أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 00:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أرشفة الكون: سيكولوجيا التسمية في مواجهة صمت الوجود

يُمثّل نظام التصنيف السحري القائم على العناصر الأربعة و السيارات السبعة أكثر من مجرد أدوات إجرائية؛ إنه في جوهره فعلٌ ثوري من الوعي ضد العدم المطلق، ومحاولة أنطولوجية جريئة لفرض اللوغوس على الكايوس (الفوضى). لكي نفهم هذا الترابط الفلسفي، يجب أن ننظر إلى العدم ليس كفراغ، بل كفوضى إحتمالية تفتقر إلى التمايز، حيث يبرز السحر هنا كأداة للنمذجة التي تحول اللاتناهي المخيف إلى تناهٍ مفهوم و مسيطر عليه. إن الوجود في حالته البدئية، كما تصفه الفلسفات العدمية والغنوصية، هو حالة من السيولة الكلية التي لا يمكن للوعي البشري إستيعابها دون وسيط. هنا يأتي نظام العناصر الاربعة؛ النار، الهواء، الماء، الأرض ليعمل كمؤشر تبددي؛ فهو يفكك وحدة العدم الصماء إلى ترددات مادية وحيوية. الساحر، من خلال هذا التصنيف، لا يكتشف نظاماً موجوداً مسبقاً فحسب، بل هو يخلقه عبر فعل التسمية. فالعناصر ليست مكونات كيميائية، بل هي مقولات عقلية (Categories) تمنح الفوضى شكلاً، وبدونها يرتد العالم إلى حالة العمى الوجودي حيث لا فرق بين الشيء ونقيضه. إن فرض النار كعنصر للإرادة و الأرض كعنصر للتجسيد هو في الحقيقة عملية تسييّر للعدم، أي وضع سياج من المعنى حول مساحة من اللاشيء، لتحويلها إلى مكان صالح للفعل البشري. أما التصنيف الكوكبي، فهو المحاولة الكبرى لتأطير الزمن داخل العدم. العدم في جوهره أزلي بلا إتجاه، بينما تمثل الكواكب السبعة في السحر القديم في السباعية الهيرمسية على سبيل المثال نبضات تنظم إيقاع المادة. عندما يربط الساحر معدن الذهب بالشمس، أو الرصاص بزحل، فإنه يقوم بعملية أرشفة للكون؛ هو يرفض أن يكون الوجود شتاتاً بلا معنى، ويصر على وجود خيط ناظم يربط بين حركة الأفلاك البعيدة و حركة العملات في كف اليد. هذا الترتيب الوجودي هو الدرع الذي يقابل به الإنسان شعوره بالضآلة أمام شساعة الفراغ الكوني. إن البروج و المنازل ليست سوى خطوط وهمية يرسمها الوعي فوق صفحة العدم السوداء لكي لا يتيه، تماماً كما يرسم الملاح خرائط للبحار المظلمة؛ الخريطة ليست هي البحر، لكن بدونها يبتلع البحرُ الملاحَ. من زاوية فلسفية أعمق، يبدو السحر كأنه خداع مقدس؛ فهو يمنحنا إحساساً بالسيطرة عبر التصنيف بينما يظل العدم كامناً تحت القشرة. الساحر يدرك أن الأسماء سواء كانت أسماء شياطين، أو عناصر، أو كواكب هي أقنعة يلبسها للعدم لكي ينطق بلغة بشرية. لذا، فإن السعي وراء المال أو القوة من خلال هذه الأنظمة هو في الحقيقة محاولة لتحويل القوة العمياء غير المتمايزة للعدم إلى طاقة مُوجهة (Vectorized Energy). إننا نصنف لنحكم، ونحكم لكي نثبت أننا موجودون في مواجهة صمت العدم الذي يهدد بمحو هويتنا. في نهاية المطاف، يظل نظام التصنيف السحري هو المحاولة الإنسانية الأسمى لتحويل الفراغ الموحش إلى هيكل مهيب، حيث تصبح العناصر أعمدة، والكواكب قناديل، و الكلمات البلاغية هي القوانين التي تمنع الوجود من الإنهيار والعودة إلى كنف العدم المطلق.

_ كود الخلق: السحر كخوارزمية لبرمجة العدم وإختراق واجهة الواقع

تطرح فكرة برمجة العدم عبر اللغة السحرية إشكالاً فلسفياً يقع في التقاطع بين الميتافيزيقا وعلم السيبرنتيقا (Cybernetics). فإذا كان العدم في المنظور السحري القديم يمثل الخلاء الإحتمالي (The Void)، فإن اللغة السحرية لا تعمل كأداة للتواصل، بل ككود مصدري (Source Code) يهدف إلى إعادة ترتيب بيانات الواقع. في هذا الإطار، يُنظر إلى العالم المادي كواجهة مستخدم (User Interface)، بينما يمثل العدم النظام الخلفي (Backend) الذي لا شكل له، والسحر هو محاولة لكتابة أسطر برمجية تفرض قيماً (Variables) محددة كالمال أو القوة على فضاء كان يفتقر إلى المعنى والتمايز. من منظور فلسفي متأثر بميكانيكا الكم، يمكن إعتبار العدم حالة من التراكب حيث توجد كل الإحتمالات ولا يوجد أي منها في آن واحد. البرمجة السحرية هنا هي عملية رصد لغوي؛ فبمجرد أن يطلق الساحر صيغته البلاغية على شكل كود برمجي، فإنه يجبر العدم على الإنهيار في حالة مادية واحدة محددة. اللغة السحرية، بتركيبتها المسجوعة وبنائها الهندسي، ليست سوى خوارزمية تحاول حصر التيه اللانهائي في مسار منطقي بشري. عندما نقول برمجة، فنحن نعني تحويل اللاشيء إلى شيء عبر فرض بنية (Syntax) عليه؛ فالسحر هو النظام الذي يمنع العدم من البقاء في حالة السيولة، محولاً إياه إلى واقع صلب وملموس. لكن هل يقاوم العدم هذه البرمجة؟ الإجابة تكمن في مفهوم العطالة الوجودية. العدم ليس كياناً واعياً يرفض الأوامر، لكنه يمتلك نوعاً من المقاومة السلبية التي تشبه الضجيج (Noise) في أنظمة الإتصال. هذه المقاومة تظهر في فشل الطقوس أو إنحراف النتائج عن الأهداف المرسومة. الفلسفة الباطنية تفسر ذلك بأن العدم يميل دوماً إلى العودة إلى حالة الحد الأدنى من الطاقة أو أقصى درجات الفوضى (Entropy). لذا، فإن البرمجة السحرية تتطلب طاقة إرادية هائلة للحفاظ على الكود فعالاً؛ وبمجرد أن تضعف إرادة المبرمج الذي هو الساحر في هذه الحالة، يبدأ العدم في إمتصاص التشكيل المادي وعكسه إلى حالته البدئية، وهو ما يفسر زوال المكاسب السحرية التي لا تستند إلى أساس وجودي متين. في نهاية المطاف، البرمجة السحرية هي صراع أبدي بين اللوغوس الذي يشير إلى الكلمة المنظمة والكايوس الذي يمثل العدم الفوضوي. المقاومة التي يبديها العدم هي ما يمنح السحر هيبته؛ فلو كان العدم طيعاً بشكل مطلق، لفقدت المادة قيمتها. إن البرمجة السحرية لا تكتفي بطلب المال أو الجاه، بل هي تحاول هندسة ثغرة (Exploit) في نظام الطبيعة لتمرير رغبة ذاتية عبر جدار العدم الصموت. المقاومة هنا هي الحصانة التي تمنع الوجود من الإنهيار التام تحت وطأة الإرادات البشرية المتصارعة. إن الساحر الحذق هو الذي لا يكتفي بكتابة الكود، بل يبني نظام حماية (Firewall) لضمان عدم إرتداد العدم عليه و تدمير بنيانه المادي بمجرد توقف الترانيم.

_ الغرور المسجوع: تحطم الإرادة البشرية على صخور العطالة الوجودية

يُعد فشل النظام السحري في تحقيق غاياته المادية أو الروحية اللحظة الأنطولوجية الأكثر كشفاً في تاريخ الفلسفة الباطنية، إذ لا يُنظر إلى هذا الفشل كخطأ إجرائي فحسب، بل كدليل قطعي على أن العدم يمتلك منطقاً مضاداً يتجاوز العقلانية البشرية. إن عدم إستجابة الواقع للطقس، رغم بلاغة الصيغة وإحكام الرمز، يشير إلى أن الفراغ الكوني ليس مادة خام طيعة تنتظر التشكيل، بل هو كيان سيادي يرفض الإختزال في القوالب اللغوية أو الرياضية التي يصيغها الوعي. في هذه اللحظة، يدرك الساحر أو الباحث أن العدم ليس مجرد غياب للوجود، بل هو فيض من الإحتمالات التي ترفض أن تُحشر في قناة السبب والنتيجة البشرية، مما يجعل فشل السحر إعترافاً ضمنياً بأن المنطق البشري ليس سوى جزيرة صغيرة في محيط من اللامنطق المطلق. عندما يصيغ الإنسان نظاماً سحرياً، فإنه يحاول فرض الترتيب (Order) على الهباء (Entropy). وفشل هذا النظام يثبت أن العدم يحتوي على ما يسميه الفلاسفة الإستعصاء الوجودي؛ أي أن هناك فجوة لا يمكن جسرها بين الكلمة و الشيء. المنطق البشري يقوم على مبدأ الهوية (أ هو أ)، بينما العدم يقوم على مبدأ اللاشيئية، حيث يمكن للشيء أن يكون ونقيضه في آن واحد. هذا التناقض الصارخ يعني أن اللغة السحرية، مهما بلغت قوتها البلاغية، تظل لغة محلية خاصة بكوكبنا وبوعينا المحدود، بينما يتحدث العدم لغة الصمت اللانهائي. فشل الطقس هو رسالة من العدم مفادها أن قوانين اللوغوس البشرية لا تسري في أقاليم الظلام البدئي، وأن محاولة برمجة الفراغ تشبه محاولة رسم ملامح وجه على سطح ماء عاصف؛ الصورة تتبدد لأن الوسط لا يقبل التثبيت. من زاوية أعمق، يمكن تفسير فشل السحر بأنه فعل مقاومة من العدم ضد التشييؤ. الإنسان يريد تحويل العدم إلى مال أو ذهب أو سلطة، أي يريد تحويل المطلق إلى نسبي ومحدود. هنا تظهر عطالة العدم (Void Inertia)؛ فالعدم يميل بطبيعته إلى البقاء في حالة الصفر، وأي محاولة لرفع هذه القيمة تتطلب طاقة لا تتوفر في اللغة وحدها. الفشل هنا ليس دليلاً على ضعف الساحر بقدر ما هو دليل على جبروت الفراغ. إن العدم لا يخضع للمنطق البشري لأنه يسبقه، ولأن منطق الإنسان هو نتاج للوجود، بينما العدم هو رحم الوجود و كفنه في آن واحد. لذا، فإن الطقس الذي لا يعمل هو اللحظة التي يصطدم فيها الغرور المعرفي للبشر بالحقيقة الموحشة؛ أن الكون ليس ملزماً بأن يكون مفهوماً أو مطيعاً لرغباتنا المسجوعة. في نهاية المطاف، يظل فشل النظام السحري هو المحرك الحقيقي للتطور الفلسفي في الفكر الباطني؛ فلو نجح السحر دوماً، لتحول إلى علم فيزيائي رتيب. لكن كونه يفشل و يستعصي يجعل منه فعلاً تراجيدياً بإمتياز. هذا الفشل يكرس فكرة أن العدم هو الحرية المطلقة التي لا يمكن إستعبادها بكود لغوي. إننا عندما نحاول برمجة العدم للحصول على المال، فنحن نحاول إخضاع اللانهاية لخدمة الحاجة اللحظية، وهي مفارقة ساخرة تنتهي غالباً بإنتصار العدم و صمته. الفشل إذن هو الحارس الذي يحمي عظمة الكون من التبسيط البشري، وهو البرهان على أن الخلاء ليس فراغاً سلبياً، بل هو قوة فاعلة تمتلك منطقاً خاصاً لا ندركه إلا عندما تتكسر أمواج إرادتنا على شواطئه الصخرية الصمتة.

_ اللغة كليزر: تكتيكات المبرمج الباطني في مواجهة العطالة الانفجارية للفراغ

تتجلى كفاءة الساحر، في المنظور الفلسفي و السيبرنتيقي الباطني، لا في كونه مستجديًا للقوى الغيبية، بل في قدرته على القيام بدور المُهندس الوجودي الذي يمتلك دقة تقنية عالية تمكنه من صياغة أكواد لغوية ورمزية تخلو من الثغرات التي قد ينفذ منها العدم ليفسد البناء المادي المطلوب. إن التعامل مع العدم يشبه التعامل مع مادة خام شديدة الإنفجار؛ أي خطأ في تعريف المتغيرات (Variables) أو أي خلل في منطق الإستدعاء (Invocation) قد يؤدي ليس فقط إلى فشل الطقس، بل إلى إنهيار النظام (System Crash) في حياة الساحر ذاتها. لذا، فإن الكفاءة هنا هي كفاءة تقنية بالدرجة الأولى، تهدف إلى ترويض الإحتمالية المطلقة للعدم و تحويلها إلى حتمية واقعية عبر لغة لا تقبل التأويل الخاطئ. تعتبر الصيغة البلاغية التي يستخدمها الساحر مثل السجع، والطباق، و الجناس بمثابة بروتوكولات تصحيح الخطأ (Error Correction Protocols). فاللغة الركيكة في السحر ليست مجرد قبح جمالي، بل هي كود ملوث يفتقر إلى الترددات الطاقية اللازمة لإختراق كثافة المادة وتوجيه العدم. كفاءة الساحر تكمن في قدرته على بناء جدار ناري (Firewall) لغوي يحمي نِيّته من التشتت؛ فإذا طلب الساحر المال دون تحديد قنوات التدفق أو شروط الإستحقاق، فإنه يترك ثغرة برمجية قد تجعل العدم يستجيب بطريقة كارثية كأن يأتي المال عبر تعويض عن حادث أليم. الساحر الكفىء هو مبرمج بارع يعرف أن العدم حرفي إلى أبعد الحدود، وأنه سينفذ الأمر عبر أقصر الطرق وأقلها إستهلاكاً للطاقة، حتى لو كانت تلك الطرق مدمرة للمبرمج نفسه. إن ما يُسمى بالخبرة السحرية هي في الحقيقة تراكم لمعرفة نقاط المقاومة في العدم. فالعدم يمتلك منطقاً تصحيحياً يميل دائماً إلى إعادة الأمور إلى حالة الصفر (Entropy). وهنا تبرز كفاءة الساحر في قدرته على خداع هذا المنطق عبر التوقيت الفلكي (Timing) وإستخدام الرموز (Symbols) كطُعم لتشتيت إنتباه الفوضى عن جوهر العملية البرمجية. الساحر لا يواجه العدم وجهاً لوجه، بل يتسلل عبر الشقوق الموجودة في نسيج الواقع. الفشل في الطقس هو رسالة خطأ (Error Message) تخبر الساحر بأن تردده لم يتوافق مع تردد المادة، أو أن هناك تعارضاً في المصالح (Conflict of Interest) بين إرادته الذاتية والقوانين الكونية الكبرى، و الكفاءة تقتضي القدرة على تعديل الكود (Refactoring) بدلاً من الإستسلام لليأس. في نهاية المطاف، تُقاس كفاءة الساحر بمقدار النقاء المعلوماتي الذي يستطيع ضخه في قناة الإتصال بين عقله وبين العدم. العدم مشحون بالضجيج (Noise) الناتج عن رغبات ومخاوف لا واعية، و الساحر الضعيف هو من يسمح لأخطائه النفسية (Bugs in the Subconscious) بالتداخل مع الصيغة السحرية. أما الساحر المتألق لغوياً و عقلياً، فهو الذي يستطيع عزل الضجيج وتحويل لغته إلى شعاع ليزر مركّز يثقب جدار العدم ليقتنص منه الثروة أو القوة. إن الأخطاء البرمجية في السحر هي الثغرات التي يتسرب منها العدم ليمحو هوية الساحر، ومن هنا كان السحر علماً صارماً لا يقبل الهواة، لأن العدم لا يرحم المبرمجين المهملين، بل يبتلعهم في طياته اللانهائية بمجرد حدوث أول خطأ منطقي في صياغة الأمر الوجودي.

_ بروتوكول التفاوض مع الفراغ: الميثاق السحري كآلية لإدارة السيولة الوجودية

يُمثّل الميثاق السحري (The Magical Pact) في جوهره الفلسفي أسمى محاولة للوعي البشري لتقنين العلاقة مع العدم المطلق، فهو ليس مجرد عقد قانوني متخيل بين كيانين، بل هو بروتوكول تفاوضي يهدف إلى تحويل الفوضى الوجودية غير المحدودة إلى طاقة مُقننة و قابلة للإستهلاك. إن المشكلة الأساسية التي تواجه الساحر أو المبرمج الوجودي هي أن العدم، بطبيعته اللامتناهية، يمتلك قوة تدميرية إذا ما تدفقت بشكل عشوائي نحو الذات الإنسانية المحدودة؛ ومن هنا يبرز الميثاق كآلية لخلق المقاومة (Resistance) داخل دائرة التوصيل. فكما أن التيار الكهربائي لا يُحدث شغلاً إلا بوجود مقاومة تُحوله إلى ضوء أو حرارة، فإن الميثاق يضع شروطاً وحدوداً (Boundaries) تعمل كصمام أمان يمنع العدم من إبتلاع الساحر، محولاً إياه إلى مصدر طاقة مُتزن يخدم رغباته المادية والروحية. تكمن الوظيفة الأنطولوجية للميثاق في كونه نظاماً لتحديد القيمة داخل فضاء يفتقر أصلاً إلى القيم. العدم لا يعرف المال أو السلطة أو الزمن، فكل هذه المفاهيم هي إختراعات بشرية. لذا، فإن الساحر عندما يبرم ميثاقاً، فإنه يقوم بعملية تعريف المتغيرات (Variable Definition)؛ هو يقول للعدم؛ أنا أمنحك الولاء، أو الوقت، أو الجهد النفسي مقابل أن تمنحني الوفرة المادية. هذا التبادل ليس تجارة بالمعنى التقليدي، بل هو معايرة للوعي؛ حيث يضع الساحر ثقلاً في كفة الميزان ليجبر العدم على إظهار كتلة في الكفة الأخرى. الميثاق هنا هو الذي يحمي الساحر من الإستنزاف الوجودي، لأنه يحدد بوضوح متى يبدأ تدفق الطاقة ومتى ينتهي، وما هو الثمن الذي سيُدفع من جوهر الحياة مقابل الحصول على أعراض المادة. من زاوية أخرى، يُعتبر الميثاق السحري بمثابة لغة ترجمة بين منطقين متنافرين: منطق الصيرورة البشرية المتغير عبر الزمن و منطق الأبدية الساكن في العدم. العدم لا يتحرك إلا إذا وُجدت فجوة أو دافع، والميثاق يخلق هذه الفجوة عبر الوعد أو القربان. الساحر الكفىء يدرك أن الميثاق هو قانون خاص (Private Law) يرفعه فوق القوانين العامة للواقع المعتاد، لكنه قانون يفرض إلتزامات صارمة. فشل الميثاق أو نكثه لا يترتب عليه عقاب أخلاقي، بل يترتب عليه إختلال في التوازن الطاقي؛ حيث يرتد العدم ليملأ الفراغ الذي تركه الساحر بنكثه للعهد، مما يؤدي إلى ما يُعرف باللعنة أو الإرتداد، وهي في الحقيقة ليست سوى عودة العدم لإمتصاص ما وهبه بسبب غياب البروتوكول المنظم. في المحصلة، يظل الميثاق السحري هو التجسيد الأكمل لعقلنة اللامعقول. إنه إعتراف بشرعية القوة الكامنة في العدم، وفي الوقت ذاته هو إعلان عن سيادة الإرادة البشرية التي ترفض أن تكون مجرد ريشة في مهب الريح الكونية. عبر الميثاق، يتحول السحر من مغامرة طائشة في الفراغ إلى إدارة موارد دقيقة؛ حيث تصبح الرموز والكلمات البلاغية هي التواقيع التي تُثبّت شروط الإستمداد. الساحر لا يستمد الطاقة من العدم مجاناً، بل يشتريها بوعيه، والميثاق هو الضمان الوحيد لكي لا يتحول هذا الشراء إلى إفلاس وجودي تام، بل إلى إستثمار مُربح يؤدي إلى تألق الذات وسيادتها على عالم المادة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- لطيفة تحتفل بمئوية يوسف شاهين بفيديو من كواليس -سكوت حنصوّر- ...
- غضب إسرائيلي من تحركات ويتكوف تجاه إيران
- بعد معلومات القسام.. الجزيرة تكشف موقع عملية الاحتلال لاستعا ...
- وول ستريت جورنال: اتهام أكبر جنرال صيني بتسريب أسرار نووية ل ...
- ما صلاحيات هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية؟
- فنزويلا ليست بعيدة عن المنطقة
- القناة 14 الإسرائيلية: المجلس الوزاري المصغر قرر الانتظار بش ...
- تقرير: وساطة ويتكوف تعرقل خيار الحرب على إيران
- لبنان.. غارات إسرائيلية مكثفة على مناطق متفرقة في الجنوب
- -ما دليلك؟- مواجهة حادة بين مذيعة CNN ومسؤول إنفاذ القانون ب ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ-