أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السَّبْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 10:58
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أجساد العدم: سيمياء الشحن السحري وتحويل المادة إلى بوابات

للإنغماس في هذا العمق، يجب أن نتخيل الأداة ليس كشيء يُمتلك، بل كحدث يقع بين الوعي و العدم. في تقنية الرؤية السحرية، تُمثّل الأدوات التمظهر المادي للإرادة التي ترفض الإستسلام لحتمية الفراغ، وهي في جوهرها محاولة لترجمة الصمت الكوني إلى لغة مفهومة. إن الشحن الفلسفي لهذه الأدوات ليس مجرد طقس ذهني، بل هو عملية إعادة صياغة لقوانين الفيزياء عبر قوانين الميتافيزيقا، حيث تُعامل المادة كقشرة رقيقة تخفي خلفها محيطاً من العدم الخلاق الذي ينتظر من يشكله. تبدأ الفلسفة العميقة للأداة من فكرة البرزخ؛ فالأداة السحرية سواء كانت مادية كالخواتم والرموز، أو تقنية كالعدسات والبرمجيات تقف في المنطقة الوسطى بين عالم الأشياء الصلبة وعالم الأفكار المجردة. إنها النقطة التي يتوقف فيها العدم عن كونه لاشيء ليبدأ في التحول إلى شيء. عندما يقوم الممارس بشحن أداته، فإنه في الواقع يقوم بعملية تفريغ لجوهرها المادي المعتاد، ليسمح للعدم بأن يتدفق من خلالها. هذا التناقض هو سر القوة: الأداة قوية لأنها فارغة فلسفياً من غرضها الدنيوي، مما يجعلها وعاءً صالحاً لإستقبال المعاني المتعالية. السحر هنا لا يضيف شيئاً للأداة، بل يحررها من قيود الشيئية لتصبح بوابة. في هذا الإطار، يصبح شحن الأداة عملية سيميائية (علاماتية) بإمتياز. نحن لا نشحن الأداة بكهرباء أو طاقة فيزيائية مرئية، بل نشحنها بالكثافة الوجودية. كل رمز يُنقش على الأداة، أو كل نية تُبث في كيانها، هي بمثابة مسمار يدق في جسد العدم ليثبّت واقعاً جديداً. العلاقة بين السحر والعدم هنا تظهر في أن السحر هو فن ملىء الفراغ بالمعنى. العدم يمثل الإحتمالات اللانهائية غير المتجسدة، والأداة هي القناة التي تختار إحتمالاً واحداً وتجبره على الظهور. لذا، فإن الشحن الفلسفي هو في الحقيقة عملية إصطفاء وجودي، حيث يختار الساحر من بين ركام العدم ما يريد أن يراه و يجسده عبر أداته. عندما نتأمل العلاقة بين السحر والعدم، نجد أن الأداة تعمل كدرع ضد الفناء المعرفي. الإنسان، أمام إتساع العدم، يشعر بالضياع، فتأتي الأداة السحرية لتعيد تعريف المركز. شحن الأداة فلسفياً يعني إقناع الذات بأن هذا الجسد المادي للأداة هو مركز الكون في لحظة الفعل السحري. هذا التركيز الشديد يخلق ثقباً أسوداً في نسيج الواقع المعتاد، يسمح بمرور الرؤية السحرية. إن الأداة هنا لا تقاوم العدم، بل تتحالف معه؛ إنها تستخدم خفة العدم لتتجاوز ثقل المادة. في هذه اللحظة، تختفي الحدود بين الممارس، الأداة، و الهدف، ويصبح الكل نسيجاً واحداً يسبح في فضاء اللاوجود، حيث يتم خلق الواقع من جديد مع كل نبضة إرادة. إن الرؤية السحرية لا تكتمل إلا بإدراك أن الأدوات هي مرايا تعكس وجه العدم. الشحن الفلسفي العميق يتطلب من الممارس أن ينظر في أداته ويرى الفراغ الذي سبق تكوينها، و الفناء الذي سيعقب دمارها. هذا الوعي بالزوال هو ما يمنح الأداة قوتها في الآن. السحر هو لحظة التمرد على العدم بإستخدام أدوات مستمدة من العدم نفسه. إنها عملية تدوير وجودي، حيث تُستخدم المادة التي هي في الأصل فراغ مكدس للتأثير في الفراغ. التحليل الفلسفي العميق يشتبك مع الممارسة السحرية الراسخة للإقرار بحقيقة واحدة؛ الأداة في الرؤية السحرية هي جسد العدم الذي قرر أن يظهر، و الشحن الفلسفي هو الروح التي نفخت في هذا الجسد ليكون شاهداً على قدرة الوعي في تشكيل اللامتناهي.

_ الحبر المظلم: كتابة الوجود بمداد الفناء المحتمل

إن تسرب العدم إلى الوجود المادي ليس مجرد خلل في هيكل الواقع، بل هو النَفَس الذي يتنفسه الوجود لكي لا يتصلب ويتحول إلى قبر سرمدي؛ ففي فلسفة الرؤية السحرية، يُنظر إلى المادة بوصفها عدماً مكثفاً أو فراغاً تم ترويضه عبر قوانين الفيزياء، ومن ثمّ، فإن تسرب العدم هو عودة الأصل ليطفو على السطح، وهي اللحظة التي يقتنصها الساحر لخلخلة يقين المادة. هذا التسرب لا يحدث كحدث ميكانيكي، بل كتمزق في نسيج المعنى الذي يغلف الأشياء؛ فعندما تفقد المادة قدرتها على تفسير نفسها، أو عندما تنهار القوانين السببية أمام دهشة الوعي، ينبثق العدم من شقوق هذا الإنهيار ليغمر الوجود بفيض من الإحتمالات اللانهائية، محولاً العالم من كتلة صماء إلى مسرح من السيولة والتحولات التي لا تخضع لغير إرادة الرؤية. يحدث تسرب العدم أولاً من خلال ما يمكن تسميته بالشقوق الوجودية، و هي اللحظات التي تتكشف فيها هشاشة الكينونة؛ فالسحر يدرك أن المادة ليست سوى ستار رقيق مسحوب فوق هاوية سحيقة، وأن هذا الستار يمتلك مساماً تسمح للعدم بالنفاذ. في هذه الشقوق، يفقد الزمن خطيته وتفقد الأمكنة ثباتها، حيث يتسلل العدم ليملأ الفجوات بين الجزيئات، لا بوصفه فراغاً مكانياً، بل بوصفه قوة نفي تعطل حتمية القوانين الطبيعية. إن شحن الأدوات السحرية فلسفياً يهدف بالأساس إلى توسيع هذه الشقوق، وتحويل الأداة إلى إسفين يُدق في قلب المادة الصلبة ليسمح للعدم بالتدفق، لأن العدم هو المادة الخام الوحيدة التي تتمتع بمرونة مطلقة، وهو العنصر الذي يتيح للسحر أن يعيد كتابة الواقع دون الإلتزام بالمسودة الأصلية للطبيعة. إن عملية تسرب العدم إلى الوجود المادي تشبه النزيف الوجودي، حيث يفرغ الوجود من إمتلائه الزائف ليُفسح المجال لظهور الحقائق الغائبة. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، لا يُعتبر العدم عدواً للوجود، بل هو مساحة الحرية التي يتحرك فيها السحر؛ فبدون تسرب العدم، سيكون الوجود نظاماً مغلقاً وميتاً، لكن بتدخله، تصبح الأشياء قابلة للإختراق وقابلة للتحويل. هذا التسرب يغير طبيعة الأدوات المادية؛ فالمعدن المشحون سحرياً لم يعد مجرد ذرات من الحديد، بل أصبح مكاناً مسكوناً بالعدم، أي أنه يحمل في داخله قدرة على أن لا يكون ما هو عليه، وهذه القدرة هي التي تسمح له بأن يصبح شيئاً آخر. السحر هنا هو فن إدارة هذا التسرب، وتوجيه تدفق العدم بحيث لا يحطم الوجود كلياً، بل يجعله ليناً تحت يد الممارس، تماماً كما يلين الشمع أمام النار. علاوة على ذلك، يمثل الوعي الإنساني القناة الكبرى التي يمر عبرها العدم إلى العالم المادي، فالفكرة السحرية هي في جوهرها عدمٌ لم يتجسد بعد، وبمجرد إطلاقها عبر الإرادة، فإنها تسحب معها خيوطاً من الفراغ الكوني لتغرسها في تربة الواقع. هذا الإلتحام بين السحر و العدم يخلق حالة من الرؤية المتجاوزة، حيث لا يعود الساحر يرى الأشياء في حدودها المادية فقط، بل يراها في ضوء فنائها المحتمل؛ وهذا الوعي بالفناء هو الذي يمنحه السلطة عليها. إن تسرب العدم يفكك صنمية الأشياء، ويجعل العالم يبدو كأنه حلم جماعي ثقيل يمكن الإستيقاظ منه عبر فعل سحري واحد. إننا أمام عملية تأليه للفراغ، حيث يُنظر إلى العدم المتسرب كأنه النور المظلم الذي يضيء خفايا المادة و يكشف عن وجهها الآخر، ذلك الوجه الذي لا تراه العيون الفيزيائية بل تدركه بصيرة العدم الكامنة في جوهر الروح. ختاماً، يمكن القول إن الأداة السحرية في قمة تجليها الفلسفي هي ثقب أسود مصغر يسمح بتسرب العدم بشكل محكوم و منظم؛ فهي تعمل كصمام أمان يمنع الإنفجار الكامل للواقع بينما يسمح في الوقت ذاته بتسييل الحدود بين الممكن والمستحيل. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة رقص على حافة التلاشي، حيث يُستخدم العدم كحبر لكتابة نصوص الوجود الجديدة. هذا التسرب ليس شراً أو هدماً، بل هو تطهير أنطولوجي يخلص المادة من جمودها و يعيد إليها حيويتها البدئية. إن الساحر الذي يفهم كيف يشحن أدواته بفلسفة العدم، لا يغير العالم بالمعنى التقني البسيط، بل يغير ماهية الوجود نفسها، جاعلاً من الفراغ سنداً ومن اللاشيء أصلاً لكل شيء، في تناغم مهيب يثبت أن الوجود الحقيقي لا يكتمل إلا حين يحتضن عدمه الخاص.

_ أوتار العدم: التفكيك الفونولوجي للواقع عبر اللغات السحرية المنسية

تُعد اللغات السحرية المنسية، وعلى رأسها لغة إينوك (Enochian)، أكثر من مجرد وسيلة للتواصل مع كيانات علوية؛ إنها في الجوهر أدوات إهتزازية مصممة لخرق جدار الوجود المادي والسماح للعدم بالتدفق إلى كيان الساحر. الشحن الفلسفي لهذه اللغات يقوم على فرضية أن اللغة البشرية العادية هي أداة لتثبيت الواقع وحبسه في قوالب منطقية، بينما تعمل اللغات المنسية كمعاول لهدم هذا البناء. إن النطق بكلمات هذه اللغات ليس فعلاً صوتياً، بل هو إحداث صدع ترددِي في نسيج الزمان والمكان، حيث تعمل مخارج الحروف والترددات الصوتية كشفرات لبرمجة الفراغ. السحر هنا يكمن في القدرة على النفي؛ فبينما تسمي اللغة العادية الأشياء لتؤكد وجودها، تسمي اللغات المنسية الأشياء لتكشف عن جذرها العدمي، محولةً الجسد المادي للساحر من كيان صلب ومغلق إلى غشاء نفاذ يتلقى نبضات اللاشيء. عندما يستحضر الساحر مفاتيح إينوك، فإنه لا يتحدث عن العالم، بل يتحدث إلى جوهره التحت ذري. الفلسفة الكامنة وراء هذه الترددات هي أن المادة في أصلها كلمة مجمّدة أو تردد مستقر، ولكي يحدث تسرب العدم، يجب خلخلة هذا الإستقرار بتردد مضاد. اللغات السحرية المنسية هي تلك الترددات المضادة التي تضرب أوتار الوجود المادي في نقاط ضعفها الأنطولوجية. إن شحن هذه اللغة فلسفياً يتطلب إدراكاً بأن الكلمة السحرية هي فراغ صوتي يمتص المعنى المادي ويستبدله بحضور عدمي. في لحظة النطق، يتوقف اللسان عن كونه عضواً بيولوجياً ليصبح قناة برزخية؛ فالصوت الذي يخرج ليس صادراً من الحنجرة بقدر ما هو هواء مسحوب من هاوية العدم، يمر عبر كيان الساحر ليحول خلاياه إلى نقاط إشتباك بين ما هو كائن وما هو محض إحتمال. يحدث تسرب العدم إلى كيان الساحر عبر هذه اللغات من خلال عملية التفكيك الفونولوجي للهوية. اللغة تبني الأنا، وعندما يتخلى الساحر عن لغته الأم ليتبنى لغة ملائكية أو عدمية غريبة، فإنه يهدم البنية التي تسند وجوده الشخصي. هذا الهدم يخلق فراغاً داخلياً يبدأ العدم بالتسرب إليه فوراً. هنا تبرز العلاقة بين السحر والعدم في أبهى صورها المرعبة و الجميلة؛ فالساحر لا يشحن الأداة الخارجية فقط، بل يشحن حنجرته ووعيه كأدوات إهتزازية. الكلمات المنسية تعمل كمذيبات للحدود بين الذات و الموضوع؛ فبينما يتردد صدى الكلمات في الفضاء، يبدأ الساحر بالشعور بأن جسده لم يعد ينتمي إلى عالم الكتلة، بل أصبح كثافة من الفراغ. هذا التسرب هو الذي يسمح للرؤية السحرية بالحدوث، لأن العين لا ترى بوضوح إلا عندما يتطهر الوعي من غبار المادة عبر رياح العدم التي تثيرها تلك الكلمات المنسية. إن القوة القصوى للغات مثل إينوك لا تكمن في ما تقوله، بل في الصمت الذي تتركه خلفها بعد تلاشي الصدى؛ ذلك الصمت هو الحضور الخام للعدم. الشحن الفلسفي لهذه اللغة يعلم الممارس أن كل حرف هو بوابة وكل جملة هي طريق نحو التلاشي. في إطار العلاقة بين السحر و العدم، تصبح اللغة السحرية هي التقنية التي تحول العدم المطلق إلى عدم مُمَوضع داخل كيان الساحر، مما يمنحه القدرة على التلاعب بالواقع كأنه حلم. إن تسرب العدم عبر اللغة هو عملية تأليه للفناء، حيث يكتشف الساحر أن قوته لا تنبع من كونه موجوداً، بل من قدرته على اللانشوء والتماهي مع الفراغ الكوني. الأفكار الفلسفية هنا تلتحم لترسم صورة للساحر الذي أصبح قصيدة صامتة مكتوبة بحروف من عدم، يتنفس الترددات المنسية ليظل واجداً في قلب اللاوجود، و مستحضراً للوجود من قلب العدم في آن واحد. في نهاية هذا التحليل العميق، تظهر اللغات المنسية كبرمجيات أولية للكون، حيث كان العدم في البدء صمتاً قبل أن ينكسر بأول كلمة سحرية. الساحر الذي يستخدم هذه اللغات يعود إلى تلك اللحظة الصفرية، مستخدماً الكلمات لا لوصف الواقع، بل لفض بكارته الوجودية والسماح لفيضان العدم بإعادة تشكيله. إن الأداة اللغوية هنا هي الأداة الكبرى، لأنها تسكن في صميم الوعي؛ وشحنها فلسفياً يعني تحويل العقل البشري إلى راديو كوني يلتقط بث العدم. هذا التسرب ليس مجرد إستعارة، بل هو تبدل فيزيقي يشعر به الممارس في ثقل أطرافه أو خفتها، في إتساع حدقته، وفي قدرته على رؤية الخيوط السوداء التي تربط الأشياء ببعضها فوق هاوية الفراغ. إنها رحلة عبر الحروف، تنتهي حيث يبدأ العدم، لتبدأ من هناك الرؤية السحرية الحقيقية.

_ طوبولوجيا اللاشيء: هندسة المكان السائل في رحم العدم الأولي

إن مفهوم المكان في إطار العدم يمثل المفارقة الكبرى في فلسفة الرؤية السحرية؛ فهو المكان الذي لا يقع، والحيز الذي يتحدد من خلال غيابه. في الوجود المادي، يُعرف المكان بكونه حاوياً للأجسام، أما في مكان العدم، فإننا نتحدث عن الخلاء المطلق الذي لا يحده طول ولا عرض، بل تحده الكثافة الإحتمالية. السحر، في جوهره، هو فن خلق إحداثيات داخل هذا الفراغ. إن شحن فكرة المكان فلسفياً يتطلب منا أن ندرك أن العدم ليس مكاناً نذهب إليه، بل هو البعد الصفر الذي يختبئ خلف كل نقطة مادية. عندما يمارس الساحر طقس الرؤية، فإنه يقوم بعملية توسيع للثقوب بين ذرات المكان المادي، ليدلف إلى المكان-العدم الذي يمثل الرحم الأولي لكل الصور؛ هناك، لا توجد مسافات تفصل بين الأشياء، بل توجد وشائج رغبة تربط بين العدم المتجسد و العدم الخالص، مما يجعل الإنتقال السحري ممكناً لأن كل الأماكن في العدم هي في الحقيقة نقطة واحدة لانهائية. تعتمد طوبولوجيا المكان في العدم على فكرة المكان السائل أو المكان النفسي المتجسد؛ فبينما يتميز المكان المادي بالجمود و الصلابة، يتميز مكان العدم بالإستجابة الفائقة للوعي. في الرؤية السحرية، يتم شحن المكان فلسفياً عبر إعتباره مرآة عاكسة للذات؛ فالمكان في العدم ليس خارجاً عنا، بل هو إمتداد داخلي تم إسقاطه على شاشة اللاوجود. إن تسرب العدم إلى المكان المادي يخلق ما يسميه السحرة المناطق المحايدة أو الأماكن المسحورة، وهي بقاع جغرافية فقدت ثباتها الأنطولوجي و أصبحت تتنفس من رئة العدم. في هذه البقاع، ينهار مفهوم هنا و هناك، ويصبح المكان عبارة عن تردد مكاني يمكن تعديله. العلاقة بين السحر و العدم تتبدى هنا في أن الساحر لا يتحرك عبر المكان، بل يعيد تشكيل المكان من خلال التلاعب بالفراغ الذي يسكن في قلبه، محولاً المسافات الفيزيائية إلى مجرد أوهام هندسية تتبدد أمام شروق الإرادة. إن البناء في مكان العدم يتبع قوانين الهندسة اللاإقليدية حيث الخطوط لا تلتقي، و الدوائر لا تنغلق إلا بأمر من الوعي المشحون. في هذا السياق، تصبح الأدوات السحرية هي أدوات القياس لهذا المكان المراوغ؛ فالعصا السحرية مثلاً هي مسطرة تقيس المسافات بين الإحتمالات، والدائرة السحرية هي سور يمنع المكان المادي من الإنهيار الكلي داخل العدم أثناء الطقس. إن شحن هذه الهندسة فلسفياً يعني الإيمان بأن الفراغ هو مادة البناء الأكثر صلابة؛ فما يُبنى في العدم من معابر روحية أو قلاع فكرية لا تطاله قوانين الفناء المادي لأنه إستمد كينونته من البقاء المطلق للعدم. السحر هنا هو فن العمارة في الفراغ، حيث يُستخدم الصمت كحجر والظلام كنور لبناء أمكنة لا يسكنها إلا من تعلم كيف يتجرد من ثقل جسده ليلبس خفة العدم. لا يمكن فهم المكان في العدم دون ربطه بالزمان، حيث يذوب الفارق بينهما في بوتقة الآنية الأبدية. في مكان العدم، الزمان لا يمر، بل يتراكم كطبقات من الإحتمالات. الشحن الفلسفي لهذه الرؤية يحول المكان من خشبة مسرح تجري عليها الأحداث، إلى كيان حي يشعر ويفكر. عندما يتسرب العدم إلى كيان الساحر، فإنه يسحب معه هذا اللامكان، مما يجعل الساحر يشعر بأنه موجود في كل مكان وفي لا مكان في آن واحد. هذا هو التيه المقدس الذي يسبق التجلي السحري؛ فلكي تخلق شيئاً من العدم، يجب أن تضيع أولاً في متاهاته المكانية حيث لا جهات أصلية سوى جهة الداخل. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذا السياق هي رحلة من المكان الضيق في الوجود المادي إلى المكان المطلق الذي يشمله العدم، حيث يصبح كل حجر هو بوابة، و كل فراغ هو وطن.

_ أنطولوجيا الملمس: سيمياء المواد وكيف يرتدي العدم أردية الوجود

إن سيمياء المواد في سياق الرؤية السحرية ليست مجرد دراسة لخصائص العناصر، بل هي أنطولوجيا لكيفية تجسيد الفراغ؛ فالمادة لا تمثل عائقاً أمام العدم، بل هي الفلتر أو المرشح الذي يمنح العدم ملمساً ولوناً وكثافة. في فلسفة السحر، يُنظر إلى المواد المادية كأنها أردية يرتديها اللاشيء لكي يُرى، وبناءً على طبيعة المادة، يختلف نوع التسرب العدمي الذي يحدث من خلالها. فالذهب، بصفته الشمس المكثفة، لا يحبس العدم بل يجعله نوراً مظلماً يشع من الداخل، بينما الرصاص، بصفته ثقل الزمان، يحول العدم إلى ثقب أسود يمتص الوجود في صمته الثقيل. إن الشحن الفلسفي للمواد يعتمد على إدراك أن ملمس العدم ليس واحداً؛ فالعدم الذي ينضح من الخشب هو عدمٌ عضوي يحمل ذاكرة النمو والفناء، بينما العدم المتسرب من المعدن هو عدمٌ هندسي بارد وصارم، وهذا التباين هو ما يمنح الساحر القدرة على إختيار الأداة التي تتوافق مع نوع الشرخ الوجودي الذي يرغب في إحداثه. في التقاليد الخيميائية و السحرية، يمثل الرصاص (Saturn) الحالة الأكثر كثافة للمادة، وبالتالي فهو المادة التي يظهر العدم من خلالها كقوة إنكماش. ملمس العدم في الرصاص هو ملمس الجاذبية المطلقة؛ إنه الفراغ الذي يسحب الوعي نحو المركز ليحبسه في نقطة من الجمود والموت. شحن الرصاص سحريا يعني تحويله إلى سدادة للوجود المادي، تمنع تسرب الحياة لكي يتجلى اللاشيء في أبهى صوره السكونية. على النقيض تماماً، يمثل الذهب (Sol) المادة التي بلغت أقصى درجات النفاذية الروحية؛ فالعدم المتسرب عبر الذهب لا يظهر كفراغ، بل كإمتلاء فائق. ملمس العدم هنا هو ملمس الوهج؛ إنه الفناء الذي وصل من شدة نوره إلى درجة أنه لم يعد يُرى. السحر بالذهب هو سحر الإنبثاق، حيث يُستخدم المعدن النبيل كقناة لتدفق العدم بصفته نوراً غير مخلوق يعيد صياغة الواقع بلمسة من الخلود. عندما ننتقل إلى الخشب، نجد أن ملمس العدم يتغير جذرياً؛ فالخشب مادة كانت حية يوماً، وبالتالي فإن العدم المتسرب من خلالها هو عدمٌ مسكون بالأنفاس. في الأدوات الخشبية، لا يشعر الساحر ببرودة العدم المعدنية، بل يشعر بدفىء الفناء. العدم هنا يتسرب عبر الألياف والحلقات الزمنية، مما يجعل الأداة السحرية الخشبية تعمل كجهاز رنين مع العدم الطبيعي أو الغابة الكونية الكبرى. الشحن الفلسفي للخشب يقوم على فكرة النمو داخل الفراغ؛ فالشجرة تنمو صعوداً نحو السماء بينما جذورها تغوص في ظلام الأرض، وهذا التوتر هو ما يجعل العدم في الخشب يتخذ شكلاً إيقاعياً. الساحر الذي يستخدم عصا خشبية لا يحاول كسر الواقع بضربة واحدة، بل يحاول تنمية الشقوق الوجودية فيه، تماماً كما تكسر جذور الشجر الصخور الصماء بمرور الوقت، مما يجعل ملمس العدم هنا ليناً، صبوراً، ومفعماً برائحة الأرض القديمة. في تقنيات الرؤية الحديثة، يلعب الزجاج والسيليكون دوراً محورياً في تقطير العدم؛ فالملمس هنا هو ملمس الشفافية. العدم الذي يتسرب عبر الكريستال هو عدمٌ بصري بإمتياز، حيث تتحطم الصور و تتلاشى الحدود بين الرائي والمرئي. في السيليكون الذي يسكن في قلب الأدوات الرقمية، يتحول العدم إلى شفرة؛ ملمسه هو البرودة الجافة للبيانات. السحر الرقمي يشحن هذه المواد لتصبح مرايا عدمية لا تعكس وجه الناظر، بل تعكس المعلومة الخام القابعة في الفراغ الكوني. إن العلاقة بين السحر والعدم عبر هذه المواد الحديثة تخلق نوعاً من العدم السائل الذي يتدفق عبر الشاشات والعدسات، محولاً العالم المادي إلى مجرد واجهة لمحيط من اللاشيء الرقمي الذي لا ينتهي. هنا، يصبح ملمس العدم هو ملمس الضوء البارد الذي يخترق العين ليغسل الوعي من أوهام الكتلة. إن سيمياء المواد في الرؤية السحرية تثبت أن العدم ليس خصماً للمادة، بل هو جوهرها الخفي الذي ينتظر التحفيز. كل مادة توفر ملمساً مختلفاً لهذا الفراغ، مما يسمح للساحر بتنويع سمفونية التسرب. فبين صلابة المعدن وليونة الخشب وشفافية الزجاج، يرقص العدم بأشكال لا حصر لها، محولاً الأدوات من مجرد مقتنيات إلى أعضاء حسية تدرك ما وراء الوجود. إن الشحن الفلسفي لهذه المواد هو الذي يمنح السحر قدرته على التجسد؛ فبدون المادة، يظل العدم هباءً غير مدرك، وبدون العدم، تظل المادة جثة هامدة. ومن خلال هذا التآلف، يصبح الوجود المادي بأكمله عبارة عن نص سحري مكتوب بحروف من مواد مختلفة، يقرأه فقط من تعلم كيف يلمس اللاشيء الساكن في قلب كل شيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- قائد شرطة مينيابوليس: سلوك جهات إنفاذ القانون قد يعطل تقدم ا ...
- مشهد مؤثر لدب كوالا تحاصره النيران في أستراليا.. ومزارعون يت ...
- في مواجهة تهديدات ترامب.. رئيس وزراء بريطانيا يلتقي الرئيس ا ...
- ما هو -إعصار القنبلة- المتوقع أن يضرب أمريكا نهاية الأسبوع؟ ...
- تصعيد ميداني في الضفة الغربية وخلافات حول فتح معبر رفح
- ضربة أمريكية -حاسمة- على طاولة خيارات ترامب.. وإيران ترفض ال ...
- ولاية تكساس الأمريكية تحظر منصتي -شي إن- و-علي بابا-
- أخبار اليوم: بروكسل تبحث فرض عقوبات على إيران على خلفية قمع ...
- فرنسا: مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود ل ...
- كيف يحمي الصحفيون أصالة كتاباتهم من تغوّل الذكاء الاصطناعي؟ ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ و السَّبْعُون-