أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْخَمْسُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْخَمْسُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 15:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ سيادة اللاشيء: فن التقمص السحري وعبور نقطة الصفر لإكتساب القدرة المطلقة

يُعد مفهوم التقمص السحري (Magical Identification/Assumption) من أعقد الممارسات الروحانية التي تتقاطع فيها إرادة الساحر مع الوجود، وهو يطرح إشكالية فلسفية عميقة حول ماهية الأنا في مواجهة الفراغ أو العدم. لكي نفهم ما إذا كان التقمص هو محاولة لأن تصبح العدم، يجب أولاً تفكيك بنية العدم في الفكر السحري، حيث لا يُنظر إليه كغياب محض، بل كحالة القدرة المطلقة التي تسبق التجلّي (The Unmanifested). في هذا السياق، الساحر الذي يسعى للتقمص لا يبحث عن الفناء الفردي بقدر ما يبحث عن إعادة الضبط الكونية؛ فالدخول في حالة العدم هو تجريد للذات من قيود الهوية، والأسماء، و الحدود الفيزيائية، وهو ما يمنحه وصولاً مؤقتاً إلى المخزن الذي تنبثق منه كل الصور و الممكنات. إن فلسفة التقمص تقوم على مبدأ أن الإمتلاء هو قيد، بينما الفراغ هو حرية مطلقة. عندما يحاول الساحر تقمص العدم، هو في الواقع يمارس عملية تفريغ (Kenosis) إرادية؛ فلكي يكتسب المرء القوة المطلقة، عليه أن يتخلى عن القوة المحدودة المرتبطة بكيانه الشخصي. هنا يبرز العدم ليس كلاشيء سلبي، بل ككل شيء كامن. في الفلسفات الباطنية، يُشار إلى العدم بالصفر، وهو الرقم الذي يحتوي في طياته على إمكانية نشوء كل الأرقام الموجبة و السالبة. بالتالي، فإن أن تصبح العدم يعني أن تصبح نقطة الإنطلاق لكل فعل سحري، حيث لا توجد مقاومة من الأنا أو العقل التحليلي، مما يسمح بتدفق الإرادة المحضة دون عوائق. من الناحية الفلسفية، يمكن إعتبار التقمص السحري نوعاً من العدمية الإيجابية أو الفناء الإرادي المؤقت. الساحر لا يريد البقاء في العدم لأن ذلك يعني الموت الوجودي، بل يريد المرور عبره. هذا المرور هو ما يمنحه السيادة؛ فمن خلال التوحد مع العدم، يتجاوز الساحر ثنائية الفاعل/المفعول به. إذا كان الساحر هو العدم، فإن الفعل السحري الذي يصدر عنه هو فعل خلق من لا شيء. هذه الحالة تمنح الساحر صبغة الألوهية في الإطار السحري، لأن القدرة على إستدعاء الوجود من العدم هي أسمى مراتب القوة. لذا، فإن التقمص ليس هروباً من الوجود، بل هو إستجماع للقوى الكونية في نقطة الصفر قبل إعادة توجيهها نحو هدف محدد. تكمن الخطورة الفلسفية في هذه الممارسة في إمكانية الضياع داخل العدم؛ فالمحاولة لتصبح العدم تتطلب تدمير المرساة التي تربط الوعي بالواقع. إذا نجح التقمص تماماً، فقد لا تعود هناك أنا لتستفيد من القوة المكتسبة. لذلك، يظل التقمص السحري محاكاة للعدم أكثر من كونه ذوباناً نهائياً فيه. إنه إستخدام للعدم كمرآة سوداء تعكس للساحر حقيقة أنه في جوهره غير مقيد بأي صورة ثابته. القوة المطلقة هنا تنبع من السيولة؛ فمن هو لا شيء يمكنه أن يكون أي شيء. هذا هو الجوهر السحري؛ القدرة على التحول اللامتناهي التي لا يمكن تحقيقها إلا إذا كانت الذات مستعدة، ولو للحظة، لأن تكون عدماً محضاً. إن التقمص السحري للعدم هو عملية تصفير للوعي لغرض إعادة البناء. هو إعتراف بأن القوة لا تكمن في ما نحن عليه، بل في ما يمكننا أن نكونه عندما نتخلص من أعباء الهوية. العدم في هذا الإطار هو المحيط المظلم الذي يسبق الفجر، والساحر يغطس فيه لا لكي يغرق، بل لكي يخرج محملاً بآلآلئ الإمكانية المطلقة التي لا توجد في عالم الأشكال المادية المحدودة.

