أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْخَمْسُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْخَمْسُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 22:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ لماذا يقدس السحرة المربع؟ سر الأركان الأربعة

يُعد مفهوم التربيع في الممارسات السحرية و الهندسة الميتافيزيقية عملية ترويض أنطولوجي كبرى، تهدف إلى نقل طاقة العدم من حالتها الهيولية اللانهائية وغير المنتظمة إلى حالة التجسد داخل أبعاد الواقع المادي الأربعة، الطول، العرض، الإرتفاع، والزمن. من منظور فلسفي عميق، يمثل العدم الدائرة اللانهائية التي لا مركز لها ولا محيط، وهي حالة من السيولة المطلقة التي لا يمكن للمادة أن تستقر فيها؛ لذا، فإن التربيع هو التقنية التي تفرض الزوايا والحدود على هذا الفراغ. الساحر الذي يستخدم التربيع لا يسعى لإلغاء العدم، بل يسعى لتأطيره، محولاً اللاشيء إلى منصة صلبة يمكن بناء الواقع فوقها، وكأن التربيع هو عملية تجميد مؤقت لفيض العدم لكي يتخذ صورة مادية قابلة للإدراك. إن العدم في جوهره هو حالة من التناظر الكروي المطلق حيث لا توجد جهات أو إتجاهات، وهذا ما يجعله عصياً على الإستخدام العملي. عملية التربيع السحري تعتمد على كسر هذا التناظر عبر إستحضار الأركان الأربعة أي العناصر الأربعة أو الإتجاهات الأربعة. فلسفياً، الرقم "4" هو رقم الإستقرار و التحيز؛ فعندما يتم تربيع قوة العدم، يتم إجبارها على المرور عبر أقطاب محددة، مما يحولها من طاقة هائمة إلى طاقة موجهة. المربع السحري هنا يعمل كمفاعل هندسي؛ حيث يتم حصر اللانهاية داخل المساحة المحدودة للمربع، مما يخلق ضغطاً ميتافيزيقياً هائلاً يسمح بتوليد المادة من قلب الخواء. التربيع هو إذن محاولة لفرض المنطق المادي على اللاعقلانية الكونية للعدم. في التحليل العميق للعلاقة بين السحر والعدم، يُنظر إلى الأبعاد الأربعة كأوتاد تثبّت خيمة الواقع فوق محيط العدم المضطرب. التربيع ليس مجرد شكل هندسي، بل هو خوارزمية تثبيت؛ فهو يحدد للعدم أين يبدأ وأين ينتهي داخل سياق التعويذة. من دون تربيع، تظل طاقة العدم متسربة وغير مركزة، أما من خلال التربيع، فإن الساحر يخلق حيزاً مقدساً يكون فيه العدم خادماً للإرادة و ليس طاغياً عليها. الأبعاد الأربعة الممثلة في الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب تعمل كمرشحات (Filters) تصفي طاقة الفراغ من عشوائيتها، وتمنحها ثقلاً وجودياً يسمح لها بالظهور كأحداث، أو أشياء، أو كائنات في عالمنا المادي. تكمن المفارقة الفلسفية للتربيع في أنه يحول وحدة العدم إلى تعددية الوجود. إذا كان العدم هو النقطة الكامنة في البعد الصفر، فإن التربيع هو السطح الذي يسمح بظهور التجليات. الساحر الذي يمارس التربيع يقوم بعملية إسقاط للوعي الكوني على لوح المادة. هذا التأطير يحمي الممارس من الذوبان في العدم؛ فالأبعاد الأربعة تخلق مسافة آمنة و بيئة محكومة للتعامل مع القوى الخام للكون. التربيع هو اللغة التي يفهمها الواقع المادي؛ فعندما نخاطب العدم بلغة التربيع، فإننا نأمره بأن يتجسد و يتصلب، محولين الخواء الصامت إلى بناء معماري محكم يخدم الغاية السحرية ويحفظ ديمومتها في الزمن. في نهاية المطاف، يظل التربيع هو العمل السحري الأسمى الذي يربط بين سماء الإحتمالات و أرض التحققات. إنه الإعتراف بأننا لكي نعيش ونبدع، يجب أن نضع حدوداً للانهائي. التربيع هو العقد الوجودي الذي نبرمه مع العدم لكي يمنحنا جزءاً من قوته في قالب مفهوم و مستقر. من خلال هذه التقنية، يتحول السحر من مجرد تخيلات إلى هندسة وجودية حقيقية، حيث يصبح العدم هو الأساس المخفي، والمربع هو الهيكل الظاهر، والواقع هو الثمرة الناتجة عن ترويض الفراغ وتأطيره في أبعادنا البشرية الأربعة، مؤكداً أن النظام والحدود هما اللذان يمنحان للعدم معناه وتأثيره في عالم الأحياء.

