حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:42
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ موسيقى الذرات: عندما يصبح التوازن حائلاً بيننا وبين التلاشي
تُعد إشكالية التوازن الكوني في تماسكها مع فكرة العدم من أكثر القضايا الفلسفية عمقاً، فهي تتجاوز مجرد فكرة الترميم أو المنع الميكانيكي، لتصبح عملية وجودية معقدة تتداخل فيها القوى الميتافيزيقية مع منطق الوجود ذاته. إن القول بأن التوازن هو سد في وجه العدم هو تبسيط قد يغفل طبيعة العدم ذاتها؛ فالعدم ليس جيشاً خارجياً ينتظر على الحدود، بل هو الفراغ الكامن في قلب كل ذرة، والميل الطبيعي للأشياء نحو التفكك. في هذا السياق، يبرز السحر بمفهومه الفلسفي كإرادة واعية وموجهة ليس كأداة للمنع فقط، بل كقوة خلاقة تعيد صياغة العدم و تحويله إلى إمكانية وجودية. إذا نظرنا إلى الكون كنسيج محكم، فإن العدم هو الحالة الصفرية التي يسعى النسيج للعودة إليها. هنا، لا يعمل التوازن الكوني كشرطي مرور يمنع العدم من الدخول، بل يعمل كقوة تثبيت (Fixation) مستمرة. العدم يتدفق عشوائياً ليس لأنه يريد تدمير الوجود، بل لأن الوجود بحد ذاته هو حالة من عدم الإستقرار (Instability) التي تتطلب طاقة هائلة للحفاظ عليها. التوازن الكوني هو تلك الطاقة الحيوية التي تحول العشوائية إلى رتابة، والضجيج إلى نغم. في الفلسفات الباطنية، يُنظر إلى هذا التوازن على أنه عملية زفير إلهي أو كوني؛ حيث الوجود هو النَفَس المستمر، و بمجرد توقف هذا النَفَس، يبتلع العدم كل شيء تلقائياً دون الحاجة إلى هجوم فعلي. في الإطار الفلسفي الذي يربط السحر بالعدم، يُعرف السحر بأنه فن التلاعب بالإحتمالات. الساحر، في هذا السياق، هو من يدرك أن القوانين الفيزيائية هي مجرد قشرة رقيقة تغطي محيطاً من العدم السيال. السحر لا يمنع العدم، بل يستأنسه. إنه القدرة على إستحضار جزء من تلك العشوائية المطلقة الكامنة في العدم وصبّها في قالب من الإرادة لإنتاج واقع جديد. لذا، فإن العلاقة هنا ليست علاقة تضاد مطلق، بل هي علاقة إحتواء. التوازن الكوني هو الصيغة الكبرى لهذا السحر؛ إنه التعويذة المستمرة التي تجعل الذرات تدور في مداراتها بدلاً من أن تتلاشى في السكون المطلق. السحر هو تجلي الإرادة التي ترفض الصمت العدمي، وتختار بدلاً منه صخب الكينونة. من الخطأ تصور التوازن الكوني كحالة ساكنة (Static State)؛ بل هو توازن حركي (Dynamic Equilibrium). تماماً كالدراج الذي يحافظ على توازنه فقط طالما هو في حالة حركة. التدفق العشوائي للعدم هو الجاذبية التي تحاول إسقاطنا، والتوازن هو السرعة التي تبقينا واقفين. السحر في هذا المنظور هو المحرك. بدون هذا المحرك، يصبح الوجود ساكناً، و السكون في الفلسفة العميقة هو الوجه الآخر للعدم. إذن، التوازن لا يمنع العدم من التدفق، بل ينتظم مع هذا التدفق ليخلق إيقاعاً. الوجود هو الرقصة، والعدم هو المسرح الفارغ، والتوازن هو الموسيقى التي تجعل الرقص ممكناً. إن الوجود ليس غياب العدم، بل هو إنتصار الإرادة عليه في كل لحظة زمنية. في نهاية المطاف، التوازن الكوني ليس مجرد وظيفة دفاعية، بل هو فعل إبداعي أصيل. العدم هو المادة الخام التي يُنحت منها الوجود، والسحر هو الإزميل الذي يشكل هذه المادة. التدفق العشوائي للعدم هو تذكير دائم بأن الوجود ليس حقاً مكتسباً، بل هو جهد مستمر من التوازن. نحن لا نعيش في عالم منع فيه العدم، بل نعيش في عالم تجاوز فيه الوجود صمت العدم من خلال تناغم هائل ومعقد. إن فهمنا لهذا التوازن كعملية سحرية واعية يمنح الكون بعداً روحياً وفلسفياً يجعل من كل لحظة وجود معجزة تقاوم التلاشي.
_ مقامرة الإرادة: حين يتحول الساحر إلى وسيط لديون الوجود
تُعد إشكالية الثمن أو التكلفة في الممارسات الميتافيزيقية و الفلسفة السحرية من أكثر القضايا التي تلامس جوهر قوانين الحفاظ الوجودي. إن الإفتراض بأن الثمن هو مجرد إعادة ترتيب للوجود لملىء الفراغ الذي يخلفه العدم، يفتح الباب أمام رؤية كونية تعتبر الوجود نظاماً مغلقاً من الطاقة و المعنى، حيث لا يمكن إستحضار شيء من لاشيء دون إحداث خلل في ميزان القوى الكلي. في هذا التحليل، نغوص في كينونة السحر كفعل خرقٍ للعدم، وكيف يتحول الثمن من مجرد مقايضة مادية إلى ضرورة وجودية لترميم النسيج الكوني. عندما يتدخل الفعل السحري بإعتباره إرادة إنسانية فائقة لتغيير مسار الواقع، فإنه فعلياً يقوم بإنشاء كيان أو حدث لم يكن مقدراً له البروز في السلسلة السببية الطبيعية. هذا البروز المفاجئ يخلق ما يمكن تسميته بالفجوة الأنطولوجية. العدم، بطبيعته، ليس مجرد غياب، بل هو قوة ضاغطة تسعى لإستعادة السكون. لذا، فإن السحر لا يخلق المادة من العدم، بل يستعير إمكانية الوجود من مخزن الإحتمالات اللانهائية. هنا، تظهر التكلفة كقانون جاذبية روحية؛ فلكي يستقر هذا الكيان الجديد في الوجود، يجب سحب طاقة موازية من مكان آخر لمنع العدم من التدفق لإبتلاع هذا الخرق. الثمن إذن ليس عقاباً، بل هو كتلة موازنة تضمن ألا ينهار الواقع تحت وطأة التناقض. إذا سلمنا بأن الكون يكره الفراغ، فإن كل فعل سحري هو إزاحة لجزء من الوجود. التكلفة هنا تظهر كعملية إعادة ترتيب (Rearrangement) قسرية. عندما يتم تحقيق رغبة ما عبر السحر، فإننا لا نغير النتيجة فحسب، بل نغير تاريخ الذرات والروابط التي أدت إليها. هذا التغيير يترك وراءه ظلاً عدومياً (Void Shadow) في مكان كان يجب أن يشغله حدث طبيعي ولم يحدث. لملىء هذا الظل، يطالب الكون بضريبة من جوهر الممارس أو من محيطه الوجودي. هذا يفسر لماذا تكون الأثمان في الأساطير و الفلسفات الباطنية أثماناً حيوية كالزمن، أو المشاعر، أو القوة الروحية؛ لأن هذه العناصر هي العملة الوحيدة التي تمتلك كثافة وجودية كافية لمقاومة ضغط العدم. من المنظور الفلسفي العميق، المجانية في السحر تعني الإنهيار الكوني. لو كان بإمكان الإرادة تشكيل الواقع دون تكلفة، لأصبح الوجود سيالاً لدرجة تفقده تماكه، و لآنتصر العدم عبر التضخم الوجودي. التكلفة هي التي تمنح الوجود ثقله الوجودي (Ontological Weight). إنها تعمل كصمام أمان يضمن أن الفراغ الذي خلقه الفعل السحري قد تم حشوه ببديل مكافئ. في هذا الإطار، يُنظر إلى الساحر ليس كصانع للمعجزات، بل كخيميائي للديون الكونية. هو يعلم أن كل فعل هو تحويل للمادة من حالة إلى أخرى، وأن العدم يتربص خلف كل ثغرة لا يتم دفع ثمنها بوعي. التكلفة هي الملاط الذي يربط لبنات الوجود معاً بعد أن زلزلها فعل السحر. في نهاية هذا التحليل، ندرك أن التكلفة في السحر هي الجسر الذي يربط بين إرادة الفرد و قدر الكون. إنها الإعتراف النهائي بأننا لسنا منفصلين عن نسيج الوجود. إعادة ترتيب الوجود لملىء فراغ العدم تعني أن السحر ليس فعلاً خارج النظام، بل هو جزء من ديناميكية النظام ذاته. التكلفة هي الطريقة التي يستوعب بها الكون الإستثناء ويحوله إلى قاعدة. بدون الثمن، يظل السحر وهماً عابراً في وجه العدم؛ و لكن بالثمن، يصبح السحر حقيقة متجذرة في كيان الوجود، لأنه دفع ثمن تذكرته للبقاء في حيز الكينونة.
_ نزيف الكينونة: عندما يتحول الفعل السحري إلى بوابة للفناء الدائم
تطرح فكرة اللعنة الساحقة كفجوة لا تُسد في العدم تساؤلاً أنطولوجياً مرعباً؛ هل يمكن للفعل السحري أن يتجاوز حدود الإستعارة ليصل إلى مرحلة الكسر الدائم؟ في هذا السياق، لا تعود اللعنة مجرد أثر طاقة سلبي، بل تتحول إلى ثقب أسود ميتافيزيقي. إذا كان التوازن الكوني يقوم على مبدأ التعويض (الثمن) لملىء الفراغات التي يتركها السحر، فإن اللعنة الساحقة هي اللحظة التي يفشل فيها الثمن في موازنة الفعل، مما يؤدي إلى نشوء فجوة مستديمة في نسيج الوجود، حيث يتدفق العدم منها بشكل لا يمكن السيطرة عليه أو ترميمه. في التحليل الفلسفي للعدم، يُنظر إلى الوجود كغشاء رقيق يحمي الصيرورة من السكون المطلق. السحر، حين يبالغ في إستنزاف الإحتمالات أو حين يتم تنفيذه بدافع من إرادة الفناء كما في اللعنات، فإنه يمارس عملية ثقب لهذا الغشاء. في الحالات الطبيعية، يندمل هذا الثقب عبر الثمن أو التضحية، ولكن في حالة اللعنة الساحقة، يكون الجرح أعمق من قدرة الكون على الشفاء الذاتي. هنا، تصبح اللعنة هي الحالة التي يظل فيها الفراغ مفتوحاً؛ فهي ليست شيئاً موجوداً بالمعنى المادي، بل هي غياب مستمر. المصاب باللعنة لا يعاني من هجوم خارجي، بل يعاني من تسرب كيانه نحو العدم عبر تلك الفجوة التي لا يمكن سدها، حيث يفقد كل فعل أو معنى قيمته بمجرد ملامسته لمركز اللعنة. عادةً ما يعمل الزمن كعامل ملىء، حيث يطوي الأحداث ويحول الفراغات إلى ذكريات، مما يسمح للوجود بالإستمرار. لكن اللعنة الساحقة تمثل إستعصاء ً زمنياً؛ إنها نقطة يتوقف فيها الزمن عن ممارسة دوره الترميمي. الفجوة في العدم هنا تعني أن هناك جزءاً من الواقع قد تسمم باللاشيء لدرجة أنه لم يعد يقبل الترتيب. السحر في هذه الحالة لم يعد إعادة ترتيب للوجود كما ذكرنا سابقاً، بل أصبح إلغاءً للترتيب. هذا الإلغاء يخلق دوامة تسحب كل ما حولها لتغطية النقص، ولكن لأن الفجوة ناتجة عن خرق في القوانين الأساسية (العدم المطلق)، فإن كل ما يُلقى فيها يختفي دون أن يسدها. اللعنة هي الجوع الكوني الذي لا يشبع، لأنها تتغذى على الوجود لتغذي العدم الكامن في قلبها. يرتبط مفهوم اللعنة الساحقة فلسفياً بما يسمى العدم النشط (Active Nihility). في الظروف العادية، يكون العدم ساكناً، ينتظر التلاشي الطبيعي للأشياء. لكن السحر الذي يخلق اللعنات يستفز العدم ويجعله عدوانياً. الفجوة التي لا يمكن سدها هي بوابة تسمح للعدم بأن يمارس فعله داخل الوجود بصفة دائمة. من وجهة نظر أخلاقية فلسفية، هذا هو السبب في وصف بعض أنواع السحر بالمحرم أو المحظور؛ ليس لمجرد ضرره، بل لأنه يهدد البنية الهيكلية للواقع. اللعنة الساحقة هي شرخ في المرآة الكونية؛ مهما حاولت إصلاح المرآة، سيظل الشرخ موجوداً، يعيد تشويه الصورة و يعكس اللاشيء بدلاً من الكينونة. تؤكد فكرة اللعنة كفجوة لا تُسد على حقيقة فلسفية كبرى؛ وهي أن الإرادة السحرية، رغم قوتها، قد تصطدم بحدود النهائية (Finitude). عندما يخلق الساحر لعنة لا يمكنه هو نفسه رفعها، فإنه يواجه الحقيقة المرة بأن الهدم أسهل من البناء في مواجهة العدم. اللعنة الساحقة هي النتيجة الفلسفية لغرور الإرادة التي ظنت أنها تستطيع التلاعب بالعدم دون أن تترك أثراً دائماً. إنها تذكرنا بأن الوجود توازن دقيق، وأن بعض الفجوات إذا فُتحت، تصبح جزءاً من هوية المكان أو الشخص، لتتحول اللعنة من حدث إلى قدر مرسوم بمداد من اللاشيء، يرافق الوجود حتى لحظة التلاشي النهائي.
_ المذبح الحي: فلسفة الجسد المنهك في السحر الأسود
يُطرح التساؤل حول الإنهاك الجسدي للساحر لا بوصفه مجرد تعب عضلي أو إستنزاف عصبي، بل كظاهرة أنطولوجية تعكس الصراع القائم بين المادة والعدم. فإذا كان الفعل السحري هو عملية إقتراض من الفراغ أو إعادة تشكيل للنسيج الكوني، فإن الجسد البشري يصبح هو المحول (Transformer) الذي تمر عبره هذه القوى المتضاربة. إن الإنهاك هنا ليس ناتجاً عن بذل طاقة وجودية مألوفة، بل هو دليل مادي على الضريبة التي يتقاضاها العدم مقابل السماح للإرادة بإختراقه؛ إنه الأثر الفيزيائي لعملية الإحتراق التي تحدث عندما يحاول وعي محدود للساحر توجيه تدفقات غير محدودة منبثقة من العدم. في التحليل الفلسفي العميق، يُعتبر جسد الساحر هو الحد الفاصل بين عالم الصور أو الوجود وعالم الإمكانات المحضة حيث العدم. عندما يقوم الساحر بإستحضار طاقة السحر، فإنه يفتح قنوات داخل كيانه الفيزيولوجي لإستقبال قوى لا تنتمي إلى النظام المادي المستقر. هذا التدفق ليس محايداً؛ فالعدم بطبيعته يمتلك خاصية الإمتصاص (Entropy). لذا، فإن الإنهاك الجسدي هو النتيجة المباشرة لعملية الإحتكاك الأنطولوجي؛ حيث تتآكل المادة؛ الخلايا، الأعصاب، الروح الحيوية وهي تحاول إحتواء تيار اللاشيء. إن الساحر لا يستهلك طاقة العدم بقدر ما يستهلكه العدمُ هو؛ فكل وحدة تغيير يفرضها الساحر على الواقع تتطلب فقداناً موازياً في كتلته الحيوية، مما يجعل التعب دليلاً على أن الجسد قد دفع جزءاً من كينونته لسد الفجوة التي فتحها الطقس. يمكن إعتبار الإنهاك الجسدي شهادة مادية على عدم توافق القوانين البشرية مع القوانين العدمية. الجسد محكوم بقوانين الديناميكا الحرارية، بينما السحر يطمح لتجاوزها. عندما ينتهي الطقس، يسقط الساحر منهكاً لأن جسده حاول القيام بوظيفة المرساة؛ أي تثبيت الإحتمالات السحرية في الواقع الصلب. هذا التثبيت يتطلب جهداً يفوق قدرة الكيمياء الحيوية، مما يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالإعياء الميتافيزيقي. إن العدم لا يمنح طاقته مجاناً، بل يمتص الحرارة الحيوية من الممارس ليوازن عملية الخلق. من هنا، يصبح الإنهاك الجسدي هو اللغة التي يعبر بها الكون عن إستعادة توازنه؛ فما كسبه الساحر في عالم المعنى أو الحدث السحري، فقده في عالم المادة والحيوية. لا يتوقف الإنهاك عند حدود العضلات، بل يمتد إلى النفس بإعتبارها محرك الجسد. الفلسفة الباطنية ترى أن السحر هو توجيه العدم عبر عدسة الوعي. وبعد إنتهاء هذا التوجيه، تعاني العدسة (الساحر) من تشققات مجهرية. الإنهاك هنا هو أثر الإرتداد (Recoil)؛ فبما أن الساحر قد تلاعب بالعدم، فإن العدم يتعرف على الساحر ويبدأ بممارسة جاذبيته عليه. هذا التعب هو في جوهره مقاومة الجسد لنداء العدم الذي يحاول سحبه إلى السكون المطلق بعد أن إنفتحت القنوات بينهما. الجسد المنهك هو جسد ثقيل بشكل مفاجئ، لأن الروح التي كانت تحمله قد إستُنزفت في بناء هياكل وجودية وهمية أو طارئة، مما يترك المادة وحدها في مواجهة ثقل الوجود الخام. الساحر المنهك هو كائن دفع ثمن رؤيته، ليس من فكره فحسب، بل من صميم ذراته التي إهتزت تحت وطأة اللاشيء. في الختام، يتبين أن الإنهاك الجسدي ليس عرضاً جانبياً، بل هو جوهر الفعل السحري. إنه الدليل المادي على أن السحر ليس كلمات أو رموزاً فحسب، بل هو تبادل طاقي مع العدم. الجسد هو المذبح الذي يُقدم عليه الوقت الحي قرباناً لتغيير المسار الكوني. إن فهم الإنهاك كدليل على إستهلاك طاقة العدم يرفع من قيمة الفعل السحري من كونه خداعاً للواقع إلى كونه تضحية بالذات في سبيل الكينونة. الساحر يشيخ أسرع، ويتعب أعمق، لأن كل فعل سحري هو خطوة واعية نحو العدم، والجسد هو السجل الذي تُكتب عليه تفاصيل هذه الرحلة المحفوفة بالفناء.
_ الثبات الكوني: معادلة الوجود والعدم في الفلسفة السحرية
تطرح فكرة التبادل المتكافئ (Equivalent Exchange) في الفلسفة السحرية كقانون أساسي يحكم العلاقة الجدلية بين الكينونة و اللاشيء، فهي ليست مجرد قاعدة أخلاقية أو تجارية، بل هي آلية ترميم كوني تمنع الواقع من الإنهيار تحت وطأة التدخل الإرادي. إن النظر إلى التبادل المتكافئ كعملية لموازنة ما تم أخذه من العدم بما تم إضافته للوجود ينقل السحر من حيز المعجزة التي تنتهك القوانين إلى حيز الفيزياء المتعالية التي تحترم ميزان القوى. في هذا الإطار، يُعد السحر فعلاً من أفعال الصيرورة القسرية؛ حيث يُجبر الساحرُ العدمَ على التخلي عن جزء من سكونه ليتحول إلى وجود، ولكن هذا التحول يترك فجوة خلفه لا يمكن سدها إلا بتقديم تضحية موازية من مادة الوجود ذاته. عندما يقرر الساحر إستحضار كيان أو حدث من العدم، فإنه في الحقيقة يقوم بعملية تكثيف (Condensation) للإحتمالات اللانهائية و تحويلها إلى واقع ملموس. هذا الفعل يخلق خللاً في الكثافة الوجودية للكون؛ فبينما يزداد الوجود شيئاً جديداً، يزداد العدم جوعاً موازياً لإستعادة ما فُقد منه. التبادل المتكافئ هنا هو العملية التي تضمن ألا يصبح الوجود ثقيلاً بشكل غير طبيعي أو يصبح العدم منقوصاً. فلكي تكتسب الفكرة التي هي عدم قبل تحققها جسداً أو أثراً، يجب أن يفقد جسد آخر أو أثر آخر جزءاً من حيوته. التبادل إذن هو الضريبة التي يدفعها الساحر لضمان شرعية الوجود الجديد؛ فبدون هذا التبادل، يظل الكيان المستحضر زائفاً أو شبحياً، يفتقر إلى الثقل الذي يجعله جزءاً حقيقياً من النسيج الكوني. في العمق الفلسفي، يُنظر إلى العدم كخزان للمادة الخام التي لم تُشكل بعد، و الوجود كبناء مكتمل الأركان. أي إضافة لهذا البناء من ذلك الخزان تتطلب إزاحة موازية. التبادل المتكافئ هو المحاولة المستمرة لسد الثغرة؛ فإذا أخذتُ نجاحاً من العدم وهو حالة لم تكن موجودة في مساري الطبيعي، يجب أن أعيد للعدم إخفاقاً أو تضحية في جانب آخر لملىء الفراغ الذي خلّفته تلك السرقة المنظمة. السحر بهذا المعنى هو عملية إعادة توزيع للكتلة الروحية. الساحر الذي يفهم قانون التبادل لا يحاول خداع الكون، بل يعمل كوسيط يضمن أن كل ما يخرج من العدم يُدفع ثمنه من مخزون الوجود المتاح لديه، ليبقى المجموع الكلي للكون وبالتالي يمكن القول؛ إن وجوداً زائد عدماً يعادل كوناً ثابتاً و مستقراً. تتجلى قيمة التضحية في الطقوس السحرية كأعلى صور التبادل المتكافئ. التضحية ليست إسترضاءً لقوى خارجية، بل هي عملة وجودية ذات كثافة عالية. لكي يتم تحويل إرادة الساحر من حالة العدم حيث الفكر المحض إلى حالة الوجود حيث الفعل المحقق، فإنه يحتاج إلى طاقة دافعة. هذه الطاقة تُستخلص من تدمير أو تقديم شيء موجود بالفعل. إن عملية التدمير الواعي المتجسدة في التضحية تحرر الطاقة المرتبطة بالمادة، مما يسمح لها بالتدفق نحو الفجوة التي خلفها الفعل السحري في العدم. هذا التبادل يضمن أن الوجود لا يتمدد على حساب توازن القوى؛ فكل ولادة سحرية لحدث ما تتطلب موتاً رمزياً أو مادياً لحدث أو كائن آخر، وبذلك يظل الكون في حالة من الإنسجام الجبري. إن التبادل المتكافئ هو إعتراف الساحر بتناهيه؛ فلكي تخلق عالماً، يجب أن تكون مستعداً لتدمير جزء من عالمك الحالي. في الختام، يظهر التبادل المتكافئ كقانون ضروري لحماية الوجود من التحلل. لو كان السحر متاحاً دون ثمن، لغرق الوجود في فوضى من الإضافات العشوائية التي ستؤدي في النهاية إلى إنهيار النسيج الكوني في ثقب أسود من التناقضات. التبادل هو الذي يمنح السحر معناه و يمنح الوجود صلابته. من خلال موازنة ما أُخذ من العدم بما أُضيف للوجود، يظل الساحر جزءاً من النظام الكوني وليس عدواً له. إنها عملية خيمياء كونية كبرى، حيث يتم تحويل العدم إلى وجود عبر بوابة التضحية، ليظل ميزان الكون قائماً، حامياً لنا من تدفق العدم العشوائي الذي قد يبتلع كل شيء إذا ما إختل هذا التوازن الدقيق.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