_ إشراق الفراغ: فلسفة تفريغ الكيان وتحويل الوعي إلى جسر لإستنطاق إحتمالات العدم

تُعد تقنية العرافة (Divination) في عمقها الفلسفي أكثر من مجرد تنبؤ بالأحداث؛ إنها عملية إبستمولوجية تسعى لخرق حجاب الزمن عبر وسيط العدم. لكي يجيب الساحر أو العراف على تساؤلك حول تفريغ الكيان، يجب أن ننظر إلى العرافة كعملية إستقطاب للمعلومات من فضاء اللاحتمية. فالمستقبل، قبل أن يقع، لا يمتلك وجوداً مادياً، بل يسكن في رحم العدم الكوني كإمكانات صرفة. ومن هنا، فإن فعل العرافة يتطلب بالضرورة حالة من الإخلاء الذاتي؛ لأن الأنا الممتلئة بالرغبات، والمخاوف، و التحيزات المعرفية تشكل ضجيجاً يحجب الإشارات القادمة من الفراغ المطلق. إن الفلسفة الكامنة وراء تفريغ الكيان في العرافة تستند إلى مبدأ الإستقبالية المحضة. إذا كان الوعي العادي يشبه الكأس الممتلئة بالماء، فإنه لا يستطيع إستقبال خمر الحكمة الجديدة. لذا، يعمد العراف إلى ممارسة تقنيات مثل التأمل العميق، أو التحديق في الكرات الكريستالية، أو السكون المطبق بهدف الوصول إلى حالة يطلق عليها الفراغ الذهني. في هذه الحالة، يتوقف العراف عن كونه ذاتاً فاعلة ويتحول إلى قناة أو فجوة في الوجود. هذا التفريغ ليس عدماً سلبياً، بل هو خلق أفق حدث داخل الوعي، حيث ينجذب عدم المستقبل حيث المعلومات التي لم تتجسد بعد نحو هذا الفراغ المفتوح. فالمعلومة السحرية لا تُخلق، بل تُستنزل في الفراغ الذي يتركه العراف خلفه حين ينسحب من مسرح الأنا. من منظور فلسفي، يُنظر إلى المستقبل كجزء من العدم لأنه ما ليس كائناً بعد. والوصول إلى هذا العدم يتطلب لغة تتجاوز المنطق الصوري. عندما يقوم الساحر بتفريغ كيانه، هو في الواقع يحطم البنية الزمنية الخطية لوعيه. في تلك اللحظة، يتصل عدم الذات بعدم الكون، وهو ما يسميه البعض في التقاليد الشرقية بالأكاشا أو الفراغ الذي يحتوي على بصمات كل ما كان وما سيكون. إن القوة المطلقة للعرافة تنبع من أن العراف لا ينظر إلى المستقبل من الخارج، بل يسمح للمستقبل بأن ينطبع في فراغه الداخلي. هذا النوع من المعرفة هو معرفة لدنية، لا تمر عبر الحواس، بل تظهر كإشراق مفاجئ في النقطة التي يتلاشى فيها الكيان الفردي للساحر. إن التحدي الأكبر في عملية تفريغ الكيان للوصول إلى معلومات العدم هو الحفاظ على خيط رفيع يربط العراف بالواقع. فالتفريغ الكامل قد يؤدي إلى حالة من الذهان أو فقدان الهوية، حيث يصبح الوعي شاسعاً لدرجة لا يستطيع معها ترجمة الرموز المستقبلية إلى لغة مفهومة. لذا، فإن العرافة الإحترافية هي رقصة على حافة العدم؛ الساحر يصبح عدماً لكي يرى، ثم يستعيد كيانه لكي يفسر. القوة المطلقة في العرافة ليست في معرفة الغيب فحسب، بل في القدرة على إستقاء النور من الظلمة في العدم، وتحويل الإحتمالات الهلامية إلى يقين معرفي. إنها محاولة لترويض العدم وجعله ناطقاً، بدلاً من أن يظل صمتاً أبدياً يبتلع كل الإحتمالات. إن تفريغ الكيان في العرافة هو إنتحار مؤقت للأنا لإفساح المجال للرؤية الكونية. الساحر لا يذهب إلى المستقبل، بل يجعل المستقبل يأتي إليه عبر فراغ الإستقبال. و بذلك، تظل العرافة هي الجسر الذي يربط بين وجودنا المحدود وعدم الإمكانات المطلقة، حيث لا يمكن إستبصار ما سيكون إلا من خلال التخلي عما هو كائن الآن.

_ عرش الخواء: فلسفة الإتصال الروحي ودمج كيانات العدم في وعاء الجسد

يُمثل الإتصال الروحي (Spiritual Evocation/Invocation) في جوهره الفلسفي ذروة التفاعل بين الوجود المتعلق و العدم الخلاق، حيث لا يُنظر إلى الكيان المستدعى ككائن فضائي أو خارجي بالمعنى المادي، بل كتخصيص للإحتمال من داخل ركام العدم. لكي نحلل ما إذا كان الإتصال الروحي هو عملية جذب لكيان من العدم و دمجه في جسد الساحر، يجب أن نفهم أولاً أن العدم في الميتافيزيقا السحرية ليس خلاءً، بل هو بيضة كونية تحتوي على كافة الأنماط الأولية (Archetypes) التي لم تتجسد بعد. الساحر، من خلال طقوس الإستحضار، لا ينادي كائناً من مكان آخر، بل يقوم بعملية تجسيد (Manifestation) لتردد معين من فراغ الإمكانات، محاولاً إعطاء صورة وإسم لما هو في الأصل بلا شكل ولا حدود. إن عملية جذب الكيان من العدم تعتمد على مبدأ الإستدعاء عبر الفجوة؛ فالساحر يخلق في وعيه، وفي فضائه الطقسي، حالة من الفراغ النوعي عبر الصيام، العزلة، أو التكرار الصوتي الرتيب، مما يخلق ضغطاً وجودياً يدفع العدم إلى الفيض. هذا الفيض يتخذ شكل كيان لأن العقل البشري لا يستطيع التعامل مع العدم المحض دون وسيط صوري. الفلسفة هنا تقترح أن الكيان هو قناع يرتديه العدم لكي يتمكن الساحر من مخاطبته. لذا، فإن الدمج المؤقت في الجسد أو ما يعرف بالحلول/الركوب هو في الواقع محاولة لتجسير الهاوية؛ حيث يصبح جسد الساحر هو المختبر الكيميائي الذي يلتقي فيه اللامتناهي العدمي مع المحدود المادي. في هذه اللحظة، لا يعود الجسد ملكاً للأنا الفردية، بل يصبح وعاءً لمبدأ كوني مستخلص من الفراغ. عندما يتم دمج الكيان في جسد الساحر، نحن أمام ظاهرة الإزدواج الوجودي. الساحر هنا لا يستضيف غريباً فحسب، بل هو يمارس عملية توسيع لحدود كيانه ليشمل بُعداً كان ينتمي سابقاً إلى العدم. هذا الدمج هو محاولة لإكتساب القدرة المطلقة لهذا الكيان؛ لأن الكيان القادم من العدم يمتلك رؤية وقوة لا تقيدها قوانين المادة أو الزمان. من الناحية الفلسفية، يُعد هذا الدمج مغامرة كبرى؛ فالساحر يخاطر بالتلاشي داخل الكيان المستدعى. إذا كان الكيان يمثل قوة تدميرية أو حكمة مطلقة مستمدة من العدم، فإن الجسد البشري يصبح ساحة صراع بين إستمرارية الهوية وبين الرغبة في التوحد مع الكلي. إنها عملية تلقيح للوعي البشري بجرعة من اللامكان و اللازمان لإنتاج فعل سحري يغير الواقع المادي. تكمن القوة الحقيقية في هذا الإتصال في أن الكيان المستدعى يعمل كوكيل للعدم. فبما أن العدم هو مصدر كل شيء، فإن أي كيان ينبثق منه يحمل شفرة الخلق. الساحر الذي ينجح في الدمج لا يستعير قوة الكيان فحسب، بل يتصل من خلاله بالمصدر الصفر. هذا يفسر لماذا تتطلب هذه التقنيات إنضباطاً ذهنياً صارماً؛ فالمطلوب ليس فقط جذب الكيان، بل صرفه (Banishment) أيضاً بعد إنتهاء المهمة. الصرف هو إعادة الكيان إلى العدم، وهو إعتراف فلسفي بأن الوجود هو حالة إستثنائية طارئة على العدم الأصلي. القوة