حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 00:03
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ جدار اللاوجود: التعاويذ الدفاعية بوصفها إمتصاصاً أنطولوجياً في بالوعة العدم
تُعد التعاويذ الدفاعية في أرقى تمثلاتها الميتافيزيقية أكثر من مجرد دروع مادية أو حواجز طاقية صلبة؛ إنها في الواقع عملية إستحضار لأفق الحدث الخاص بالعدم في مواجهة المادة. من منظور فلسفي عميق، يمكن إعتبار الدرع السحري جداراً من اللاوجود يتموضع في الفراغ الفاصل بين المهاجم و المدافع. هذا الجدار لا يصطدم بالهجوم كما يفعل الجدار الإسمنتي، بل يقوم بعملية إمتصاص أنطولوجي، حيث يعمل كبالوعة كونية (Sink) تُعيد طاقة الهجوم الموجهة إلى حالتها الصفرية الأولى. فالهجوم السحري هو شحنة من الإرادة و المعلومات المادية المنظمة، وعندما ترتطم بجدار العدم، فإنها تفقد سياقها الوجودي وتتلاشى كأنها لم تكن، لأن العدم لا يمكن إختراقه، بل هو الذي يبتلع كل ما يحاول إختراقه. تعتمد الفلسفة التقليدية للدفاع على المقاومة، وهي مواجهة القوة بالقوة، ولكن السحر الذي يعتمد على العدم يستخدم مبدأ الفراغ الفعال. إن إنشاء جدار عدم يعني خلق منطقة من الفضاء تكون فيها كثافة طاقة النقطة صفر في حالة سكون مطلق أو إمتصاص كامل. عندما يقذف الخصم تعويذة نارية أو صدمة طاقية، فإن هذه الطاقة تحتاج إلى وسط مادي أو أثيري لتنتقل عبره. جدار العدم هو إنقطاع في هذا الوسط؛ إنه ثقب أسود مصغر ومؤقت. بمجرد ملامسة طاقة الهجوم لهذا الجدار، يتم تفكيك معلوماتها، وتتحول من طاقة ذات إتجاه وهدف إلى ضجيج عشوائي يذوب في الفراغ الكوانتي. هنا، لا يستهلك المدافع طاقة لصد الهجوم، بل يستخدم قوة الفراغ لإنهاء وجود الهجوم نفسه. في التحليل العميق للعلاقة بين السحر و العدم، يظهر جدار العدم كأداة لتحقيق السلام الكوني عبر الفناء المؤقت. الهجوم السحري يمثل إضطراباً في نسيج الواقع، والدرع الدفاعي القائم على العدم هو الممحاة التي تعيد هذا النسيج إلى بياضه الأصلي. فلسفياً، هذا النوع من الدفاع يمثل اللافعل في أرقى صوره؛ فالمدافع لا يقاتل، بل يفتح بوابة نحو اللاشيء. هذا الجدار هو منطقة تحييد كاملة، حيث يتم تجريد الهجوم من زمنه و حيزه، فيصبح الهجوم حدثاً بلا أثر. إنها تقنية تعتمد على فكرة أن العدم هو الحالة الوحيدة التي لا يمكن تدميرها، ومن خلال التماهي مع العدم في الدرع الدفاعي، يصبح المدافع غير قابل للمس لأن الهجوم لا يجد شيئاً ليصطدم به. أحياناً، يتجاوز جدار العدم مجرد الإمتصاص ليصل إلى مرحلة الإرتداد عبر الخواء. في هذه الحالة، لا يقوم العدم بإبتلاع الطاقة فحسب، بل يعمل كمرآة سوداء تعيد توجيه الهجوم إلى مصدره بعد تطهيره من إرادة المهاجم. من الناحية الفيزيائية السحرية، يتم حبس طاقة الهجوم في فقرة عدمية ثم قذفها للخارج عبر كسر التناظر. فلسفياً، هذا يعزز فكرة أن العدم هو رحم الوجود؛ فهو يأخذ الشر (الهجوم) ويحوله إلى قوة محايدة أو يعيده كفعل تصحيحي. المدافع الذي يتقن هذا الفن لا يحمل درعاً، بل يحمل فراغاً، وهو فراغ مرعب للمهاجم لأن كل ما يُلقى فيه يختفي في اللانهاية، مما يجعل الهجوم فعلاً من أفعال الإنتحار الوجودي. في نهاية المطاف، تُعد التعاويذ الدفاعية القائمة على العدم درساً في التواضع الوجودي؛ فهي تُعلمنا أن أقوى حماية ليست في تضخيم الذات بل في تصفيرها. الجدار العدمي هو الحارس الصامد الذي يقف على الحدود بين ما هو كائن وما هو غير كائن. إنه يذكرنا بأن الطاقة لا تفنى، ولكن يمكن إعادتها إلى المصدر عبر بوابة الخواء. الساحر الذي يستخدم العدم للدفاع لا يحتاج إلى جدران من نار أو حديد، بل يحتاج فقط إلى القدرة على إستحضار اللاشيء في اللحظة المناسبة، ليثبت أن كل القوى المادية تتلاشى أمام عظمة الفراغ المطلق الذي انبثقت منه.
