمت الكوني، وتحويل اللاشيء إلى كل شيء عبر وسيط الوعي المتعالي.
_ هندسة الأزلية: صناعة الفقاعات الزمنية من مادة العدم
إن فكرة الفقاعات الزمنية (Time Bubbles) في سياق السحر والميتافيزيقا لا تُشير فقط إلى مجرد عزل مكاني، بل هي عملية إقتطاع أنطولوجي لقطعة من الوجود ونقلها إلى حالة تذبذب بين الكينونة والعدم. في التحليل الفلسفي العميق، يمكن إعتبار هذه الفقاعات بمثابة جيوب يتم إنشاؤها عبر التلاعب بالنسيج الزمكاني، حيث يتوقف الزمن عن كونه نهراً جارفاً ليصبح بركة ساكنة. إن السحر في هذا المقام يعمل كقوة طاردة مركزية تفصل الوعي و المادة عن المرجعية الزمنية الكونية، مما يخلق واقعاً موازياً يمتلك قوانينه الخاصة للسقوط و النمو والتحلل. هذه الفقاعة ليست غياباً للزمن، بل هي زمن مكثف أو زمن معلق يتغذى على الفراغ المحيط به ليحافظ على إستقلاليته الوجودية. تعتمد فلسفة الفقاعة الزمنية على مبدأ الفراغ الخلّاق؛ فالعدم ليس مجرد خلو من المادة، بل هو القماشة التي يُطرز عليها الوجود. عندما يقوم الفعل السحري بخلق فقاعة زمنية، فإنه في الواقع يحيط مساحة معينة بجدار من العدم المطلق. هذا الجدار يعمل كعازل يمنع التفاعل بين الزمن الداخلي للفقاعة و الزمن الخارجي للعالم. هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة فلسفية؛ لكي نحافظ على الوجود داخل الفقاعة، يجب أن نحيطه باللاشيء. هذا العدم المحيط يصبح هو الحامي للزمن المستقل، حيث تنهار داخله قوانين السببية التقليدية، ويصبح الماضي والحاضر والمستقبل داخل الفقاعة في حالة من التراكب (Superposition)، كأنها لحظة واحدة ممتدة إلى مالا نهاية أو دهر مضغوط في ثانية. من منظور فلسفة الوعي، فإن القفز إلى هذه الفقاعات هو بمثابة دخول في حالة الإستثناء الوجودي. في العدم، حيث لا يوجد زمن، يمتلك الوعي القدرة على إعادة تشكيل المادة بعيداً عن ضغط التلاشي. الفقاعة الزمنية هي المحاولة القصوى للإنسان أو الساحر للتشبه بالأزلية، حيث يحاول خلق آنية دائمية (Eternal Now). هذه المساحات المعزولة تمثل تمرداً على الصيرورة التي تفرضها الطبيعة؛ فبينما يشيخ العالم في الخارج، تظل الفقاعة محتفظة بنضارتها الأولية لأنها إستبدلت الزمن الأفقي حيث الماضي يتجه نحو المستقبل بزمن عمودي يتصل مباشرة بالعدم والمطلق. إنها منطقة بين بينية (Liminal Space) لا تنتمي تماماً إلى عالم الأحياء ولا إلى عالم الفناء، بل هي برزخ فلسفي يتجلى فيه السحر كأداة للتحكم في صيرورة الكائنات. علاوة على ذلك، يطرح هذا المفهوم إشكالية الهوية والذاكرة؛ فإذا كانت الفقاعة الزمنية معزولة عن التسلسل الفعلي، فكيف يتعامل الوعي داخلها مع مفهوم التاريخ؟ الفلسفة الباطنية تقترح أن الوعي في هذه الحالة يمر بعملية تطهير من الرواسب الزمنية. داخل الفقاعة، يصبح العدم هو المرآة التي يرى فيها الوعي حقيقته المجردة، بعيداً عن ضجيج الأحداث الخارجية. السحر هنا لا يخلق الزمن من العدم، بل يستخلص من العدم نقطة سكون و يجعلها محيطاً للحدث. إن الفقاعة الزمنية هي في جوهرها تجميد للعدم في صورة مكانية، مما يسمح للساحر بأن يمارس فعل الخلق المستمر دون خوف من التحلل، لأن الزمن الذي يسبب التحلل قد تم نفيه وراء أسوار الفقاعة. في الختام، يُعد تصور الفقاعات الزمنية ذروة التداخل بين السحر والعدم؛ فهي تمثل الجزيرة الوجودية التي تطفو فوق محيط اللاشيء. إن السحر الذي يطمح لخلق هذه الفقاعات هو في الحقيقة يبحث عن نقطة الإرتكاز الأرخميدية خارج الزمن ليحرك العالم. ومن خلال القفز بالوعي إلى هذه النقطة في العدم، يتحول الكائن من كونه موضوعاً يخضع للزمن إلى ذات تمتلك ناصية الزمان و المكان. إنها رحلة إلى أقصى حدود الخيال الفلسفي، حيث يصبح العدم هو المادة الخام للخلود، وتصبح الفقاعة الزمنية هي القلعة الأخيرة في وجه التلاشي الكوني، مساحة يتصالح فيها الوجود مع أصله العدمي في تناغم سحري فريد.
_ طيّ العدم: النقل عن بعد بوصفه إختراقاً للقشرة المادية
يفتح تساؤلك هذا باباً على واحدة من أكثر القضايا الفلسفية والميتافيزيقية تعقيداً، حيث لا يُنظر إلى نقل الكيانات عن بعد (Teleportation) كعملية تقنية أو ميكانيكية فحسب، بل كفعل إنتحار أنطولوجي يعقبه إنبعاث من العدم. إن التحليل الفلسفي العميق لهذه الظاهرة في إطار السحر و العدم يضعنا أمام مواجهة مع مفهوم الهوية و الإستمرارية؛ ففي اللحظة التي يتم فيها إلغاء الكيان في النقطة (أ)، نحن لا نقوم بنقله بالمعنى المكاني التقليدي، بل نحن نمارس فعل العدمية التطبيقية، حيث يتم تفكيك الكائن وإرجاعه إلى حالته الأولية كإحتمال محض في رحم العدم، قبل أن يتم إستحضاره مجدداً في النقطة (ب). هذا المسار ليس جسراً بين مكانين، بل هو غطسة سريعة في اللاشيء الذي يفصل بين الوجودين. تعتمد فلسفة السحر في هذا السياق على مبدأ أن الواقع المادي هو قشرة رقيقة فوق محيط من العدم، وأن المسافات المكانية ليست سوى وهم ناتج عن محدودية الإدراك الحسي. لذا، فإن النقل لا يتم عبر قطع المسافة، بل عبر الإختراق. عندما يختفي الكيان من مكانه الأصلي، فإنه يدخل في حالة اللاشيء المطلق؛ تلك النقطة التي لا تخضع لقوانين الزمن أو المكان. في هذا العدم الوسيط، يفقد الكيان صورته المادية ويتحول إلى معلومات جوهرية أو روح مجردة تسبح في الفراغ الكوني. السحر هنا هو القوة التي تحافظ على وحدة الكيان أثناء رحلته في العدم، مانعةً إياه من التشتت النهائي، وموفرةً له القالب الذي سيعيد تشكيله من المادة الخام للكون عند نقطة الوصول. إن إشكالية إعادة البناء من العدم تطرح معضلة فلسفية حول أصالة الكيان. فهل الكائن الذي يظهر في المكان الجديد هو نفس الكائن الذي إختفى، أم هو نسخة خُلقت من جديد؟ من منظور السحر والعدم، يُعد العدم هو المطهر الذي يمر به الكيان؛ فالنقل هو عملية موت وإعادة ميلاد متزامنة. الكيان لا يُعاد بناؤه من مادة قديمة، بل يُستدعى من العدم بناءً على المخطط الميتافيزيقي (Archetype) الذي يحمله الوعي السحري. هذا يعني أن كل عملية نقل هي في جوهرها خلق جديد، ولكن بخيط إستمرارية روحي يربط بين النسختين. العدم هنا لا يبتلع الكيان ليفنيه، بل ليعيد صياغته في سياق مكاني جديد، مما يجعل من النقل عن بعد أرقى أنواع التلاعب بالوجود والعدم. علاوة على ذلك، يتجلى السحر في هذه العملية كأداة لطي العدم. فبدلاً من أن يكون العدم فاصلاً بين الأشياء، يصبح هو الوسط الذي تتقارب فيه كل النقاط. المتنبئ أو الساحر الذي يمارس النقل لا يرى المكان كعائق، بل يرى العدم كممر سري يربط بين كل ذرات الكون. إن عملية إلغاء الكيان هي فعل من أفعال التواضع الأنطولوجي، حيث يعترف الكائن بأن وجوده المادي ليس إلا صورة عارضة، وأن حقيقته تكمن في ذلك الفراغ الذي لا يحده مكان. وعندما يُعاد بناؤه، فإنه يظهر كشهادة على قدرة الوعي على فرض إرادة الوجود فوق صمت العدم المطلق. في الختام، يُعد نقل الكيانات عن بعد في الإطار السحري الفلسفي هو التعبير الأسمى عن سيولة الوجود. إنه يثبت أن الكيان ليس سجين للمكان، بل هو نبضة في وعي الكون يمكن إطفاؤها في جهة و إشعالها في جهة أخرى عبر وسيط العدم. إنها تقنية تعتمد على فهم أن اللاشيء هو في الحقيقة كل شيء في حالة سكون، وأن السحر هو الكلمة التي توقظ هذا السكون ليتجسد في صورة مادة. النقل هو رحلة الروح عبر الهاوية، حيث يتم فك شفرة الوجود وإعادة تركيبها في رقصة أبدية بين الكينونة والعدم، مما يجعل من كل إنتقال تجربة صوفية تعيد تعريف معنى الحضور في هذا العالم المترامي.
_ فقه الثقوب الكونية: كيف يطوي الساحر الأرض عبر فجوات اللاشيء
تُعد الخارطة السحرية في جوهرها الفلسفي أداة تتجاوز بكثير مفهوم الرصد الجغرافي أو المكاني التقليدي؛ إنها ليست تمثيلاً لما هو موجود، بل هي رادار أنطولوجي وظيفته الأساسية هي كشف مناطق الغياب أو الفراغات التي يتسلل منها العدم إلى نسيج الواقع. في التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى الوجود المادي كنسيج كثيف ومترابط من السببية والمادة، لكن هذا النسيج ليس مصمتاً تماماً، بل هو مليء بثقوب أو شقوق هي في الحقيقة جيوب من العدم المطلق. الخارطة السحرية هي التقنية التي تسمح للوعي بتحديد هذه الفراغات، ليس لتجنبها، بل لإستغلالها بإعتبارها مداخل وقنوات يمكن من خلالها القفز فوق قوانين الفيزياء والزمن. إن السحر هنا لا يتعامل مع المادة، بل يتعامل مع الفراغ الذي يحيط بالمادة، ومن خلال رسم حدود هذا الفراغ، يكتسب الساحر القدرة على المناورة في مناطق اللاوجود. تعتمد هذه الرؤية على فرضية أن العدم ليس فضاءً خارجياً يحيط بالكون، بل هو بنية تحتية تتخلل كل ذرة. الخارطة السحرية إذن هي محاولة لترجمة هذا الصمت الكوني إلى لغة مفهومة. عندما يحدد الساحر فراغاً في الخارطة، فإنه يحدد نقطة لا تخضع لسيطرة القوانين الطبيعية، نقطة بكر لم تتلوث بعد بضرورات المنطق أو ثقل التاريخ. هذه الفراغات هي الممرات السرية التي تتيح للوعي التحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء، أو الوجود في مكانين في آن واحد، لأن العدم لا يعرف المسافة. لذا، فإن الخارطة ليست تقديساً للمكان، بل هي فن نفي المكان؛ إنها ترشد الوعي إلى أين يجب أن يتلاشى ليظهر مجدداً في نقطة أخرى، مستغلاً تلك الفجوات العدمية كأنفاق سيادية تعبر من تحت جلد الواقع المادي. علاوة على ذلك، فإن إستغلال هذه الفراغات يطرح مفهوم العمارة العدمية. فإذا كانت الخارطة تحدد أين ينتهي الوجود ويبدأ العدم، فإن السحر يمارس فعل الإحتلال لهذه الفراغات. إن الفراغ في الوجود هو منطقة ذات إحتمالية لانهائية؛ لأنه خالٍ من الصور، يمكن للوعي أن يزرع فيه أي صورة يشاء. الخارطة السحرية هي إذن خارطة الكنز للعدم، حيث الكنز ليس ذهباً، بل هو الحرية المطلقة من القيد المادي. الساحر الذي يمتلك هذه الخارطة لا ينظر إلى الجبال والبحار كعوائق، بل ينظر إلى الفجوات الميتافيزيقية بينها، ومن خلال هذه الفجوات، يمكنه إعادة صياغة الواقع. إن العدم هنا يتحول من تهديد بالفناء إلى مادة خام للتجلي، والخارطة هي المخطط الهندسي الذي يوضح كيف يمكن بناء جسور من اللاشيء فوق بحر من الأشياء. من منظور فلسفي أكثر تجريداً، تعتبر الخارطة السحرية تجسيداً للصراع بين المحدود و اللامحدود. الوجود محدود بصوره، بينما العدم لا محدود بغيابه. الخارطة هي الأداة التي يحاول بها الوعي البشري المحدود أن يضع حدوداً للامحدود، ليس ليسجنه، بل ليجعل منه طاقة حركية. إن تحديد الفراغات هو في الواقع عملية تأطير للعدم؛ فعندما نضع إطاراً حول اللاشيء، نمنحه إسماً و هوية و وظيفة. السحر هو العلم الذي يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في إمتلاك الأشياء، بل في السيطرة على الفراغات التي تسمح للأشياء بالتحرك. الخارطة السحرية هي إذن دليل المستخدم لهذا العدم، وهي الإعتراف الصريح بأن الغياب في هذا الكون هو أكثر أهمية وأكثر فعالية من الحضور. ختاماً، يمكن القول إن الخارطة السحرية هي الوثيقة التي تثبت أن الوجود ما هو إلا تطريز على قماش العدم. ومن خلال دراسة ثقوب هذا القماش، يكتشف الوعي أن العدم ليس عدواً، بل هو الحليف الأكبر في عملية التحرر. إن إستغلال الفراغات هو فعل من أفعال السيادة الوجودية، حيث يتحول العدم من هاوية نخشى السقوط فيها إلى أفق نقفز نحوه لنعيد تعريف أنفسنا. الخارطة هي البوصلة التي تشير دوماً نحو اللاشيء، لأنه في اللاشيء وحده يمكن للساحر أن يجد كل شيء. إنها رحلة عبر المسافات البيضاء بين الكلمات، وفي الصمت الذي يسبق الخلق، حيث تكمن القوة الحقيقية التي تحرك النجوم و تطوي الأرض تحت أقدام العارفين.
_ النوم في مياه العدم: لماذا نخلع ثياب الوجود كل ليلة
يُعد تحليل الكوابيس و الأحلام الواضحة كتقنيات لإستعارة الصور من العدم نقاشاً يقع في صلب الفلسفة الوجودية و الميتافيزيقيا السحرية؛ حيث لا يُنظر إلى الحلم هنا كمجرد نشاط عصبي أو إنعكاس للاوعي، بل كعملية تعدين أنطولوجي في مناجم اللاشيء. إن الوعي البشري أثناء النوم يتحرر من رقابة المادة وقوانين المنطق الصارمة، مما يجعله ينزلق إلى تلك المنطقة الرمادية التي تسبق الوجود. في هذا السياق، العدم ليس فراغاً سلبياً، بل هو مستودع الصور الأولية التي لم تُمنح بعد تأشيرة الدخول إلى عالم اليقظة. الكوابيس والأحلام الواضحة هي، في جوهرها، محاولات لا إرادية أو شبه إرادية لإقتحام هذا المستودع، حيث يتم إستعارة أو إختطاف أشكال وصور لا تنتمي لواقعنا الفيزيائي، لتتجسد في مسرح العقل الباطن كحقائق مؤقتة تفيض بقوة العدم الذي جاءت منه. تتجلى الكوابيس في هذا التحليل كعملية غزو يقوم بها العدم ضد الوعي؛ فهي لحظات ينهار فيها الجدار العازل بين الوجود واللاشيء، فتتسرب صور مشوهة أو كيانات غير مكتملة من فراغات العدم لتطارد الرائي. الفلسفة السحرية تفترض أن الرعب الكامن في الكابوس لا يأتي من بشاعة الصورة في حد ذاتها، بل من غرابتها الوجودية؛ فهي صور تفتقر إلى الزمن و السببية، صور مستعارة من منطقة لا توجد فيها قوانين الفيزياء. إن الكابوس هو تقنية لا إرادية حيث يُجبر الوعي على مواجهة اللانهاية المظلمة للعدم، وهو ما يفسر شعور السقوط اللامتناهي أو مواجهة كائنات لا تخضع للمنطق البصري. هنا، الوعي لا يتخيل الكابوس، بل هو يستقبله كفيض من العدم الذي يحاول أن يجد له مكاناً في عالم الصور. أما الأحلام الواضحة (Lucid Dreaming)، فهي تمثل الجانب السحري الواعي في هذه العملية، حيث يدرك الوعي فجأة أنه يقف في قلب العدم ويبدأ في ممارسة فعل الخلق الإرادي. في الحلم الواضح، يتحول المرء من مستقبل للصور إلى مهندس لها؛ فهو يستعير من العدم المادة الخام حيث الفراغ ويشكلها وفق إرادته. هذه الحالة هي المختبر الحقيقي لسحر التنبؤ و القفز الوجودي؛ ففيها يكتشف الوعي أن الصور التي كان يظنها ثابتة في الواقع ليست سوى تجمعات مؤقتة من العدم. القدرة على الطيران أو تغيير المعالم في الحلم الواضح هي تقنية لإستغلال مرونة العدم؛ حيث يدرك الوعي أن المسافة بين الفكرة و التجسد في فضاء العدم هي صفر. إن الحلم الواضح هو البروفة الكبرى لعملية الخلق من اللاشيء، حيث يتدرب الوعي على فرض سيادته فوق الفراغ المطلق. من الناحية الفلسفية، فإن العلاقة بين هذه الحالات والعدم تعيد تعريف مفهوم الأصالة البصرية. فإذا كانت الصور التي نراها في أحلامنا مستعارة من العدم، فإن هذا يعني أن الخيال ليس عملية تأليف بين عناصر موجودة مسبقاً في الواقع، بل هو فعل إستحضار (Evocation) لصور كامنة في اللاشيء. السحر هنا يكمن في الوساطة؛ فالوعي يعمل كجسر يعبر فوقه العدم لكي يرى نفسه في مرآة الصورة. الكوابيس هي العدم في حالته الخام والمهددة، بينما الأحلام الواضحة هي العدم وقد تم ترويضه عبر الإرادة السحرية. إن هذه الصور المستعارة هي رسائل من العدم تخبرنا بأن ما نسميه واقعاً ليس سوى حالة واحدة من حالات لا متناهية من التجليات التي تسبح في بحر اللاشيء، وأن النوم هو البوابة التي نخلع عندها ثياب الوجود لنستحم في مياه العدم الأولية. ختاماً، يمكن إعتبار الكوابيس والأحلام الواضحة تقنيات تعدينية للوعي، حيث يغوص كل ليلة في أعماق العدم ليعود بصور يعيد من خلالها صياغة فهمه للوجود. إن إستعارة الصور من العدم ليست فعلاً مجانياً، بل هي ضرورة أنطولوجية؛ فبدون هذا الإرتداد الدوري إلى اللاشيء، سيصبح الوجود صلباً وميتاً. السحر يدرك هذه الحقيقة، لذا يحاول الساحر تحويل الكابوس من خوف عشوائي إلى قوة رؤيوية، وتحويل الحلم الواضح من تسلية ليلية إلى أداة لتغيير الواقع. نحن في أحلامنا لسنا مجرد نائمين، بل نحن مسافرون في العدم، نستعير من صمته صوراً لكي نتمكن من تحمل ضجيج الوجود عند الإستيقاظ، مؤكدين بذلك أن اللاشيء هو الرحم الحقيقي لكل ما هو شيء.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