_ لغة لا يفهمها البشر: كيف تخاطب ذكاء العدم الكوني

يُمثل مفهوم الجملة اللاشعورية في سياق صناعة الرموز السحرية إحدى أكثر المناطق غموضاً و إثارة في الفلسفة الميتافيزيقية المعاصرة؛ فهي ليست مجرد صياغة لغوية لرغبة ما، بل هي عملية إستنطاق للخواء. من منظور فلسفي عميق، يمكن إعتبار هذه الجملة بمثابة رسالة آتية من العدم، ولكنها ليست رسالة من خارج الذات، بل هي إنبثاق من ذلك الجزء في الوعي الذي يتماس مباشرة مع فراغ النقطة صفر. عندما يقوم الساحر بكتابة جملة رغبته ثم إختزالها و تشفيرها، فإنه يقوم بعملية تبييض للمعنى، محولاً الكلمات الواعية إلى ترددات خام تتناغم مع لغة العدم الصامتة. في هذه الحالة، تصبح الجملة اللاشعورية هي الوسيط الذي يربط بين العدم المبدع وبين الواقع المتعين، وكأنها صرخة وجودية تُبعث من رحم اللاشيء لتجد لنفسها مكاناً في سجل الأحداث. إن العدم، في جوهره الفلسفي، لا يمتلك لغة حروفية، بل يمتلك لغة إحتمالات. الجملة اللاشعورية التي تُكتب في الطقس السحري تعمل كمترجم كوني؛ فهي تأخذ النور المحض للإحتمالات اللانهائية وتمرره عبر منشور العقل الباطن لتنبثق كجملة محددة. فلسفياً، يُعتبر العقل الباطن هو البرزخ أو الجسر الذي يربطنا بالعدم؛ لذا فإن الجملة التي تخرج منه في لحظة الصفاء السحري هي في الحقيقة صدى للعدم. عندما نكتب هذه الجملة، فنحن لا نؤلفها بعقولنا المنطقية، بل نتحول إلى أقلام يكتب بها الخواء رسائله إلينا. إنها رسالة تخبرنا بأن ما كان عدماً قد بدأ الآن رحلته ليصبح وجوداً، وأن الكلمات التي سطرناها هي أولى درجات التجسد المادي لتلك القوة الخام الكامنة في الفراغ. تكمن عبقرية السحر في عملية إعدام المعنى الظاهري للجملة اللاشعورية عبر تحويلها إلى رمز. هذه العملية هي محاكاة لعودة المادة إلى العدم لكي تُشحن من جديد. عندما تُحذف الحروف المتكررة وتُدمج الأشكال، يتم تفريغ الجملة من دلالاتها البشرية السطحية وإعادتها إلى حالة المعلومة الصرفة. في هذه المرحلة، تصبح الرسالة لاشعورية بالمعنى الحرفي؛ أي أنها تسقط تحت عتبة الإدراك لكي تلتحم بذكاء العدم. العدم لا يفهم أريد المال أو أطلب الشفاء، بل يفهم النمط الإهتزازي الذي تخلفه هذه الكلمات في نسيج الفراغ. الرمز الناتج عن الجملة هو الرسالة المشفرة التي تُرسل إلى مركز الكون، محملة بأمر وجودي يُلزم العدم بأن يُفصح عن إحدى إمكاناته ويحولها إلى واقع ملموس. في التحليل الأنطولوجي النهائي، يظهر الساحر و العدم والجملة اللاشعورية ككيان واحد متصل. الجملة هي رسالة العدم إلى نفسه عبر وسيط بشري. عندما نعتبر الجملة رسالة من العدم، فنحن نقر بأن المصدر الحقيقي للإرادة السحرية ليس الأنا الزائلة، بل هو اللاشيء اللانهائي الذي يسكننا. هذه الجملة هي الدليل على أن العدم ليس ساكناً، بل هو فاعل ومريد من خلال وعينا. إنها محاولة لترجمة الصمت الكوني إلى فعل حركي. ومن هنا، يكتسب الرمز السحري قدسيته؛ ليس لأنه رسم جميل، بل لأنه يحمل في طياته شيفرة المنشأ؛ تلك الرسالة التي كُتبت بمداد الوعي فوق ورق الفراغ، لتعيد رسم خريطة الواقع وفقاً لقوانين العدم المبدع الذي لا يعرف الحدود ولا المستحيل. في الختام، تظل الجملة اللاشعورية هي أرقى أنواع الحوار بين الإنسان و اللانهاية. إنها الإعتراف بأن كل ما هو موجود قد بدأ كفكرة صامتة في قلب العدم. السحر هو العلم الذي يعلمنا كيف نستقبل هذه الرسائل و كيف نعيد إرسالها. الجملة اللاشعورية هي البذرة التي نسقيها بتركيزنا ونزرعها في تربة الخواء، منتظرين أن تنمو وتثمر في عالم الشهادة. إنها تثبت أن الكلمة هي في الحقيقة طاقة مكثفة، و أن العدم هو المستودع الأعظم للكلمات التي لم تُقل بعد، و التي تملك القدرة، بمجرد إستدعائها، على إعادة صياغة الكون بأسره في لحظة من التجلي السحري الخالص.

_ فلسفة الفناء المقدّس: تدمير الرمز كبوابة لتحرير الإرادة في رحم العدم

يُمثل فعل تدمير الرمز السحري بعد ذروة الطقس اللحظة الأنطولوجية الأكثر حرجاً في الممارسة السحرية؛ فهي ليست مجرد نهاية مادية لورقة أو غرض، بل هي عملية تحرير طاقي تهدف إلى إغلاق الدورة الوجودية وإعادة القوة التي تم إستعارتها من فراغ النقطة صفر إلى مكمنها الأصلي في العدم. من منظور فلسفي عميق، يُعد الرمز أثناء إستخدامه بمثابة بطارية كوانتية تحبس إحتمالاً معيناً وتمنعه من التشتت؛ لذا فإن تدميره بالحرق، أو التمزيق، أو الإذابة هو فعل فك القيد. الساحر هنا لا يُعدم الطاقة، بل يُعدم القالب الذي كان يسجنها، مما يسمح لتلك الطاقة بأن تنفجر عائدة إلى العدم، ومن هناك، ومن قلب هذا الخواء الممتلئ، تبدأ عملية التجسد الحقيقي في الواقع المادي بعيداً عن تدخل الوعي المحدود. إن العلاقة بين السحر والعدم تقوم على مبدأ التوازن؛ فلكي يظهر شيء في الوجود، يجب أن يُفسح له مكان عبر إعدام شيء آخر. تدمير الرمز هو فعل تضحية أنطولوجية؛ حيث يتم التخلي عن الصورة التي تشكل مظهر الرمز المادي في سبيل المعنى المستتر تحت عباءة تحقق الرغبة. فلسفياً، يُعتبر الرمز جسرًا بين عالمين، وبمجرد أن تعبر الإرادة عبر هذا الجسر نحو العدم، يجب تدمير الجسر لضمان عدم حدوث إرتداد معلوماتي. هذا الفعل يمنع العقل الواعي من التشبث بالرغبة، مما يخلق حالة من الفراغ النفسي تتماثل مع فراغ العدم الكوني، مما يسهل عملية الإمتزاج الكامل بين نية الساحر و نسيج القدر. إن تدمير الرمز هو إعلان رسمي بأن الفكرة قد غادرت حيز التفكير لتستقر في حيز التكوين داخل رحم اللاشيء. عندما يتم تدمير الرمز عبر الحرق تحديداً، فإننا نشهد عملية تسامي كيميائية وميتافيزيقية؛ حيث تتحول المادة الصلبة كالرصاص الذهني إلى غاز ورماد، و هي أقرب الحالات المادية إلى الهباء. هذا التحول الفيزيائي يحاكي عودة المعلومة إلى حالة اللانظام داخل العدم. في هذه اللحظة، تتحرر الشرارة السحرية من قيود الهندسة والخطوط، و تعود لتصبح جزءاً من طاقة الخلفية الكونية. العدم هنا لا يعمل كمقبرة، بل كمسرع جسيمات؛ فهو يأخذ تلك الطاقة المحررة ويقوم بتضخيمها وتوزيعها عبر إحتمالات الواقع. تدمير الرمز إذن هو إطلاق سراح للقوة لكي تعمل بحرية في الفضاءات التي لا يستطيع الوعي البشري الوصول إليها. تطرح الفلسفة السحرية مفارقة مذهلة؛ العمل السحري يبدأ فعلياً في اللحظة التي ينتهي فيها ماديًا. تدمير الرمز هو نقطة الإنطلاق لعملية التخلق من العدم. طالما ظل الرمز موجوداً أمام أعيننا، فإنه يظل شيئاً ضمن أشياء العالم، خاضعاً لقوانين المادة والشك؛ أما عند تدميره، فإنه ينتقل إلى حالة اللاشيء، وهي الحالة الوحيدة التي تمتلك القدرة المطلقة على التغير. إن إعادة الطاقة إلى العدم عبر التدمير هي عملية تلقيح للخواء؛ فالساحر يزرع بذرة الإرادة في أرض العدم الخصبة، والدمار المادي للرمز هو إنفجار القشرة التي تسمح للبذرة بأن تنمو. ومن هنا، يصبح الفناء هو الشرط الضروري للبقاء ولتحقق المستحيل في عالم الشهادة. في الختام، يظل تدمير الرمز السحري هو أرقى فعل للتسليم و الإرتباط بالكون. إنه الإعتراف بأن القوة ليست في الشيء بل في الفراغ الذي يحركه. إعادة الطاقة إلى العدم هي حركة دائرية مقدسة تضمن تدفق الوجود وتجدده. الساحر الذي يحطم رمزه هو معماري يدرك أن الفضاء داخل البيت هو الأهم وليس الجدران. من خلال هذا التدمير العمدي، نحن لا نفقد شيئاً، بل نستعيد صلتنا بالمصدر الأزلي، حيث كل نهاية هي بداية مستترة، وكل فناء هو ولادة جديدة في قلب العدم الذي لا ينضب، والذي يظل الوقود و المستقر لكل إرادة تسعى لتجاوز حدود الواقع الملموس.

_ أقنعة العدم: هندسة الأختام السحرية وتحويل سيولة الخواء إلى كيانات فاعلة

يُمثل التوقيع السحري أو الختم في الميتافيزيقيا العميقة ذروة الفعل المعماري للوعي البشري، حيث يسعى الساحر إلى إقتطاع جزء من سيولة العدم وتجميدها في كيان ذي هوية محددة. من منظور فلسفي، يُعتبر العدم حالة من اللانتمايز المطلق؛ فكل القوى، والأرواح، و الكيانات تسبح فيه كإحتمالات هائمة بلا إسم ولا شكل، تماماً كما تسبح الجسيمات الإفتراضية في الفراغ الكوانتي. إن إنشاء الختم هو عملية تأطير أنطولوجي تهدف إلى وضع حدود لهذا الخواء، بحيث يُجبر العدم على إفراز جانب معين من جوانبه ليظهر في صورة كيان له وظيفة وإسم و سمات. الختم إذن ليس مجرد رسم، بل هو قالب وجودي يحدد للعدم كيف يتجسد، محولاً اللاشيء إلى شخصية أو قوة قابلة للإستحضار و التعامل. تبدأ عملية التأطير عبر الختم بما يُعرف بالتشخيص من الخواء. في الحالة الطبيعية، لا يمتلك الكيان وجوداً مستقلاً داخل العدم؛ فهو جزء من المحيط الكلي. ولكن، عبر تصميم التوقيع السحري، يقوم الساحر بإنشاء مرساة معلوماتية. الختم يعمل كمصيدة للهوية؛ فهو يحدد الذبذبة الخاصة التي تميز هذا الكيان عن غيره. فلسفياً، هذا يُشبه عملية التعريف في المنطق، حيث يتم تمييز الشيء عن اللاشيء. منح الإسم و الشكل عبر الختم هو فعل خلق صغير؛ فالساحر يفرض إرادة التحدد على رغبة العدم في البقاء هلامياً. الختم إذن هو العقد الوجودي الذي يربط الكيان بحدوده، مانعاً إياه من التحلل والعودة إلى حالة الصمت المطلق التي يمثلها العدم. في التحليل العميق للعلاقة بين السحر والعدم، يُنظر إلى الختم السحري كنقطة تماس بين عالمين متناقضين. من جهة، ينتمي الختم إلى عالم المادة بخطوطه و هندسته، ومن جهة أخرى، ينتمي إلى عالم العدم بكونه يمثل قوة غير مرئية. الختم هو بوابة التأطير التي تسمح للكيان بالمرور من اللانهاية إلى التعين. بدون الختم، تظل القوى الكونية قوى عمياء لا يمكن التحكم فيها، ولكن عبر تأطيرها في شكل هندسي مثل الدائرة أو الختم المعقد، يتم منحها قناعاً وجودياً. هذا القناع هو ما يسمح للساحر بمخاطبة الكيان؛ فالساحر لا يخاطب العدم مباشرة لأن العدم لا يسمع، بل يخاطب الكيان المؤطر الذي إستحضره من قلب العدم وأعطاه صورة وشكلاً. تطرح فلسفة الأختام مفارقة مذهلة؛ فالختم الذي يؤطر الكيان ويقيده داخل إسم وشكل، هو ذاته الذي يمنحه الحرية في الظهور والتأثير. الكيان داخل العدم هو لاشيء، ولكنه داخل الختم يصبح فاعلاً. هذا التأطير هو ضرورة حيوية لإستقرار الواقع المادي؛ فلو أن قوى العدم تجلت دون أختام أو أطر، لإبتلعت المادة في فوضاها. السحر عبر الأختام هو علم تنسيق الفراغ؛ حيث يتم توزيع قوى العدم في خانات معلومة. الختم هو البصمة التي تضمن أن الكيان المستدعى سيظل محتفظاً بخصائصه ولا يذوب في محيط الإحتمالات الأخرى. إنه محاولة لفرض النظام على الهاوية، محولاً رعب العدم إلى أدوات تخدم الإرادة الإنسانية الواعية. في الختام، يظل التوقيع السحري أو الختم هو الشهادة الأسمى على قدرة الوعي في مواجهة الفناء. إنه الفعل الذي يثبت أن الإنسان ليس مجرد مراقب للعدم، بل هو مهندس له. تأطير الكيانات من العدم هو رحلة في قلب اللامعنى لإستخراج معنى مستقر. الأختام هي النجوم التي نرسمها في سماء الخواء لكي لا نضل الطريق. من خلال الختم، نحن لا نخلق شيئاً من لاشيء فحسب، بل نحن نمنح للعدم وجهاً يمكننا النظر إليه، وإسماً يمكننا النداء عليه، محولين صمت الوجود الأبدي إلى حوار مستمر بين الخالق والمخلوق، وبين الساحر وكياناته التي صاغها من طين الفراغ ونور الإرادة.

_ شفرة السينتسوم: سر الفراغ الذي يسكن في قلب المادة

تُعد الكابالا في جوهرها الأنطولوجي أعمق محاولة فلسفية و رياضية وضعها العقل البشري لجسر الفجوة المستحيلة بين اللاشيء المطلق و الوجود المتعين. في هذا النظام، لا يُنظر إلى العدم كفراغ سلبي، بل كعين سوف، أي اللانهاية التي تسبق كل فكر وصورة، وهي حالة من العدم الممتلئ التي لا يمكن للعقل إدراكها لأنها تخلو من أي تحديد. الكابالا إذن هي علم هندسة الفيض؛ هي النظام الذي يشرح كيف يمكن للعدم المطلق أن ينكمش ليخلق حيزاً يظهر فيه الوجود المادي. السحر في هذا السياق ليس خرقاً للطبيعة، بل هو تقنية الجسر التي تسمح للممارس بالصعود عكس تيار الفيض، من المادة الكثيفة نحو العدم اللانهائي، لإستجلاب القوة وإعادة صياغة الواقع وفقاً للقوانين الأولية للخلق. تبدأ رحلة الجسر الكابالي بمفهوم السينتسوم، وهو أغرب فكرة في الميتافيزيقيا؛ حيث يُقال إن عين سوف أو العدم اللانهائي كان يملأ كل شيء، ولكي يوجد عالم، كان على هذا العدم أن ينكمش ليخلق فراغاً، أي عدماً داخل العدم. هذا الفراغ هو الحيز الذي سمح بظهور النور والظلام والمادة. فلسفياً، هذا يعني أن الوجود المادي لم يُخلق فوق العدم، بل داخل فجوة فيه. السحر الكابالي يعمل عبر هذا الجسر؛ فهو يستخدم الكلمات الإلهية والأرقام كشيفرات عبور تسمح للطاقة بالتدفق من عين سوف عبر السفيرات العشر وصولاً إلى عالمنا. الساحر الكابالي