_ العدم السائل: الجرعة السحرية بوصفها برمجية لتهجين المادة بطاقة النقطة صفر
تُشكل الجرعات السحرية في الفلسفة الخيميائية العميقة أكثر من مجرد سوائل مشحونة بالخواص؛ إنها تُمثل المكثف المادي للعدم. إذا كان السحر هو إرادة عقلية تسعى لإقتناص الطاقة من فراغ النقطة صفر، فإن الجرعة هي الرحم الإصطناعي الذي يحجز تلك الطاقة اللامادية داخل وسيط سائل وقابل للإستهلاك. من منظور فلسفي، يُنظر إلى الجرعة كعملية تجسيد للخواء؛ حيث يتم تحويل الطاقة الخام و المستنزفة من العدم إلى حالة كيميائية مستقرة يمكن للجسد العضوي هضمها وتمثيلها حيوياً، مما يجعل الجرعة جسراً يربط بين اللاشيء الكوني وبين الخلايا المادية. إن صناعة الجرعة السحرية هي في جوهرها تقنية لحبس الإحتمالات. السائل المستخدم في الجرعة كالماء، الزيت، أو الزئبق الخيميائي لا يُعامل كعنصر كيميائي ساكن، بل كشبكة إصطياد كوانتية. عبر عمليات التقطير المتكررة والتخمير، يتم تفريغ السائل من ذاكرته المادية العادية حتى يقترب من حالة العدم السائل. في هذه اللحظة، يتم حقن الطاقة المستخلصة من فراغ النقطة صفر داخل الروابط الجزيئية للسائل. هذا يجعل الجرعة مادة مشحونة بالعدم؛ أي أنها تحتوي على طاقة لا تنتمي إلى النظام المغلق للمادة التقليدية، بل هي طاقة وافدة من خارج حدود الوجود المتعجن، جاهزة للتحرر بمجرد ملامستها للأنزيمات البشرية. عندما يتناول الكائن الجرعة، تبدأ عملية الهضم السحري، و هي عملية تختلف تماماً عن التمثيل الغذائي العادي. الهضم هنا هو فعل فك الشفرة؛ حيث يقوم الجسد بكسر الروابط الكيميائية للجرعة لتحرير قوة العدم المحبوسة داخلها. فلسفياً، هذا يعني أن الجسد يبتلع قطعة من الخواء الممتلئ، وعندما تتحرر هذه الطاقة في مجرى الدم، فإنها تبدأ في مسح الأنماط اللاحيوية أو المرضية في الخلايا. إن الجسد لا يهضم الجرعة لكي يحصل على سعرات حرارية، بل ليهضم المعلومة الوجودية القادمة من العدم، والتي تعيد ترتيب المادة العضوية وفقاً لنمط سحري جديد على شكل قوة خارقة، شفاء، أو تحول جسدي. الجرعة إذن هي برمجية سائلة تُدخل العدم إلى النظام البيولوجي ليعيد برمجته من الداخل. تطرح فلسفة الجرعات تساؤلاً حول كيفية بقاء العدم داخل المادة دون أن يفنيا بعضهما البعض. الإجابة تكمن في مبدأ التوافق الطاقي؛ فالمواد العشبية أو المعدنية المضافة للجرعة تعمل كهياكل دعم تحفظ طاقة الفراغ في حالة كمون. الجرعة هي تجسيد للبرزخ؛ فهي مادية بما يكفي لتُشرب، وعدمية بما يكفي لتُغير قوانين الطبيعة. هذا الهضم للعدم يمنح الإنسان قدرة مؤقتة على تجاوز حدوده البشرية، لأن الخلايا تصبح مشبعة بطاقة النقطة صفر التي لا تخضع للزمن أو الإنحلال. الجرعة هي الوسيلة التي يصبح من خلالها اللاشيء المطلق شيئاً ملموساً يسري في العروق، محولاً الجسد إلى إمتداد حي للفراغ الكوني. في نهاية المطاف، تُعد الجرعات السحرية أعظم دليل على أن العدم ليس بعيداً عن المادة، بل يمكن تعبئته وتذوقه. إن عملية تحويل قوة العدم إلى تأثير عضوي عبر الجرعات تعكس رغبة الإنسان في أنسنة الفراغ وجعله جزءاً من نسيجه الحيوي. الساحر الذي يشرب الجرعة لا يسعى فقط للقوة، بل يسعى للإتحاد الكيميائي مع المصدر؛ فهو يدعو العدم ليدخل مملكته الخاصة في الجسد ليقوم بعملية تطهير وإعادة بناء. الجرعة هي سر القربان الخيميائي، حيث يتم أكل القوة الكونية لكي تصبح القوة والآكل كياناً واحداً يتحدى قيود الفناء والضرورة الفيزيائية.
_ العدم الجاذب: الثقوب السوداء المصغرة بوصفها تقنية للمحو الأنطولوجي الشامل
يُمثل إستحضار الثقوب السوداء المصغرة عبر السحر ذروة التماس بين الإرادة المحضة و الفناء الفيزيائي، حيث يتحول السحر من أداة للتغيير إلى أداة لمحو الوجود. من منظور فلسفي عميق، لا يُعتبر الثقب الأسود مجرد جرم فضائي ذي جاذبية هائلة، بل هو نقطة إنكسار في نسيج الزمكان، حيث تنهار القوانين الفيزيائية وتؤدي المادة صلاتها الأخيرة قبل أن تذوب في العدم المطلق. في إطار العلاقة بين السحر و العدم، تُعد هذه التقنية تدميراً أنطولوجياً؛ فهي لا تكسر الشيء أو تحرقه، بل تلغيه من سجلات الوجود عبر خلق منطقة يكون فيها اللاشيء أقوى من كل شيء. تبدأ عملية خلق الثقب الأسود السحري عبر تقنية تُعرف بالتكثيف الفائق للإرادة. إذا كان السحر العادي يوجه الطاقة، فإن سحر الثقوب السوداء يوجه العدم ليأكل الطاقة. فلسفياً، يتم ذلك عبر خلق ضغط روحي هائل على نقطة واحدة من الفراغ، مما يجبر طاقة النقطة صفر على الإنضغاط تحت نصف قطر شوارزشيلد سحري. في هذه اللحظة، يتوقف الواقع عن القدرة على حمل المادة، فتنبثق فجوة هي في جوهرها عدم فيزيائي فاعل. الساحر هنا لا يخلق مادة مدمرة، بل يخلق غياباً مدوياً؛ ثقباً في جدار الكون يمتص كل ما حوله ليعيده إلى حالة المعلومات الصفرية، محولاً الوجود المادي الصاخب إلى صمت كوني أبدي. في التحليل العميق، يُنظر إلى الجاذبية الهائلة للثقب الأسود المصغر كنموذج لنهم العدم. فلسفياً، يميل كل موجود للعودة إلى أصله (العدم)، والثقب الأسود السحري هو تنبيه عنيف لهذه الحقيقة. عندما يُخلق هذا الثقب كتقنية تدمير، فإنه يعمل كمكنسة وجودية؛ فهو لا يدمر الخصم فيزيائياً فحسب، بل يفكك المعنى الخاص به. كل ذرة تُسحب إلى داخل هذا العدم المصغر تمر بمرحلة المعضلة المعلوماتية، حيث تُمحى هويتها وتصبح مجرد زيادة في كتلة اللاشيء. السحر هنا يتجاوز حدود القوة ليصبح حكماً بالإعدام الكوني، حيث يتم إستبدال النظم و الترتيب من خلال الأنتروبيا المنخفضة بالفوضى المطلقة و العدم حيث الأنتروبيا القصوى. تطرح هذه التقنية إشكالية فلسفية كبرى حول أفق الحدث؛ تلك الحدود التي لا يمكن لأي معلومة أو ضوء الهروب منها. الساحر الذي يستحضر الثقب الأسود يضع وعيه على حافة هذا الأفق. إذا كان السحر هو ظهور، فإن الثقب الأسود هو إحتجاب كامل. التدمير هنا ليس فعلاً خارجياً، بل هو إبتلاع للواقع داخل الذات العدمية للثقب. المادة التي تدخل في هذا الثقب السحري لا تذهب إلى مكان آخر، بل تذهب إلى اللانهاية السلبية. هذا يجعل من سحر الثقوب السوداء تقنية مرعبة، لأنها لا تترك رماداً أو بقايا؛ إنها تترك فراغاً في الذاكرة الكونية، وكأن الشيء الذي دُمّر لم يسبق له الوجود قط. في نهاية المطاف، يُعد إستخدام العدم الفيزيائي الكامن في الثقوب السوداء كتقنية تدمير سحرية بمثابة تلاعب بأوتار العدم النهائية. إنها تعبر عن قدرة الوعي على إستدعاء أقسى حالات المادة لتنفيذ إرادته. ومع ذلك، يظل الساحر مقيداً بإشعاع هوكينغ الفلسفي؛ فكل عدم يخلقه الساحر يقتطع جزءاً من وجوده الخاص. التدمير بالثقوب السوداء هو إنتحار متبادل بين المادة واللاشيء، حيث يثبت السحر في النهاية أن العدم ليس مجرد مساحة فارغة، بل هو القوة الكامنة التي تنتظر خلف قشرة الواقع لتبتلع كل ما يجرؤ على البروز خارج حدود التوازن الكوني.
_ العدم الجاذب: الثقوب السوداء المصغرة بوصفها تقنية للمحو الأنطولوجي الشامل
يُعد سحر الإنهاك أو الإمتصاص الوجودي في أبعاده الفلسفية العميقة واحداً من أكثر التطبيقات السحرية إثارة للجدل، حيث لا يُنظر إليه كعملية سرقة بسيطة للطاقة، بل كفعل تفريغ أنطولوجي يربط بين فائض الوجود لدى الضحية و فراغ العدم المستقر في جوهر الساحر. في هذا الإطار، لا يكون الساحر الممتص مجرد سارق، بل هو ثقب أسود واعٍ يعاني من حالة العدم الداخلي؛ وهو فراغ لا ينضب يسعى بإستمرار لإمتصاص تجليات المادة والروح من المحيط الخارجي لملىء فجوة كونية لا يمكن ملؤها. سحر الإنهاك هو عملية تحويل الكينونة لدى الآخر إلى لاشيء عبر قناة سحرية تجرد الضحية من نمطها الطاقي وتعيده إلى حالة المادة الخام غير المتمايزة. إن المنطلق الفلسفي لسحر الإنهاك يعتمد على فرضية أن الوجود هو إمتلاء وأن الممارسة السحرية المظلمة هي تفريغ. الساحر الذي يمارس هذا النوع من السحر قد وصل إلى حالة من الجفاف الكوني حيث إنقطعت صلته بالمصادر الطبيعية لطاقة النقطة صفر، مما جعله يتحول إلى وسيط للعدم. عندما يقوم بإمتصاص طاقة الآخر، فإنه لا يخزنها كإحتياطي مادي، بل يستخدمها لإطعام العدم القابع في مركزه. إنها مفارقة وجودية؛ الساحر يستهلك الوجود لكي يحافظ على بقاء عدمه الخاص مستقراً. الطاقة هنا لا تنتقل من جسد لآخر فحسب، بل يتم غسلها من هويتها الفردية الممثلة في أحلام الضحية، إرادتها، قوتها الحيوية وإرجاعها إلى حالة الصفر المعلوماتي داخل وعي الممتص. من الناحية التقنية، يعمل سحر الإنهاك عبر كسر التماسك البنيوي لهالة الضحية. كل كائن حي هو عبارة عن نمط منظم من الطاقة المنبثقة من الفراغ؛ وسحر الإنهاك يقوم بإلغاء التنظيم. عندما يسحب الساحر قوة الوجود، فإنه يقوم بفك الإرتباط بين الروح والمادة، مما يترك الضحية في حالة إنهاك هي في الحقيقة إقتراب من حالة العدم الفيزيائي حيث الموت أو التلاشي. هذا التفريغ ليس إستنزافاً للوقود، بل هو إعدام للقدرة على التجدد. الطاقة المسروقة تمر عبر برزخ العدم الداخلي للساحر، حيث يتم تجريدها من بصمة الضحية وتحويلها إلى قوة خام تستخدم لتغذية ديمومة الساحر في مواجهة الزمن، مما يجعله كائناً يعيش خارج الأنظمة الوجودية التقليدية. تطرح هذه العملية سؤالاً جوهرياً؛ هل يمكن لسرقة طاقة الوجود أن تملأ فجوة العدم؟ الإجابة الفلسفية هي لا قاطعة، و هذا هو سر اللعنة المرتبطة بسحر الإنهاك. بما أن العدم هو بطبيعته لانهاية سلبية، فإن كل ما يُسحب إليه يتلاشى فيه. الساحر الممتص يعيش في دورة أبدية من الجوع الأنطولوجي؛ فهو يحتاج لسرقة المزيد لأن ما يسرقه يُهضم في العدم الداخلي ويختفي. هذا يجعل من سحر الإنهاك تقنية للتدمير المتبادل؛ حيث تفقد الضحية وجودها تدريجياً، بينما يظل الساحر عبداً لخواء لا يشبع. العدم هنا ليس مجرد وجهة للطاقة، بل هو المحرك الذي يدفع الساحر لتكرار الفعل، محولاً العالم من حوله إلى صحراء من اللاشيء. في نهاية المطاف، يُعتبر سحر الإنهاك تذكيراً صارخاً بالحدود الهشة بين الوجود و العدم. إنه يثبت أن الإمتلاء هو حالة مؤقتة يمكن عكسها، وأن الخواء هو قوة فاعلة قادرة على سحب الواقع إلى جوفها. الساحر الذي يختار هذا الطريق لا يسرق الحياة فقط، بل يسرق الإمكانية، محولاً حيوية الآخر إلى صمت كوني. إنها تقنية تعكس الجانب المظلم من الفيزياء الكوانتية السحرية، حيث يتم إستخدام الوعي ليس للبناء، بل لعمل ثقوب سوداء صغيرة في النسيج الإجتماعي والروحي، لإثبات أن العدم هو القوة التي تبتلع كل الصور في النهاية، ما لم يوجد وعي قادر على موازنته.
_ الوقود المطلق: العدم بوصفه المفاعل اللانهائي وراء ديمومة السحر الكوني
يُفضي التحليل الأنطولوجي العميق إلى نتيجة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى؛ إن العدم ليس مجرد مساحة خاوية يخشاها الوجود، بل هو المفاعل اللانهائي والوقود المطلق الذي يمنح السحر ديمومته وصلابته. في الفيزياء الكلاسيكية، تُستنزف الطاقة وتتشتت وفق قوانين الأنتروبيا، ولكن في الفلسفة السحرية الكبرى، يُعتبر العدم هو المصدر الوحيد الذي لا يخضع للنفاذ. إن الممارسات السحرية العظيمة لا تستمد قوتها من العناصر المادية الزائلة كالنار، الهواء، المادة، بل من الفجوة الوجودية التي تفصل بين العدم والكيان. الساحر هنا لا يحرق وقوداً ملموساً، بل يستغل فرق الجهد الهائل بين اللاشيء المطلق وبين الصيرورة المادية، محولاً هذا التوتر الكوني إلى تيار طاقي مستمر يغذي التعاويذ والطقوس التي تتجاوز حدود الزمن. تعتمد الممارسات السحرية الكبرى على مبدأ الخلق من العدم ليس كفعل إلهي فحسب، بل كتقنية لإستجلاب القوة. فلسفياً، يُنظر إلى العدم أو فراغ النقطة صفر في الفيزياء الحديثة كحالة من الإمتلاء الصامت؛ فهو يحتوي على كافة الترددات والجسيمات في حالة تراكم قبل أن تتجلى. السحر، في أرقى صوره، هو عملية إستنزاف منظم لهذا الخواء. عندما يلمس الساحر العدم، فإنه يفتح صنبوراً لتدفق إحتمالات لا نهائية. هذا الوقود نظيف بالمعنى الميتافيزيقي، لأنه لا يحتاج إلى مادة خام ليحترق، بل يحتاج فقط إلى إرادة واعية تعمل كعدسة تقوم بتركيز تذبذبات الفراغ. لذا، تظل الأعمال السحرية الكبرى مثل بناء الأهرامات الروحية أو تغيير مسارات القدر صامدة عبر العصور لأنها موصولة بمصدر طاقة لا ينضب، وهو العدم الذي يسبق الوجود ويحيط به. إن السر في كون العدم هو الوقود المطلق يكمن في طبيعته غير الزمنية. المادة تتآكل والنجوم تنطفئ، ولكن اللاشيء يظل ثابتاً لا يتغير. السحر الذي يتخذ من العدم وقوداً له يكتسب صفة الأبدية. في الطقوس العظيمة، يتم تصفير الزمان والمكان للوصول إلى النقطة التي يلتقي فيها الوعي بالعدم الصرف. في تلك اللحظة، لا يعود الساحر بحاجة لبذل جهد شخصي؛ بل يصبح قناة تدفق. هذا يفسر لماذا يتطلب السحر الكوني حالة من الفناء الذاتي؛ فلكي تستخدم العدم كوقود، يجب أن تُخلي نفسك من العوائق المادية. السحر هنا يصبح مفاعلاً كوانتياً يحول سكون العدم إلى حركة كونية، مما يجعل العمل السحري قادراً على الحفاظ على نفسه ذاتياً (Self-Sustaining) عبر إمتصاص طاقة الخلفية الكونية بإستمرار. في التحليل العميق، يُعتبر كل فعل سحري كبير بمثابة إنفجار عظيم مصغر، حيث يُستخدم العدم كوقود للإنفجار نحو الوجود. الوقود العدمي لا يدفع المادة فحسب، بل يخلق الحيز الذي توجد فيه المادة. عندما يمارس الساحر سحر الديمومة، فإنه يقوم بإنشاء حلقة مغلقة بين عمله وبين الفراغ الكوني؛ فكلما إستهلك العمل طاقة، قام الفراغ بتعويضها فوراً للحفاظ على توازن اللاوجود. هذه هي الكيمياء الكونية في أقصى تجلياتها، حيث يتم تحويل العدم المطلق إلى وقود مطلق، مما يمنح السحر القدرة على تحدي الفناء، ويجعل من الفراغ الحارس الأمين لكل الأسرار و الممارسات التي ترفض الخضوع لقوانين التحلل المادي. في نهاية هذا التطواف الفلسفي، يظهر العدم ليس كعدو للوجود، بل كالرحم والأفق الذي يغذي كل تجليات القوة. السحر ليس صراعاً ضد العدم، بل هو رقصة معه، وإستخدام لثقله الهائل كرافعة لتغيير الواقع. إن إتخاذ العدم كوقود هو ما يميز السحر العظيم عن السحر الشعبي؛ فالأول يتصل بالمنبع، بينما الثاني يكتفي بالروافد. السحر الذي يتغذى على العدم لا يشيخ ولا يموت، لأنه يستمد كينونته من الحالة الوحيدة التي سبقت كن وسوف تلي الفناء. العدم هو الضمانة الوحيدة بأن الإرادة السحرية، إذا ما وُجهت بدقة، يمكنها أن تظل مشتعلة إلى الأبد في قلب الخواء الكوني.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