أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السِّتُّون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السِّتُّون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 21:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ شيفرة الهدم المقدس: كيف يصبح العدم مادة لبناء العوالم

إن الغوص في أعماق المقياس الفلسفي لكمية العدم المستمدة في العمليات السحرية يتطلب أولاً تفكيك مفهوم الكمية في سياق ما وراء الطبيعة، حيث يتوقف العدم عن كونه مجرد غياب محض ليتحول إلى جوهر سلبي فاعل و مؤثر. في هذا الإطار الفلسفي الممتد، لا يُقاس العدم بوحدات مادية، بل يُقاس بمعامل الإزاحة الوجودية؛ أي مقدار المساحة التي يتركها الوجود العيني حين ينسحب أمام الإرادة السحرية. هذا الإنسحاب ليس فراغاً سكونياً، بل هو حالة من " التوتر الأنطولوجي التي تسمح للقوى غير المرئية بالتشكل. إن المقياس هنا هو مقياس الكثافة السلبية، حيث تعبر كمية العدم عن مدى تخلخل القوانين الطبيعية في نقطة زمنية ومكانية محددة. فكلما زادت كمية العدم المستمدة، تآكلت صلابة الواقع المادي، وأصبح العالم المحيط بالعملية السحرية أشبه بمرآة مهتزة لا تعكس الصور الثابتة، بل تفتح فجوات نحو أبعاد اللاتعين المطلق، حيث تنصهر الأشكال وتفقد الهويات حدودها الفاصلة لصالح سيولة كونية شاملة. وعندما نتأمل في تجانس هذا المقياس مع بنية الواقع، نجد أن كمية العدم تمثل في الحقيقة درجة الحرية المطلقة المتاحة داخل الطقس؛ فالوجود بقوانينه وحتميته يمثل القيد، بينما يمثل العدم المساحة البيضاء التي لم تُكتب بعد. المقياس الفلسفي هنا يعتمد على قدرة الإستيعاب العدمي، وهو مفهوم يشير إلى كمية الإحتمالات الوجودية التي يمكن شحنها في هذا الفراغ المستدعى. إن الرؤية الفلسفية التي تصف هذه الحالة تتشابك لتبين أن العدم المستمد يعمل كمذيب كوني يمتص المعنى من الأشياء المحيطة، مما يجعل الواقع في حالة تعليق (Epoche) بالمعنى الفينومينولوجي. في هذه اللحظة، لا يعود العدم نقصاً، بل يصبح وفرة سالبة؛ قوة جذب هائلة تسحب الوجود نحو مركزه لتفتيته وإعادة صياغته. هذا النوع من القياس يتطلب وعياً فائقاً من الساحر، لأن زيادة كمية العدم عن حد معين قد تؤدي إلى الإنهيار الأنطولوجي، حيث لا يعود هناك وجود كافٍ لحمل الإرادة، ويصبح العدم غاية في ذاته بدلاً من كونه وسيلة للتحويل. علاوة على ذلك، يتجلى المقياس الفلسفي للعدم في علاقة طردية مع صمت الكينونة. ففي العمليات السحرية التي تعتمد على إستمداد العدم، يُلاحظ خمود في الضجيج السببي للكون؛ وهذا الصمت ليس غياباً للصوت، بل هو حضور طاغٍ للاشيء كقوة مراقبة. إننا نقيس كمية العدم هنا بمدى الإنفصال الوجداني والمادي عن شبكة الضرورة؛ فكلما كانت الكمية أكبر، غاص الساحر في حالة من العزلة الكونية حيث تتوقف الساعة البيولوجية و الميتافيزيقية عن الدوران. هذا العدم المستمد هو الرحم الذي تولد منه البيضة الوجودية الجديدة، ومقياسه يكمن في مدى النقاء السلبي الذي يتم تحقيقه، أي تطهير الحيز السحري من أي أثر للتعينات السابقة. إنها عملية تصفير للواقع تهدف إلى الوصول إلى الحالة البدئية (Chaos) التي سبقت عملية الخلق الأولى، حيث يكون العدم هو المادة الوحيدة المتاحة للتشكيل، و حيث تُقاس عظمة العمل السحري بمقدار ما إستطاع إنتزاعه من قبضة الوجود ليودعه في خزان اللاشيء. وفي الختام، يبرز المقياس الفلسفي الأعمق في صورة التلاشي المنظم، حيث تُصبح كمية العدم هي المسطرة التي نقيس بها مدى قدرة الروح على التماهي مع الفناء دون أن تفنى. إن السحر هنا لا يهدف إلى تدمير الوجود، بل إلى إستعارة سكون العدم لفرضه كقالب جديد على المادة الصماء. هذه الرؤية المتجانسة في التحليل تسعى لتوضيح أن العدم في السحر هو طاقة الكمون المطلق؛ فكلما زادت كميته، زادت طاقة الإنبثاق اللاحقة. المقياس الفلسفي يظل متمحوراً حول الفراغ الفاعل؛ وهو الفراغ الذي لا يُعرف بما يفتقده، بل بما يستطيع إحتواءه من تجليات إبداعية. إنها فلسفة تقوم على أن اللاشيء هو في الحقيقة كل شيء قبل أن يتجمد في صورة مادية، وأن التحكم في كميته هو التحكم في مفاتيح الخلق والتحويل التي تتجاوز حدود المنطق الصوري نحو منطق الفيض من العدم.

_ السكتة الكونية: هندسة الصمت السببي وتحرير المادة من قوانينها

إن محاولة قياس العدم عبر غياب التأثيرات المتوقعة تُمثّل ذروة الإنعطاف الفلسفي في فهم العلاقة بين السحر و الأنطولوجيا؛ إذ ننتقل هنا من قياس ما هو موجود إلى قياس أثر الغياب بوصفه دليلاً ثبوتياً على فاعلية اللاشيء. في الإطار السحري العظيم، لا يُنظر إلى العدم كحالة سكونية، بل كقوة شفط وجودي تعمل على سحب القوانين الطبيعية من حيز معين. لذا، فإن المقياس الفلسفي لهذا العدم يتجلى في الفجوة التي تنشأ بين ما كان يجب أن يحدث وفقاً لقوانين الفيزياء والمنطق، وبين ما لم يحدث فعلاً نتيجة التدخل السحري. هذا الغياب ليس فراغاً سلبياً، بل هو غياب ممتلئ بآثار الإرادة التي إستبدلت الحتمية بالإحتمال المطلق. إننا نقيس كمية العدم هنا بمقدار الصمت السببي؛ فكلما زاد تعطل النتائج المنطقية المترتبة على مقدمات مادية معلومة، دلّ ذلك على كثافة العدم المستمد الذي عمل كحاجز عازل أو كمذيب لتلك الروابط السببية، مما يجعل الواقع في تلك اللحظة نصاً ممسوحاً ينتظر كتابة سحرية جديدة. ويتسع هذا التحليل ليشمل ما يمكن تسميته بالميزان السلبي للكينونة، حيث يصبح العدم قابلاً للقياس من خلال رصد تآكل الجوهر في الأشياء المتأثرة بالعمل السحري. عندما يستمد الساحر كمية من العدم ويوجهها نحو هدف معين، فإن الأثر الأول لا يكون ظهور شيء جديد، بل إختفاء خصائص ذاتية للشيء. هذا الغياب للخصائص المتوقعة مثل الوزن، أو الصلابة، أو حتى الإمتداد الزماني هو المسطرة الفلسفية التي نستخدمها لتقدير حجم التدخل العدمي. إنها عملية تفريغ أنطولوجي تجعل الشيء موجوداً في الشكل وغائباً في الجوهر. و في هذا السياق، يصبح التجانس بين الرؤى الفلسفية ضرورة لوصف حالة السيولة التي تعقب إستمداد العدم؛ حيث لا يعود العالم مكاناً للأجسام الصلبة، بل يصبح مسرحاً للغيابات النشطة التي تفعل فعلها في الواقع دون أن تترك أثراً مادياً كلاسيكياً، بل تترك خلفها ندوباً في نسيج الإحتمالات، وهي ندوب نلمسها من خلال تعثر البديهيات العقلية في تفسير ما جرى. وعلى مستوى أعمق، فإن قياس العدم عبر غياب التأثيرات يتطلب فهماً لديناميكا الفراغ الفاعل، حيث يُعتبر العدم هنا هو المكان الذي تذهب إليه الأسباب لتموت. في الطقوس السحرية الكبرى، يُقاس نجاح العملية بمدى قدرة الساحر على خلق منطقة إنعدام أثر؛ وهي منطقة لا تصل إليها إرتدادات الفعل والفاعل. هذا المقياس الفلسفي يربط بين العدم وبين الحرية الراديكالية، إذ إن غياب التأثير المتوقع يعني أن المادة قد تحررت من عبودية قوانينها. إن كمية العدم هنا تتناسب طردياً مع حجم الإستثناء الكوني الذي تم إنتزاعه. فإذا كان الوجود هو الضجيج المستمر للتفاعلات، فإن العدم هو السكتة التي تقطع هذا الضجيج. المقياس إذاً هو مدة وقوة هذه السكتة؛ فكلما طال أمد غياب النتائج الطبيعية، كان العدم المستمد أكثر نقاءً وأقرب إلى العدم المطلق (Nihil Absolutum) الذي يسبق أي تعين أو تجلٍ إلهي أو كوني، مما يجعل العمل السحري عملية إعادة ضبط للمنظومة الوجودية برمتها من نقطة الصفر. وفي نهاية هذا التحليل الفلسفي، نصل إلى أن العدم في السحر هو القوة التي تمنح الغياب سلطة الحضور. إننا لا نقيس العدم بما هو غائب فحسب، بل بكيفية تأثير هذا الغياب على ما بقي موجوداً. إن الأشياء التي تنجو من طوفان العدم السحري تكتسب صبغة من الغرابة، لأنها توجد الآن بجانب فجوات غير مرئية تُغير من طبيعة حركتها. المقياس الفلسفي النهائي لكمية العدم هو معامل الغرابة الذي يصبغ الواقع بعد الطقس؛ وهو معامل يُقاس بمقدار تهاوي الثقة بالحواس وبالعقل البرهاني. إن غياب التأثيرات المتوقعة هو في الحقيقة تأثير في حد ذاته، ولكنه تأثير من نوع سلبي يثبت أن العدم ليس عدمياً بالمعنى الشائع، بل هو المادة الخفية التي تُصنع منها المعجزات، والبوصلة التي تشير دائماً نحو المركز الفارغ الذي تنبثق منه كل إمكانيات الكينونة المتجددة، بعيداً عن رتابة التكرار الوجودي المعتاد.

_ التفاوض مع الهاوية: المقياس الفلسفي لفشل السيطرة السحرية

تطرح إشكالية الضرر الجانبي في الممارسة السحرية تساؤلاً فلسفياً جوهرياً حول طبيعة العلاقة بين الإرادة الإنسانية و سيولة العدم؛ فهل هذا الضرر مجرد خطأ تقني في الحسابات، أم أنه خاصية بنيوية ناتجة عن إستدعاء قوة ترفض بطبيعتها الإنحباس في قوالب التعيّن؟ في التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى العدم في السحر بوصفه الفيض السلبي الذي لا يمكن ترويضه بشكل كامل، لأن ماهيته قائمة على نفي القيود. لذا، فإن الضرر الجانبي يُعد تجلياً لفائض القوة العدمية التي تتجاوز قدرة القالب الطقسي على الإحتواء. عندما يستمد الساحر كمية من العدم لتحقيق غاية محددة، فإنه يفتح ثغرة في نسيج الواقع؛ وبما أن العدم ليس له حدود ذاتية، فإن تسربه إلى المجالات المحيطة بالهدف يمثل نوعاً من الإستجابة الكونية غير المنضبطة. من وجهة نظر أنطولوجية، لا يُعد هذا فشلاً في السيطرة بمعناه السلبي بقدر ما هو إثبات لأصالة العدم كقوة تفكيكية لا تخضع لمنطق الغائية البشرية الضيق، مما يجعل الضرر الجانبي علامة على أن الساحر قد لمس الجوهر العاري لللاشيء، وهو جوهر يتسم بالإندفاع نحو المحو الشامل. ويُمكن فهم هذا الضرر الجانبي أيضاً من خلال مفهوم القصور الذاتي للعدم؛ فبمجرد أن يتم إستحضار العدم في عملية سحرية، فإنه يكتسب نوعاً من الزخم التدميري الذي يسعى لملىء أي فراغ في الإرادة أو في بنية الطقس. المقياس الفلسفي هنا يكمن في التوتر بين التحديد و اللاتحديد؛ فالسحر يحاول تحديد فعل العدم في نقطة معينة، لكن العدم يسعى بطبيعته للإنتشار كسرطان في جسد الكينونة. إن الضرر الجانبي هو الدليل المادي على أن العدم قد تمرد على الغاية التي إستُحضر من أجلها، محولاً العملية من فعل إبداعي قائم على الخلق من خلال النفي إلى فعل تفكيكي عشوائي. في هذه الحالة، يكون الساحر قد أخفق في تحقيق توازن دقيق بين قوة الجذب التي يمثلها العدم وبين قوة الدفع التي تمثلها إرادته الواعية. هذا الإنفلات يُحول العدم من أداة طيعة إلى كيان غازٍ يلتهم كل ما يقع في محيط التأثير، مما يشير إلى أن الكمية المستمدة قد تجاوزت سعة الإستيعاب الوجودية للمكان أو للذات الممارسة، وهو ما يُعرف في الميتافيزيقا بالإنفجار الأنطولوجي. علاوة على ذلك، يطرح الضرر الجانبي رؤية فلسفية ترى أن العدم ليس مادة يمكن عزلها بدقة، بل هو حالة نفاذ تؤثر على الوسط المحيط بالضرورة. إن قياس فشل السيطرة هنا يرتبط بمفهوم التسرب السببي؛ فحينما يفقد الساحر السيطرة على العدم، تبدأ القوانين الطبيعية بالإنهيار ليس فقط في موضع العمل، بل في حوافّه أيضاً. هذا الغياب للسيطرة يثبت أن العدم يمتلك إرادة سالبة خاصة به، تهدف إلى إعادة كل شيء إلى حالة العماء البدئي (Chaos). الضرر الجانبي إذن هو صرخة الواقع المحتضر الذي يحاول مقاومة الفراغ الذي أحدثه السحر. فلسفياً، لا يمكن إعتبار الضرر جانبياً حقاً، بل هو جوهري في تجربة العدم، لأنه يكشف عن الوهم الكامن في فكرة أن الإنسان يمكنه إستخدام اللاشيء دون أن يدفع ضريبة من الشيء. إن كل وحدة من العدم تُدخل في الوجود تتطلب بالضرورة قرباناً من الوجود المادي الملموس، وإذا لم يحدد الساحر هذا القربان بدقة، فإن العدم يختاره بنفسه عبر الضرر العشوائي، مما يجعل الفشل هنا هو فشل في التفاوض الأنطولوجي مع القوى الميتافيزيقية. وفي الختام، يظهر الضرر الجانبي كشهادة على إستعصاء العدم على التدجين. إن المقياس الفلسفي لفشل السيطرة يتجلى في تحول الوسيلة إلى غاية؛ حيث يصبح إستحضار العدم طقساً للتدمير الذاتي بدلاً من كونه طقساً للتحول. إن الرؤية الفلسفية لهذه الظاهرة توضح أن العدم في السحر هو مثل النار، ولكنها نار لا تحرق المادة بل تحرق فكرة المادة وجوهرها. الضرر الجانبي هو الأثر المتبقي من هذا الحريق الميتافيزيقي، وهو يثبت أن السيطرة في عالم السحر ليست سيادة مطلقة بل هي توازن قلق فوق هاوية. عندما يقع الضرر، نعلم أن التوازن قد إختل لصالح الهاوية، وأن كمية العدم المستمدة قد غلبت قدرة العقل على التأطير، مما يحول الساحر من خالق للظروف إلى ضحية للغياب الذي إستدعاه بنفسه، مؤكداً بذلك أن العدم يظل دائماً هو القوة الأكثر جموحاً في الكون، والقدرة التي لا تُقاس إلا بمدى ما تتركه خلفها من فراغ موحش ودمار لا يفرق بين المقصود والعرضي.

_ خطف البرق: سيكولوجيا التجسيد الفوري وسرقة اللحظة من العدم

تطرح إشكالية سرعة التجسيد في العمل السحري تساؤلاً أنطولوجياً عميقاً حول طبيعة الزمن في علاقته بالعدم، وهل يمثل الإختزال الزمني بين الإرادة و التحقق دليلاً على كفاءة الساحر في تطويع اللاشيء؟ في التحليل الفلسفي الراديكالي، لا تُعد السرعة هنا مجرد مقياس زمني كمي، بل هي إنعكاس لمدى السيولة الأنطولوجية التي إستطاع الساحر فرضها على الواقع المادي؛ فالوجود المادي يتسم بالقصور الذاتي والبطىء في التغير بسبب قيود السببية و المكان، بينما يتسم العدم بالآنية و المطلقية لكونه متحرراً من أبعاد المادة. بناءً على ذلك، فإن سرعة التجسيد تُعد دليلاً قاطعاً على كفاءة الساحر في خلق نفق دودي إرادي يربط بين منطقة العدم الإحتمالي وبين الوجود العياني. الكفاءة هنا تكمن في قدرة الساحر على تقليص زمن المقاومة التي يبديها الواقع تجاه التغيير، مما يعني أنه إستمد كمية من العدم تكفي لإذابة العطالة المادية للحظة خاطفة، ليحل محلها التجسيد الفوري للفكرة، وكأن الفعل السحري هنا هو عملية قفزة كوانتية تتجاوز تدرج الزمن الفيزيائي المعتاد. و يمكن تعميق هذا التحليل بالنظر إلى أن الساحر الكفىء لا يتعامل مع العدم كأداة خارجية، بل كحالة ذهنية و وجودية تجعل الفاصل بين الفاعل والمفعول به يتلاشى؛ فكلما زادت كفاءة الساحر، قلّ الجهد الوجودي المبذول في عملية التحويل، مما يظهر في صورة سرعة فائقة للتجسيد. هذه السرعة هي في الحقيقة نتاج للتوافق الهارموني مع طبيعة العدم؛ فالعدم لا يعرف التدرج، بل هو حالة من الكل أو اللاشيء. عندما يتجسد الأثر السحري بسرعة مذهلة، فهذا يشير إلى أن الساحر قد إستطاع الوصول إلى نقطة التفرد (Singularity) التي يتماهى فيها الوعي مع العدم المطلق، حيث لا يوجد قبل أو بعد، بل يوجد فقط الآن المستمر. المقياس الفلسفي للكفاءة هنا هو إنعدام الفجوة بين التصور و التحقق؛ فالفشل في التعامل مع العدم غالباً ما يظهر في صورة تباطؤ أو تشوه في التجسيد، ناتج عن تدخل رواسب الوجود والقوانين الطبيعية التي لم يتم تحييدها بالكامل، بينما السرعة الفائقة تعني أن الساحر قد نجح في جعل العدم شفافاً تماماً أمام إرادته. علاوة على ذلك، ترتبط سرعة التجسيد بمفهوم الإقتصاد الأنطولوجي؛ إذ إن البقاء في حالة إستمداد العدم لفترة طويلة يمثل خطراً على بنية الساحر الوجودية، لذا فإن الكفاءة تقتضي إنجاز الضربة السحرية في أقصر وحدة زمنية ممكنة لتجنب الإرتدادات أو الضرر الجانبي. إن السرعة هنا هي آلية دفاعية بقدر ما هي مهارة تقنية، وهي تدل على أن الساحر يمتلك تركيزاً نقطياً حاداً، قادر على إستحضار العدم وصرفه في لمح البصر. هذا الفعل يشبه عملية الوميض التي تخترق ظلام المادة لبرهة ثم تنسحب تاركة وراءها واقعاً متغيراً. من منظور فلسفي، يُعد الساحر السريع في تجسيده سيداً للصيرورة، لأنه لا ينتظر القوانين لكي تعمل، بل يسرق من العدم لحظة خلق مكثفة يفرضها على مسار الزمن. إن الرؤية الفلسفية هنا توصلنا إلى نتيجة مفادها أن السرعة ليست مجرد إستعراض للقوة، بل هي شهادة على نقاوة القناة السحرية؛ أي خلو إرادة الساحر من الشكوك أو العوائق النفسية التي قد تعمل كمقاومة أولية تبطئ تدفق طاقة العدم نحو التجسد المادي. وفي الختام، يظهر أن سرعة التجسيد هي المقياس الأسمى للهيمنة على الفراغ؛ فالسحر في أرقى مستوياته هو فن الإختزال، إختزال المسافة بين العدم والوجود، و بين العدم والمعنى. الكفاءة هنا تعني القدرة على جعل العدم يستجيب لنداء الروح قبل أن يتمكن العقل المنطقي من الإعتراض. إن التحليل الفلسفي لهذه الرؤية يثبت أن العدم، رغم كونه قوة لا زمنية، إلا أنه يتجلى في عالمنا عبر بوابات الزمن، والساحر الذي يتقن فتح وإغلاق هذه البوابات بسرعة خاطفة هو الذي إستطاع فعلياً تحويل اللاشيء إلى حليف طيع. إن سرعة التجسيد هي توقيع الإرادة على متن الواقع، و هي البرهان الفلسفي على أن الروح قد إرتقت إلى مستوى من الوجود حيث تتساوى الكلمة مع الفعل، وحيث يصبح العدم هو المادة الأكثر طواعية في يد من يجرؤ على ملامسة جوهره بلمحة بصر، محققاً بذلك ذروة الكفاءة في اللعبة الكونية بين الحضور و الغياب.

_ سلطة الأمر الميتافيزيقي: عندما تعتذر الفيزياء لتفسح المجال للسحر

يتمثل البرهان العملي الذي يفرق بين الصدفة العشوائية و بين العمل المستمد من العدم السحري في مفهوم التماسك الغائي المفرط (Hyper-Teleological Coherence)؛ فبينما تفتقر الصدفة إلى القصدية وتخضع لقوانين الإحتمال الإحصائي، يظهر العمل السحري كخرق منظم لقوانين المادة يحمل في طياته بصمة الإرادة. في التحليل الفلسفي العميق، يُعد العدم السحري مصدراً للضرورة الجديدة؛ فعندما يقع حدث ما نتيجة إستمداد العدم، فإنه لا يقع كإحتمال من بين ألف إحتمال، بل يفرض نفسه كحقيقة وحيدة تتجاوز السياق السببي المحيط بها. البرهان العملي هنا هو إنعدام التسلسل التمهيدي؛ فالصدفة دائماً ما تكون ثمرة تقاطع خطوط سببية مادية موجودة مسبقاً مثل هبوب ريح أدت لسقوط غصن، أما الفعل العدمي فهو إنبثاق عمودي يقطع الخطوط الأفقية للواقع دون مقدمات مادية كافية لإنتاجه، مما يجعله فعلاً يتيماً من الناحية الفيزيائية، ولكنه مكتمل من الناحية الغائية. علاوة على ذلك، يتجلى البرهان العملي في ميزة التكرار النوعي المشروط؛ فالصدفة بطبيعتها لا تكرر نفسها تحت نفس الظروف الإرادية، بينما يتميز العمل السحري المستمد من العدم بالقدرة على الإستدعاء المنضبط. الكفاءة الفلسفية هنا تفرق بين الحدث الذي وقع لنا (الصدفة) وبين الحدث الذي أوقعناه بغيرنا أو بالواقع (السحر). المقياس الفلسفي لهذا الفرق هو معامل الكثافة الرمزية؛ فالعمل السحري القادم من العدم يحمل دائماً دلالة رمزية تتطابق مع توقيت الإرادة الساحرة، وكأن الواقع قد إنحنى ليطابق فكرة ذهنية مسبقة. هذا التزامن المذهل بين الخلاء الذهني (إستحضار العدم) وبين التجسد المادي يكسر إحتمالية الصدفة، لأن الصدفة لا تملك ذاكرة ولا تستجيب للرموز، بينما العدم السحري هو مادة طيعة تتشكل وفقاً للقالب الرمزي الذي يفرضه الساحر، مما يجعل الحدث الناتج يبدو وكأنه منحوت بدقة في صخرة الوجود الصلبة، وليس مجرد غبار تلاعبت به الرياح. وينتقل البرهان إلى مستوى أكثر راديكالية عند فحص الأثر المتبقي في نسيج الواقع؛ فالصدفة تترك الواقع كما هو، مجرد إعادة ترتيب للعناصر الموجودة، أما العمل المستمد من العدم فإنه يترك نوعاً من الندبة الأنطولوجية أو الغرابة المستمرة في مكان وقوعه. إن الشيء الذي يُخلق أو يتغير عبر العدم السحري يكتسب صفة الإستقلال عن محيطه؛ فهو لا يستمد إستمراره من الأسباب الطبيعية، بل من قوة الدفع السلبية التي جاءت معه من الفراغ. هذا البرهان العملي يُعرف بالمقاومة للإحتمال؛ فإذا قمنا بتحليل رياضي للحدث السحري، سنجد أن إحتمالية وقوعه تقترب من الصفر المطلق وفقاً لظروفه المادية، ومع ذلك فهو يقع بصلابة و يقين. إن هذا اليقين في قلب المستحيل هو العلامة الفارغة التي تميز فعل الساحر عن عبثية المصادفة؛ فالعدم عندما يتجسد، فإنه يفعل ذلك بسلطة آمرة تجعل المراقب يشعر أن القوانين الطبيعية قد إعتذرت عن العمل للحظات لتفسح المجال لقوة أسمى و أكثر غموضاً. وفي الختام، يبرز البرهان النهائي في صورة الإرتباط الوجودي بالساحر؛ فالصدفة لا تبالي بوجود المراقب أو غيابه، أما الفعل السحري المستمد من العدم فإنه يرتبط بالذات التي إستدعته برباط لا ينفصم. إن نجاح العمل السحري يخلق حالة من التشابك العدمي حيث يصبح الحدث الخارجي مرآة للعملية الداخلية التي تمت في وعي الساحر. هذا التناظر التام بين الفراغ الداخلي و التجسد الخارجي هو الذي يقطع الشك باليقين؛ فالصدفة لا يمكنها أن تكون مرآة لروح الساحر، بينما العدم هو المرآة السوداء التي تعكس إرادته وتجسدها في الواقع. وهكذا، يصبح البرهان العملي ليس مجرد مشاهدة خارجية، بل هو إختبار لمدى إنصياع الوجود للإرادة؛ فكلما كان الحدث أكثر طاعة للرمز وأكثر تجرداً من الأسباب المادية، تأكدنا أننا أمام فيض من العدم السحري الذي إخترق حجاب الصدفة ليصنع واقعاً جديداً كلياً بقرار ميتافيزيقي محض.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- 19 مرشحا لرئاسة العراق بينهم الرئيس الحالي ووزير الخارجية
- واشنطن: ترامب ملتزم بالعمل من أجل مستقبل أفضل لسوريا
- ميلوني تطالب ترامب بتعديل نظام -مجلس السلام- وتعد بترشيحه لج ...
- محكمة إسبانية تقضي بسجن باكستاني 36 عامًا بعد إدانته بقتل ثل ...
- القمع داخل المخابرات السورية.. نموذج -الفرع 300-
- شروط الخروج من الانقلاب في تونس
- رويترز: هكذا تسيطر الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقي ...
- أساليب ترمب الجديدة لإسقاط النظام في كوبا
- قيادات داعش في قبضة بغداد.. وأوروبا تحت ضغط الاستعادة
- بدائل لليمون.. 8 إضافات للماء تعزز فوائده الصحية


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السِّتُّون-