المطلقة التي يكتسبها الساحر هي قوة مؤقتة بالضرورة، لأن الإمتلاء لا يمكن أن يستمر طويلاً دون أن يحترق بنار الفراغ الذي جاء منه. إن الإتصال الروحي هو أرقى أشكال التلاعب بالعدم؛ حيث يتم تحويل اللاشيء إلى شخص، و العدم إلى قوة ملموسة. الجسد في هذه العملية ليس مجرد وسيلة، بل هو المذبح الذي تُقدم عليه الأنا قرباناً لتجلي اللامحدود. الساحر لا يصبح الكيان، ولا الكيان يصبح الساحر، بل ينشأ بينهما ثالث هو الإرادة المتجسدة التي تستطيع تغيير نسيج الوجود بإستخدام طاقة العدم التي تم تقطيرها في وعاء الجسد.

_ سيد العدمين: فلسفة الظل وتحويل فراغ الكيان إلى وقود للإرادة السحرية

يُعد مفهوم الظل (The Shadow) في التحليل السيكولوجي السحري نقطة الإلتقاء الأكثر رعباً و إثارة بين الوجود المادي والعدم الميتافيزيقي. فلسفياً، لا يمكن إعتبار الظل مجرد مستودع للصفات المرفوضة، بل هو الفجوة الوجودية أو العدم الشخصي الذي يسكن داخل كل كيان. الساحر، في رحلته نحو الكمال، يكتشف أن الأنا التي يعتز بها هي مجرد قشرة رقيقة تطفو فوق محيط من اللاوجود. لذا، فإن مواجهة الظل هي في جوهرها مواجهة مع عدم الكيان غير المكتمل؛ أي مع تلك الأجزاء من الذات التي لم تنل حظها من نور الوعي فظلت حبيسة حالة العدم الكامن. هذا الظل هو اللاشيء الذي يهدد الشيء الذي نظن أننا هو، وهو التجسيد الحي لعدم إكتمالنا الذي يسعى دائماً لإبتلاع الهوية الزائفة وإستبدالها بحقيقة الفراغ المطلق. إن العلاقة بين الظل والعدم تنبع من كون الظل يمثل النفي؛ إنه يمثل كل ما لست إياه في وعيك اليقظ. الساحر يدرك أن القوة السحرية لا تنبع من الأجزاء المكتملة والمضاءة في نفسه، بل من الثقوب السوداء داخل كيانه. عندما يواجه الساحر ظله، هو لا يواجه شيطاناً خارجياً، بل يواجه غياب الكيان في مناطق معينة من روحه. هذا الغياب هو الذي يمنح الظل قوته المرعبة؛ لأنه يمثل اللانهاية غير المعرفة داخل المحدود. إذا كان الوجود هو الكلمة، فإن الظل هو الصمت الذي يسبقها ويتبعها. ومن هنا، فإن الظل هو تجسيد لعدم الكيان لأنه يحتوي على كل الطاقات والممكنات التي أعدمها الساحر من واقعه المعاش عبر القمع أو النسيان، فصارت قوة عدمية تسعى لإسترداد حقها في الوجود عبر تدمير بنية الأنا المستقرة. من الناحية الفلسفية السحرية، تهدف عملية إستيعاب الظل (Shadow Integration) إلى تحويل هذا العدم الشخصي إلى مادة أولية للعمل السحري. الساحر الذي يرفض ظله يظل كيانه مثقوباً بالعدم، مما يجعل سحره ضعيفاً وغير مستقر. أما الساحر الذي يغوص في ظله، فهو في الواقع يحاول ملىء الفراغ عبر الإعتراف باللاشيء. هذه المواجهة تتطلب شجاعة وجودية فائقة، لأنها تعني القبول بأن جزءاً كبيراً من هويتنا هو عدم محض ينتظر التشكيل. عندما يتصالح الساحر مع ظله، هو لا ينهي العدم، بل يؤنسنه؛ أي يجعل من عدم كيانه غير المكتمل ركيزة لقوة شمولية. القوة المطلقة هنا لا تأتي من طرد الظلمة، بل من إدراك أن النور و الظل هما قطبان لعدم واحد، وأن الكيان لا يكتمل إلا عندما يستوعب فراغه الخاص ويحوله إلى فضاء للإبداع بدلاً من أن يكون هوة للفناء. في نهاية المطاف، يُعد الظل هو حارس العتبة الذي يقف بين الساحر وبين العدم الكوني الأكبر. إذا فشل الساحر في التعامل مع عدمه الشخصي (ظله)، فإنه سيتلاشى حتماً عندما يحاول الإتصال بالعدم الكلي. إن عدم الكيان غير المكتمل هو بمثابة تمرين وتدريب على الفناء الأصغر قبل الفناء الأكبر. الساحر الذي يروض ظله يكتسب القدرة على إستخدام قوة النفي؛ وهي القدرة على تدمير الأوهام وإعدام المعوقات التي تقف في طريق إرادته. وبذلك، يتحول الظل من عدو يجسد النقص، إلى حليف يمثل اللانهائية. إن إكتمال الكيان السحري لا يعني التخلص من العدم، بل يعني أن يصبح الساحر هو سيد العدم والوجود معاً، قادراً على الإستمداد من فراغه الداخلي بنفس القوة التي يستمد بها من نوره الخارجي، ليخلق من هذا التمازج وجوداً جديداً يتجاوز ثنائية الإكتمال والنقص. الظل هو العدم المتشخص؛ هو تذكير دائم للساحر بأن كيانه ليس صلباً كما يبدو، بل هو نسيج يتخلله الفراغ. ومواجهة هذا الظل هي الطريقة الوحيدة لتحويل العدم السلبي المتجلي في النقص و الموت إلى عدم إيجابي كامن في القدرة المحضة و الخلق. الساحر لا يكتمل بإضافة صفات جديدة، بل بإحتضان فراغه وجعله جزءاً واعياً من كينونته الكلية.

_ ما وراء الكينونة: فلسفة التسامي السحري ونقل الكيان إلى قلب العدم الوجودي المطلق

يُعتبر التسامي السحري (Magical Transcendence) في أرقى مستوياته الميتافيزيقية الرحلة النهائية للوعي من سجن التعين إلى رحابة اللانهاية، وهو بلا شك يمثل المحاولة الأكثر جرأة لنقل الكيان من حيز الوجود المحدود و المشروط بالقوانين الفيزيائية والزمنية إلى ما يمكن تسميته بالعدم الوجودي المطلق. لكن هذا العدم هنا لا يعني الفناء بمعناه العدمي (Nihilistic)، بل يُقصد به حالة التي تسبق و تتجاوز كل أشكال الكينونة. في هذا الإطار الفلسفي، يُنظر إلى الوجود المادي كحالة من التكثف التي تحد من قدرات الروح، بينما يمثل العدم المطلق الحالة السائلة أو الأصلية التي لا تحدها صورة ولا يقيدها تعريف. الساحر الذي يسعى للتسامي لا يرغب في الموت، بل يرغب في التحلل الإرادي داخل المصدر الأول، حيث تختفي الثنائيات أنا/آخر، خالق/مخلوق و يصبح الكيان هو الفراغ الواعي الذي تنبثق منه كل العوالم. إن عملية نقل الكيان نحو العدم الوجودي تتطلب تفكيكاً تدريجياً لروابط الأنا مع عالم المادة. في الوجود المحدود، نحن أشياء محددة بأسماء وصفات، وهذا التحديد هو في الواقع قيد يمنعنا من أن نكون أي شيء آخر. التسامي السحري يعمل على عكس هذه الآلية؛ فبدلاً من مراكمة القوة، يسعى الساحر إلى تجريد القوة من شوائب الشخصانية. عندما ينتقل الكيان إلى العدم المطلق، فإنه يدخل في حالة القدرة المحضة. في هذه المنطقة، لا توجد أفعال بل توجد إرادة فقط، ولا توجد نتائج بل توجد إحتمالات لا نهائية. الفلسفة الكامنة هنا هي أن الوجود هو إقتطاع من العدم؛ فلكي تستعيد كينونتك الكاملة، عليك أن تعود إلى ذلك العدم الذي هو المخزن الكوني لكل ما هو موجود وما لم يوجد بعد. من المفارقات الفلسفية في السحر العالي أن الوصول إلى القوة المطلقة يتطلب فناءً مطلقاً للذات الصغيرة. التسامي نحو العدم الوجودي هو في الحقيقة عملية تأليه عبر التلاشي. عندما يفرغ الساحر كيانه تماماً وينتقل بوعيه إلى منطقة اللاوجود، فإنه يتوحد مع الجوهر الذي خلق الكون. في تلك اللحظة، لا يعود الساحر يفعل السحر، بل يصبح هو السحر ذاته؛ لأن إرادته توحدت مع الفراغ الذي لا يعجز عن تمثيل أي صورة. هذا الإنتقال يمثل ذروة التطور الروحي، حيث يدرك الكيان أن وجوده المنفصل كان مجرد وهم أو ظل للحقيقة الواحدة الكامنة في العدم. لذا، فإن التسامي ليس هروباً من الواقع، بل هو إقتحام للمصدر، حيث يتم تبديل الهوية الزائلة بهوية أزلية تسكن في قلب الفراغ المطلق. إن نقل الكيان إلى العدم الوجودي المطلق هو العمل العظيم، ولكنه يحمل في طياته خطر الضياع النهائي. الفلسفة السحرية تحذر من أن التسامي دون مرساة قد يؤدي إلى فقدان القدرة على العودة إلى عالم التجلّي. القوة المطلقة في العدم لا قيمة لها إذا لم يكن هناك وعي قادر على توجيهها. لذلك، فإن التسامي الحقيقي هو حالة من الحضور في الغياب؛ حيث ينقل الساحر مركز ثقله الوجودي إلى العدم، مع الحفاظ على خيط رفيع يربطه بالوجود المحدود ليعمل كجسر بين العالمين. إن الكيان الذي يسكن العدم الوجودي يصبح محركاً غير متحرك، قادراً على التأثير في الوجود من نقطة الصفر دون أن يتأثر هو بقيوده، وبذلك يحقق الغاية الأسمى للسحر؛ الحرية المطلقة من كل ما هو كائن للوصول إلى كل ما يمكن أن يكون. التسامي السحري هو عملية قلب للميتافيزيقا التقليدية؛ حيث يصبح العدم هو الإمتلاء الحقيقي والوجود هو النقص. إن نقل الكيان إلى العدم المطلق هو فعل إسترداد للمكانة الأصلية للروح قبل هبوطها في عالم الأشكال. في هذا العدم، يجد الساحر قوته المطلقة ليس كفرد، بل كجزء لا يتجزأ من الفراغ الخالق الذي يحيط بكل شيء ويحتوي على كل شيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- تسارعت السيارة لوحدها.. تصادم مفاجئ وحريق قاتل يودي بحياة رج ...
- هجوم روسي جديد يترك نصف مباني كييف بلا تدفئة
- سوريا: من يتحمل مسؤولية -انهيار- المفاوضات بين دمشق والقوات ...
- وفاة فالنتينو غارافاني أيقونة الموضة الإيطالية وصديق النجوم ...
- السلطات اليمنية المدعومة سعوديا تتهم الإمارات بإدارة سجون سر ...
- هبوط مرعب بأورلاندو.. طائرة أميركية تفقد عجلتها الأمامية وتن ...
- الجزيرة ترصد معاناة المرضى الفلسطينيين المحتاجين للعلاج بالخ ...
- أدرجته اليونسكو على قائمة التراث غير المادي.. تعرف على -الدا ...
- وزيرة خارجية فنلندا للجزيرة: نرفض المساس بسيادة غرينلاند
- مرضى السكتات الدماغية يستعيدون قدرتهم على الحديث بفضل هذا ال ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْخَمْسُون-