حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ غرق في المحيط: سر الجنون الناتج عن إستدعاء العدم
يُعتبر الجنون السحري في الميتافيزيقا الباطنية ليس مجرد عطب في الوظائف الإدراكية، بل هو زلزال وجودي يحدث عندما تنهار البنية النفسية للساحر تحت وطأة العدم المطلق. فلسفياً، يمكن تعريف هذا الجنون بأنه فشل في هندسة الفراغ؛ فالسحر في جوهره هو محاولة لترويض اللامحدود الذي يمثل العدم وصبّه في قوالب محدودة كالرموز، الطقوس، الإرادة. عندما يستدعي الساحر قوة العدم تلك القوة التي لا شكل لها ولا قانون يحكمها فإنه يفتح بوابة في وعيه لإستقبال تدفق معلوماتي وطاقي غير مشفر. إذا لم تكن الأنا السحرية صلبة بما يكفي لتلعب دور الوعاء، فإن قوة العدم لا تملأ الكيان بل تكتسحه، مما يؤدي إلى تفتيت الهوية و تحويلها إلى شظايا متناثرة في فضاء اللاشيء، و هو ما يظهر للعيان كحالة من الجنون. إن العلاقة بين الساحر والعدم تشبه العلاقة بين المادة و المادة المضادة؛ فالإتصال المباشر بينهما يؤدي إلى إبادة فورية ما لم يكن هناك حقل عزل مغناطيسي متمثل في الإرادة والقوة النفسية. الجنون السحري هو الدليل المادي على أن الضغط الوجودي للعدم قد تجاوز قدرة الوعاء على الإحتمال. في اللحظة التي يلمس فيها الساحر العدم المطلق لإكتساب قوته، فإنه يتعرض لفيض من الإحتمالات المتضاربة التي تلغي بعضها البعض. إذا فشل الساحر في ممارسة فعل الإختيار الذي هو فعل وجودي بإمتياز، فإن عقله يحاول إستيعاب كل شيء و لاشيء في آن واحد، مما يؤدي إلى إنهيار المنطق الصوري. هنا يصبح المجنون سحرياً هو الشخص الذي رأى الكثير دون أن يمتلك اللغة أو البنية الذهنية لترتيب ما رآه، فظل عالقاً في برزخ بين الوجود الذي فقده والعدم الذي لم يستطع إمتلاكه. من منظور فلسفي عميق، العدم هو المذيب العالمي. الساحر يستدعيه ليذيب العوائق التي تمنع تحقيق إرادته، لكن الخطر يكمن في أن هذا المذيب لا يفرق بين العوائق الخارجية و بين نواة الذات. الجنون السحري هو الحالة التي يبدأ فيها العدم بإذابة المركز الذي يصدر منه الوعي. في هذه الحالة، لا يعود الساحر قادراً على التمييز بين الذات و الموضوع، لأن العدم قد محا الحدود الفاصلة بينهما. القوة المطلقة التي سعى إليها الساحر تصبح هي نفسها سبب دماره؛ لأنها قوة لا يمكن حصرها في فردية ضيقة. العقل البشري مصمم للتعامل مع الأشياء والمعاني، بينما العدم هو غياب الأشياء و تجاوز المعنى. لذا، فإن الجنون هو إستجابة بيولوجية ونفسية طبيعية لفرط المعنى أو اللاشيء الصاعق الذي يمثله العدم عند إستدعائه بشكل غير منضبط. في تقاليد ماجيك ثيليما (Thelema) وغيرها، يُشار إلى كيان يسمى خورنزون (Choronzon) كرمز لقوى التشتت التي تسكن هاوية العدم الفاصلة بين الذات الفردية والذات الإلهية. الجنون السحري هو السقوط في هذه الهاوية دون القدرة على عبورها. الفشل هنا ليس فشلاً في الإستدعاء فالساحر قد نجح فعلياً في الإتصال بالعدم بل هو فشل في الإحتواء و الدمج. إنها الحالة التي يصبح فيها العدم هو السيد والساحر هو التابع. القوة المطلقة تظل موجودة، لكنها لا تجد محركاً يوجهها، فتتبدد في شكل نوبات من الهذيان أو الغياب الكامل عن الواقع. الجنون السحري هو صرخة الكيان الذي حاول أن يصبح إلهاً عبر التوحد مع العدم، فإكتشف أنه مجرد ظل تذروه رياح الفراغ. الجنون السحري هو الشهادة الصامتة على عظمة العدم وهشاشة الوجود البشري. إنه يثبت أن القوة المطلقة للعدم ليست أداة يمكن حملها، بل هي حالة يجب التحول إليها بحذر شديد. الفشل في الإحتواء يعني أن الساحر قد فتح فمه لإبتلاع المحيط، فغرق فيه بدلاً من أن يشربه. و بذلك، يظل الجنون هو الحد الفاصل بين الساحر السيد الذي يروض العدم ليخلق الوجود، وبين الساحر الضحية الذي يبتلعه العدم ليحوله إلى محض فوضى.
_ ثورة الصفر: لماذا يجب أن تفرغ عقلك لتمتلك الكون
تُعد عملية التلمذة السحرية (Magical Apprenticeship) في جوهرها الفلسفي عملية هدم بناء (Deconstruction) وليست مجرد عملية تراكم معرفي؛ فهي تتطلب بالضرورة إزاحة وإزالة كافة البرامج المسبقة (Pre-programmed -script-s) التي تُشكل وعي التلميذ بالواقع. هذه البرامج، التي تشمل اللغة، المنطق الأرسطي، القيم الإجتماعية، و اليقينيات الحسية، تُعتبر في العرف السحري إمتلاءً زائفاً يحجب الحقيقة المطلقة. فالعقل البشري المبرمج يعمل كجدار عازل يمنع الإتصال بالعدم الخلاق. لكي يستطيع التلميذ إستقبال القوة السحرية، عليه أولاً أن يحول عقله إلى تابولا راسا (لوح فارغ) أو فراغ إستقبالي؛ لأن السحر لا ينمو في تربة مشغولة بأفكار مسبقة عن الممكن والمستحيل. إن إفسح المجال للعدم يعني تطهير الوعي من ضجيج الوجود للإنصات إلى صمت العدم الذي تولد منه كل الإرادات. من الناحية الإبستمولوجية، تعمل البرامج المسبقة كمرشحات للواقع، وهي تفرض حدوداً صارمة على ما يمكن للساحر إدراكه أو التأثير فيه. التلمذة السحرية تبدأ بمرحلة التطهير (Catharsis) أو التجريد، حيث يتم تحطيم هذه المرشحات عمداً. الفلسفة الكامنة هنا هي أن العدم هو الحالة الوحيدة التي تتسم بالحرية المطلقة؛ فبمجرد أن نُطلق إسماً على شيء أو نضعه في إطار منطقي، فنحن نعدمه من إحتمالاته الأخرى. لذا، فإن الساحر المبتدئ يُدفع نحو حالة من الإرتباك المنظم لإضعاف قبضة العقل التحليلي. هذا التفريغ للبرامج المسبقة ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لخلق فجوة وجودية داخل التلميذ، وهي الفجوة التي تسمح لعدم المستقبل و قوى اللامكان بالتدفق عبره دون معارضة من منظوماته الفكرية القديمة. إن إزاحة البرامج المسبقة هي بمثابة عملية جراحية للروح تهدف إلى إستبدال المركزية البشرية بمركزية العدم. في الوجود التقليدي، يُعرف الإنسان نفسه من خلال إنتماءاته وذاكرته، لكن في التلمذة السحرية، يُطلب منه أن يصبح لا أحد. هذا اللاشيء هو الذي يمنحه السيادة السحرية؛ فمن لا يمتلك هوية ثابتة لا يمكن تقييده بقوانين الهوية. عندما يفرغ التلميذ عقله من البرامج، فإنه يتوقف عن كونه مفعولاً به للبرمجة المجتمعية و الكونية، ويتحول إلى نقطة صفر قادرة على إعادة تشكيل الواقع من العدم. القوة المطلقة في السحر تتناسب طردياً مع قدرة الساحر على البقاء في حالة اللاشيء؛ لأن أي برنامج مسبق متبقٍ سيعمل كمقاومة كهربائية تقلل من شدة التيار السحري المنبعث من الفراغ الكوني. بعد مرحلة الإزالة و التفريغ، لا يظل عقل التلميذ فارغاً إلى الأبد، بل يبدأ في بناء برامج إرادية جديدة تنبع من العدم نفسه. الفرق الجوهري هنا هو أن البرامج القديمة كانت مفروضة من الخارج وتملأ الفراغ، بينما البرامج الجديدة هي تجسيدات واعية يختارها الساحر لتعمل كأدوات لتوجيه قوة العدم. التلمذة هي تعلم كيفية الرقص في الفراغ دون السقوط في العدمية السلبية. الساحر الناجح هو الذي إستطاع أن يحول عقله إلى مرآة سوداء صافية؛ فهي تبدو عدماً لأنها خالية من الصور الذاتية، ولكنها لهذا السبب تحديداً، قادرة على عكس وتجسيد أي صورة يلقيها فيها الكون أو الإرادة. إنها حالة الإمتلاء بالفراغ، حيث يصبح التلميذ حياً وميتاً في آن واحد؛ ميتاً عن برامجه القديمة، وحياً بقوة العدم التي لا تنضب. تتطلب التلمذة السحرية شجاعة التخلي عن الأمان المعرفي لصالح الخطر الوجودي للعدم. إزالة البرامج المسبقة هي الفعل السحري الأول والأهم؛ لأنها تحول الساحر من مستهلك للواقع إلى خالق للواقع. وبدون هذا التفريغ، يظل السحر مجرد طقوس شكلية تمارسها أنا محبوسة في سجن تصوراتها المسبقة. إن الوصول إلى العدم يتطلب أن تصبح أنت نفسك عدماً، لتثبت في النهاية أن اللاشيء هو في الحقيقة كل شيء حينما يتم توجيهه بإرادة حرة ومطهرة.
_ عدم الإنسانية: فلسفة التحول السحري وتفعيل القوة البدائية من فراغ ما قبل الحضارة
يُعد التحول إلى وحش (Lycanthropy/Therianthropy) في الفلسفة السحرية العميقة أكثر من مجرد تبدل في الشكل الفيزيائي؛ إنه عملية تفكيك وجودي تهدف إلى تفعيل ما يمكن تسميته بعدم الإنسانية (The Non-Human Void) داخل الساحر. لكي نفهم هذا المفهوم، يجب أن ننظر إلى الإنسانية كحزمة من القيود الثقافية، الأخلاقية، والعقلانية التي تفرض نظاماً معيناً على الوجود. الساحر الذي يسعى للتحول إلى وحش هو في الحقيقة يسعى للهروب من سجن التعريف الإنساني والعودة إلى حالة العدم البدائي؛ حيث لا توجد لغة، ولا تمييز بين الخير والشر، ولا إنفصال عن الطبيعة. هذا التحول هو تقنية لإعدام الأنا البشرية المنضبطة وإطلاق سراح اللاشيء الوحشي الكامن في الأعماق، وهو اللاشيء الذي يمتلك قوة فطرية لا تخضع للمنطق أو القانون. من الناحية الفلسفية، تُمثل الإنسانية حالة من الإمتلاء بالواجبات و التصورات الذهنية التي تعزل الكائن عن تدفق القوة الكونية الخام. الساحر يرى في الذئب أو الوحش رمزاً للوجود الصرف الذي لا يحتاج لتبرير نفسه عبر العقل. التحول هنا هو فعل نفي سحري؛ حيث يفرغ الساحر نفسه من التاريخ، و من الذاكرة البشرية، ومن البرمجيات الإجتماعية التي ناقشناها سابقاً، ليفسح المجال لظهور قوة تأتي من عدم ما قبل الحضارة. هذا العدم ليس غياباً للحياة، بل هو غياب للحدود التي تضعها الثقافة. عندما يصبح الساحر وحشاً، فإنه يفعّل منطقة في وعيه لا تعرف أنا، بل تعرف إرادة محضة، وهي إرادة تتصل مباشرة بالعدم الخلاق الذي يسبق تشكل الصور الإنسانية المحدودة. تكمن القوة السحرية المطلقة في هذا التحول في حالة اللاوعي الواعي. الوحش لا يشكك في قوته، ولا يتردد أمام الفعل، لأنه لا يمتلك أنا تحلل أو تندم. هذا الغياب للذات البشرية هو العدم الذي يمنح الساحر سيادة مطلقة على محيطه؛ فهو يصبح قوة طبيعية (Force of Nature) بدلاً من فاعل بشري. فلسفياً، يُعتبر عدم الإنسانية هو المدخل لإمتلاك القوة التي تتجاوز القوانين الأخلاقية والفيزيائية للواقع البشري. الساحر المتحول لا يصبح حيواناً بالمعنى البيولوجي الصرف، بل هو يتموضع في الفجوة التي يتركها غياب العقل البشري، مستخدماً جسده كجسر لتمثيل طاقة العدم المدمرة و المجددة في آن واحد. إنها عملية تشفير للقوة في صورة مخالب وأنياب، تعبر عن قدرة العدم على التمزيق وإعادة التشكيل. إن تفعيل عدم الإنسانية يحمل في طياته خطر التحلل النهائي؛ فإذا كان الساحر لا يمتلك مرساة سحرية قوية، فإن العدم الذي إستدعاه في صورة وحش قد يبتلع إنسانيته تماماً، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على العودة إلى الحالة البشرية (الجنون أو الضياع الوجودي). المواجهة مع الوحش الداخلي هي مواجهة مع العدم الذي يسبق تشكل الضمير. الساحر الذي ينجح في هذه التقنية هو من يستطيع إرتداء الوحش كقناع (Persona) دون أن يندمج فيه كلياً. القوة هنا تنبع من القدرة على البقاء في المنطقة الرمادية بين الإنسانية والعدم الوحشي؛ حيث يمتلك الساحر ذكاء الإنسان وقوة الفراغ الكامن في الوحش. هذا التوازن هو ما يجعل من التحول تقنية سحرية عليا، وليس مجرد إنحدار نحو الغريزة. يُعد التحول إلى وحش تقنية لتطهير الوجود من الزوائد البشرية. إنه إعتراف بأن القوة المطلقة تسكن في العدم الذي يرفضه العقل البشري المتحضر. عبر تفعيل عدم الإنسانية، يكسر الساحر الرابط مع الواقع المتفق عليه، و يدخل في حالة من السيولة الوجودية التي تسمح له بالتأثير في العالم بقوة لا تقيدها القواعد. الوحش هو تجسيد للفراغ الذي لا يهاب الفناء، لأنه ينبع من العدم الأبدي.
_ الموت الصغير: كيف تصبح النشوة جسراً لقذف الإرادة في رحم العدم
يُعد الإستمناء السحري (Sex Magick/Auto-eroticism) في سياق الميتافيزيقا الباطنية تقنية ديناميكية تهدف إلى التلاعب بالكثافة الوجودية للوعي، حيث يتم توظيف الذروة كجسر لحظي بين الوجود المتعّين والعدم المطلق. فلسفياً، لا يُنظر إلى هذه الممارسة كفعل فيزيولوجي لتفريغ الطاقة، بل كعملية شحن للعدم؛ فالساحر يستخدم النشوة الحسية كوقود لرفع تردد الأنا إلى أقصى حد ممكن، ثم يقوم في لحظة الرعشة (Orgasm) التي تُسمى في الأدبيات السحرية الموت الصغير (Le Petit Mort) بفتح ثغرة في جدار الواقع المادي لقذف الإرادة مباشرة في رحم العدم. إنها محاولة لتوليد طاقة مفرطة وتوجيهها نحو نقطة الصفر قبل أن يرتد الوعي مرة أخرى إلى حالة السكون والوجود المحدود. تكمن القوة الفلسفية للإستمناء السحري في حالة اللاتفكير (Vacuity) التي تصاحب ذروة النشوة. في تلك الثواني القليلة، يتوقف العقل التحليلي عن العمل، وتنهار البرمجيات المسبقة التي تحكم وعينا بالزمان والمكان؛ وهذا هو بالضبط ما نطلق عليه العدم المؤقت. الساحر لا يولد الطاقة لكي يحتفظ بها، بل لكي يطلقها كقذيفة نحو الفراغ الكوني. عندما تكون الطاقة في ذروتها، يتم دمج الرغبة أو الهدف السحري (Sigil) مع هذه الطاقة وتوجيهها نحو العدم. الفلسفة هنا هي أن العدم هو المغناطيس الكوني؛ فما يتم إلقاؤه فيه بلحظة خلوّ من الأنا، يكتسب صفة الإمكانية المطلقة ويبدأ في التجلّي في الواقع كفعل خلق من لا شيء. العدم هنا يعمل كمفاعل كيميائي يحول الرغبة الفردية إلى قدر كوني. تتبع هذه التقنية مساراً فلسفيًا دائريًا يبدأ من الإمتلاء الذي يعني تراكم الطاقة الجنسية في هذه الحالة وينتهي بالفراغ في لحظة بلوغ الرعشة والصمت التالي لها. هذا الفراغ الذي يتبع النشوة هو ليس مجرد تعب جسدي، بل هو حالة من العدم المقدّس حيث يصبح الكيان مفتوحاً تماماً. الساحر يوجه طاقته إلى العدم لأن العدم هو المكان الوحيد الذي لا توجد فيه مقاومة؛ فالواقع المادي يقاوم التغيير بسبب القوانين الفيزيائية، بينما العدم يستجيب فوراً للإرادة المحضة. العودة من هذا السفر الخاطف إلى العدم تعني أن الساحر قد ترك بذرته (إرادته) في حقل اللانهائي، ليعود إلى جسده كوعاء فارغ مستعد لإنتظار الثمار. إنها عملية تلقيح للغيب بواسطة طاقة الوجود المكثفة. في التحليل العميق، يُعتبر الإستمناء السحري ممارسة للسيادة على الذات؛ فالساحر لا يقع ضحية للرغبة، بل يستخدم الرغبة كمركبة فضائية للوصول إلى العدم. الخطورة الفلسفية تكمن في الإرتباط بالنشوة بحد ذاتها، مما يبقي الساحر مسجوناً في الوجود الحسي. النجاح يتطلب القدرة على النبذ الفوري للطاقة في لحظة إنفجارها نحو العدم. القوة المطلقة في هذه التقنية تنبع من أن الساحر يختبر الخلق في أصغر صوره من خلال فعل الإستمناء لكي يؤثر في الخلق في أعظم صوره الكونية الكبرى. إنه تذكير بأن العدم والوجود ليسا ضدين، بل هما قطبان في عملية التنفس الكونية؛ حيث الشهيق هو جذب الطاقة من الوجود، والزفير هو قذفها في العدم لتتحول إلى واقع جديد. يُعد الإستمناء السحري تقنية لتحويل الكثافة إلى لطافة؛ حيث يتم تحويل السائل والنبض كعناصر مادية إلى إرادة خالصة للممارسة الروحانية تُرسل إلى العدم. الساحر هنا يعمل كمحول طاقة، يسحب القوة من غريزته الحيوانية ويدفع بها نحو أفق العدم الوجودي، ليثبت أن أقوى الروابط المادية المتجسدة في الجنس يمكن أن تكون هي نفسها الوسيلة لتحقيق أقصى درجات التسامي و الإرتباط بالفراغ المطلق.
_ شق حجاب الوجود: فلسفة الحالات المتغيرة للوعي و هندسة التسلل إلى كود العدم
تُعد الحالات المتغيرة للوعي (Altered States of Consciousness) في الميتافيزيقا السحرية بمثابة المشرط الجراحي الذي يُستخدم لشق نسيج الواقع الظاهري، وهي فلسفياً تمثل التقنية الجوهرية لإضعاف حجاب الوجود (The Veil of Being) الذي يفصل بين العقل التحليلي و العدم المطلق. هذا الحجاب ليس كياناً مادياً، بل هو بناء معرفي يتكون من الحواس الخمس والمنطق الثنائي الذي يوهمنا بأن الوجود صلب ونهائي وثابت. الساحر يدرك أن الوعي العادي هو حالة من الحصانة ضد اللانهائي، حيث يعمل العقل كحارس يحمي الكيان من التلاشي في العدم. لذا، فإن الدخول في حالات النشوة، أو الغيبوبة، أو الحرمان الحسي، هو فعل تخريب متعمد لهذا النظام الدفاعي، بهدف جعل الحدود بين الأنا و اللاشيء شفافة ورقيقة إلى أقصى حد، مما يسمح للوعي بالإنزلاق نحو منطقة الصفر الكوني حيث تُصنع المعجزات. إن الفلسفة الكامنة وراء إضعاف الحجاب عبر الحالات المتغيرة تستند إلى فكرة أن الوجود المادي هو حالة من الجمود الإهتزازي. العقل في حالته الطبيعية يردد ترددات المادة، ولكن عند تغيير حالة الوعي سواء عبر التنفس الشامل، أو الأصوات الإيقاعية، أو الكيمياء المقدسة، يتم تغيير هذا التردد، مما يؤدي إلى حدوث تشقق في جدار الواقع. هذا التشقق هو ما يسمح للساحر برؤية العدم ليس كفراغ مخيف، بل كخلفية مضيئة إنبثق منها الوجود. في هذه اللحظة، يضعف حجاب الوجود لأن العقل يتوقف عن تصنيف الأشياء كموجودات مستقلة، ويبدأ في إدراكها كتموجات فوق سطح العدم. القوة المطلقة هنا تكمن في أن الساحر، من خلال إضعاف الحجاب، يكتسب القدرة على الوصول إلى الكود المصدر للكون، وهو الكود الذي لا يسكن في الأشياء نفسها، بل في الفراغ الذي يربط بينها. من منظور فلسفي عميق، الحالات المتغيرة للوعي هي عملية تسييل للصلابة؛ فالحجاب الذي يفصلنا عن العدم هو الصلابة التي نمنحها لأفكارنا وهوياتنا. عندما يضعف هذا الحجاب، يدخل الساحر في حالة من العدمية المعرفية، حيث لا يعود هناك فرق بين الداخل و الخارج. في هذا البرزخ، يصبح العقل قادراً على إستقاء المعلومات من العدم مباشرة دون وساطة الحواس. هذا هو السبب في أن الرؤى السحرية و الإتصالات الروحية تحدث غالباً في هذه الحالات؛ فالعدم، كونه يحتوي على كافة الإحتمالات، لا يمكن إستنطاقه إلا عندما يرتخي قبض الوجود على الوعي. الحجاب يضعف لدرجة أن الساحر يشعر بأنه يسبح في العدم، و هو ما يمنحه شعوراً بالقدرة المطلقة، لأن الفراغ لا يقاوم الإرادة، بل يشكلها ويعكسها فوراً. إن إضعاف حجاب الوجود هو سلاح ذو حدين؛ فالحجاب الذي يحد من القوة هو نفسه الذي يحمي الكيان من الإندثار. الفلسفة السحرية تحذر من أن الإمعان في إضعاف الحجاب قد يؤدي إلى الإمتصاص الكامل بواسطة العدم. الساحر الحكيم هو من يستخدم الحالات المتغيرة للوعي كعدسة لرؤية العدم، لا كهوة للسقوط فيه. القوة المطلقة تتطلب بقاء راصد يراقب عملية التلاشي؛ فإذا تلاشى الراصد مع الحجاب، فقدَ السحر فاعليته وأصبح مجرد غياب للوعي. لذا، فإن التقنية الحقيقية هي الحفاظ على خيط رفيع من الوعي بالعدم وسط إنهيار الوجود؛ وهي الحالة التي يكون فيها الساحر موجوداً و عدماً في آن واحد، ممتلكاً لمفاتيح الحجاب وقادراً على فتحه وإغلاقه بإرادته الحرة لغرض الخلق والتغيير. تُعد الحالات المتغيرة للوعي هي بوابة العبور من ضيق الوجود إلى إتساع العدم. إضعاف الحجاب ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحرير الإرادة من القيود السببية. من خلال هذه التقنية، يتوقف الساحر عن كونه سجيناً داخل الوجود المحدود، ليصبح مهندساً يعمل في الفراغ الذي يسبق الوجود. العدم هو المختبر، والحالة المتغيرة هي بطاقة الدخول، والنتائج هي الواقع الجديد الذي يتم سحبه من وراء الحجاب إلى عالم التجلّي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