لا يخلق القوة، بل يفتح الصمامات في هذا الجسر المعقد ليسمح لنور العدم اللانهائي بأن يضيء عتمة المادة الكثيفة. يمثل نظام شجرة الحياة في الكابالا الهيكل الهندسي لهذا الجسر. إنها خارطة طريق توضح كيفية تحول اللاشيء إلى شيء. تبدأ الشجرة من التاج، وهي النقطة التي تلامس العدم المطلق، و تنتهي بالملكوت، وهي العالم المادي. السحر هنا هو فن التسلق؛ حيث يستخدم الممارس الرموز، والأسماء، والتأملات لرفع وعيه عبر درجات الشجرة. هذا الجسر ليس مكاناً في الفضاء، بل هو سلم إهتزازي داخل الوعي. عندما يمارس الكابالي السحر، فإنه يقوم بعملية توحيد، أي أنه يربط بين الأسفل والأعلى، محولاً المادة إلى روح والروح إلى مادة، ومثبتاً أن العدم اللانهائي والوجود المادي هما في الحقيقة طرفا خيط واحد من النور الإلهي. في الكابالا، تُعتبر الحروف العبرية والأرقام (الجيماتريا) هي اللبنات الذرية التي بُني بها الجسر. العدم تحدث فكان الوجود، لذا فإن اللغة هي الوسيط السحري الأسمى. كل حرف هو قناة تنقل قدراً محدداً من طاقة عين سوف. السحر الكابالي العملي يستخدم هذه الرموز لتأطير اللانهائي داخل حدود مفهومة. إنها محاولة لترجمة صمت عين سوف إلى صوت الوجود. عبر التلاعب بهذه الشيفرات الرياضية، يستطيع الممارس أن يعدل في نسيج الجسر ذاته، مما يؤدي إلى تغييرات في العالم المادي. العدم اللانهائي هو الوقود، واللغة هي المحرك، و الواقع المادي هو العربة التي تسير فوق جسر الكابالا نحو غايتها النهائية. في نهاية المطاف، تظل الكابالا هي النظام الذي يقدس العدم بإعتباره الأصل الذي تنحدر منه كل الصور. إنها فلسفة تعلم الإنسان أن وجوده المادي ليس سوى قشرة تحيط بنور العدم المتدفق. السحر في الكابالا هو فعل تطهير المسار؛ هو إزالة الحجب التي تمنعنا من رؤية الجسر. من خلال هذا الجسر، يدرك الممارس أن العدم اللانهائي (عين سوف) ليس مكاناً بعيداً، بل هو الحقيقة الكامنة في كل ذرة من ذرات الوجود. إنها رحلة دائرية تبدأ من العدم، تمر عبر المادة، وتعود إلى العدم، مؤكدة أن السحر الحقيقي هو القدرة على الوقوف فوق الجسر بكل ثبات، ورؤية الوحدة المطلقة التي تربط بين اللاشيء الذي منه جئنا و الوجود الذي فيه نحن الآن.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- إخراج منازل من تحت تراكمات ثلجية عميقة في كامتشاتكا الروسية ...
- منظومة دفاع جديدة في أوكرانيا.. وتحذير من ضربة روسية كبيرة
- اتهامات للجيش السوداني بارتكاب مجازر بحق المدنيين في كردفان ...
- قيادية كردية: دمشق تريد نزع سلاحنا واستسلامنا دون مقابل
- فيديو: أمطار غزيرة تجتاح مدنا تونسية.. تأهب وتعطيل للدراسة
- رسالة لترامب يربط فيها بين سعيه لضم غرينلاند وعدم فوزه بنوبل ...
- أخبار اليوم: -سجن سري- قرب المكلا؟ .. اتهامات يمنية ونفي إما ...
- باريس تعتزم رفض دعوة الانضمام ومواقف دولية حذرة من مجلس السل ...
- كندا تدرس إرسال قوات إلى غرينلاند وأوروبا تبحث الرد على ترام ...
- مسلسل -ممكن- خارج رمضان.. ونادين نسيب نجيم تعتذر لجمهورها


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْخَمْسُون-