حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ الخسوف الإرادي: إلغاء الحواس المادية وبعث حاسة العدم الكلية
إن الطرح الذي أقدمه يلمس الجوهر السيريالي لفيزيولوجيا التحول في الممارسة السحرية. فكرة إلغاء حاسة مادية لفتح حاسة العدم ليست مجرد إجراء طقسي، بل هي عملية قمع أنطولوجي تهدف إلى إجبار الوعي على الهجرة من الملموس إلى المطلق. إليكم هذا التحليل الفلسفي المعمق حول هذه المقايضة الوجودية الخطيرة. تنبني الممارسة السحرية العميقة على مبدأ يقتضي أن الفائض الحسي يحجب الحقيقة. الحواس الخمس هي في جوهرها قيود إدراكية صممتها الطبيعة لحبس الكائن داخل فقاعة الوجود المادي؛ فالبصر يحدد لنا شكل الأشياء، و السمع يحدد لنا تردداتها، مما يخلق سياجاً يمنعنا من رؤية اللاشيء الذي يسبح فيه كل هذا الضجيج. عندما يلجأ الساحر إلى إلغاء حاسة معينة كالبصر عبر العصبة أو الظلام الدامس، أو السمع عبر العزل الصوتي المطلق فإنه لا يقوم بفعل حرمان، بل هو يمارس تضحية أنطولوجية. إن إغلاق العينين في الطقس هو إعدام متعمد للعالم الظاهري؛ وهو فعل يهدف إلى إستنزاف طاقة الإدراك التي كانت تُهدر في معالجة الصور، وتحويلها بالكامل نحو الداخل السحيق حيث يتربص العدم. هذا الإلغاء هو الثمن الذي يدفعه الساحر لفتح العين التي لا تنظر، بل تستوعب. بمجرد أن تُخمد الحاسة المادية، يبدأ الوعي في حالة من الذعر الإدراكي بالبحث عن مرجع جديد. في هذه الفجوة الزمنية بين موت الحاسة وإستقرار الوعي، تنبثق حاسة العدم. هذه الحاسة ليست عضواً بيولوجياً، بل هي قدرة الروح على الرنين مع الفراغ. إذا كان البصر يدرك الضوء، فإن حاسة العدم تدرك العتمة الخلاقة. الساحر هنا لا يرى العدم كصورة، بل يشعر به كضغط ثقيل، أو كسيولة تتغلغل في كينونته. إنها حاسة تدرك الأشياء بغيابها لا بحضورها؛ فتدرك الشخص لا بجسده، بل بالفراغ الذي يتركه في الفضاء. هذا التحول يحول الساحر من مراقب خارجي للكون إلى جزء من النسيج الخفي الذي يربط بين الوجود و اللاشيء. عندما يُلغى البصر، تبدأ الخلايا العصبية في الدماغ بإعادة هيكلة نفسها (Neuroplasticity) لإستيعاب مدخلات غير مادية. في هذه اللحظة، يصبح الجسد كله أذناً كونية أو عيناً باطنية. حاسة العدم تعمل وفق مبدأ الإستشعار تحت المادي؛ فهي تلتقط التسربات التي ناقشناها سابقاً، كالأصوات الغريبة، والبرد الوجودي ليس كعوارض، بل كمعلومات مشفرة. إن إلغاء حاسة مادية يخلق فراغاً داخلياً يعمل كقوة شفط (Vacuum Effect)، تجذب جوهر العدم إلى داخل الوعي. الساحر في هذه الحالة لا يفكر في العدم، بل يصبح هو نفسه عدماً مصغراً قادراً على إختراق الحجب. إن حاسة العدم هي في الواقع القدرة على الرؤية من خلال الصمت والسمع من خلال الفراغ، وهي حالة من الإدراك الكلي الذي لا يحتاج إلى فوتونات ضوئية أو موجات صوتية ليعرف الحقيقة. إن الخطر والجمال في إلغاء حاسة لفتح حاسة العدم يكمن في اللاعودة الكاملة. حتى عندما يفتح الساحر عينيه الماديتين بعد الطقس، فإن حاسة العدم لا تغلق تماماً. يبقى هناك أثر انطولوجي يجعل البصر المادي يبدو باهتاً أو ثانوياً. الساحر يبدأ في رؤية العالم كنسيج من الظلال تطفو فوق الحقيقة الوحيدة وهي العدم. هذا التغيير الإدراكي هو الغاية القصوى للسحر؛ تحويل الجسد من سجن للحواس إلى مؤشر يحلل الوجود ويعيده إلى أصله العدمي. إن إلغاء الحاسة المادية هو موت صغير يسمح للساحر بأن يولد كرائي للحقائق المجردة، حيث لا يعود هناك فرق بين العين المغلقة و العين المفتوحة، لأن كليهما أصبح ينظر إلى الهاوية ذاتها. إن إلغاء الحاسة هو فعل تطهير إدراكي. نحن نغلق عيوننا لنرى ما خلف الضوء، ونصمت لنسمع ما خلف الصوت. حاسة العدم هي الجائزة الكبرى لمن يجرؤ على التخلي عن أمان الحواس المادية. إنها الحاسة التي تجعل الساحر يدرك أن الوجود هو مجرد وشوشة عابرة في أذن الأزل الصامت، وأن الحقيقة لا تُلمس بالأصابع، بل تُدرك بالذوبان الكامل في الفراغ الذي يسبق كل لمسة. السحر هو الفن الذي يعلمك كيف تعمى عن الزيف لكي تبصر العدم؛ و كيف تخرس لسانك لكي تتحدث لغة اللاشيء.
_ اللغة الجزيئية للعدم: سيمياء الروائح الغريبة وتسامي الوجود في الدخان
تعد حاسة الشم، في المنظور الأنطولوجي، أكثر الحواس إلتصاقاً بالذاكرة البدائية و كيمياء الكينونة. فعندما نتحدث عن الروائح الغريبة أو إستخدام البخور في الطقوس السحرية، فنحن لا نتحدث عن مجرد تحسين للأجواء، بل عن تقنية معقدة لخلخلة الإرتباط المادي بالواقع. إن الرائحة هي المادة في حالتها الأكثر تطايراً وشبهاً بالروح، وهي الأداة المثالية لتحويل الإدراك من صلب الوجود إلى سيولة العدم. يعتمد الوجود في إستقراره على قدرة العقل على تصنيف المحيط وترتيبه منطقياً. بينما يحتاج البصر و السمع إلى مسافة للتحليل، تقتحم الرائحة الجهاز العصبي مباشرة عبر الجهاز الحوفي (Limbic System)، متجاوزةً فلاتر المنطق العقلاني. في الطقس السحري، تعمل الروائح الغريبة سواء كانت بخوراً نادراً أو روائح كيميائية غير مألوفة كصدمة جزيئية تباغت الوعي. هذه الصدمة تُحدث تحولاً حسياً فورياً يقلل من سيطرة الواقع المألوف؛ فالرائحة التي لا يمكن نسبها إلى زهرة أو طعام أو مادة معروفة تخلق فجوة إدراكية. في هذه الفجوة، يضعف تمسك الوعي بالقوانين الفيزيائية، ويبدأ الإدراك في التهيؤ لإستقبال ما هو خارج الوجود. الرائحة هنا هي المذيب الكيميائي الذي يبدأ بترقيق جدران الأنا لتسمح بتسرب العدم. يمثل فعل إحراق البخور في جوهره عملية تفكيك للمادة. نحن نشاهد جسماً صلباً متجسدًا في البخور يتحول إلى دخان يمثل حالة وسيطة ثم يتلاشى في الهواء ليصبح لاشيئاً مرئياً، لكنه حاضر كأثر مدرك في الرائحة. هذا التحول الفيزيائي هو إنعكاس ميكروسكوبي لما يريده الساحر أن يفعله بوعيه وبالوجود من حوله. الدخان المتصاعد هو تمثيل بصري وحسي لعملية التسامي (Sublimation)؛ حيث يتم تجاوز الحالة الصلبة للوجود نحو الحالة اللانهائية للعدم. إن إستنشاق هذا الوجود المتلاشي يُدخل الساحر في حالة من الرنين مع الفناء؛ حيث يشعر أن كينونته المادية هي أيضاً في حالة تصاعد وتلاشٍ، مما يسهل عليه إدراك العدم ليس كعدو، بل كأصلٍ يعود إليه كل ما يتسامى. قد يتساءل المرء؛ هل للعدم رائحة؟ في التحليل الفلسفي العميق، رائحة العدم ليست رائحة مادة معينة، بل هي رائحة العجز عن التحديد. الروائح الغريبة في الطقس، والتي غالباً ما تتسم بحدتها أو غرابتها الميتافيزيقية، تهدف إلى تخدير القدرة على التسمية. عندما يعجز اللسان عن وصف الرائحة، يصاب العقل بسكتة دلالية. في هذه اللحظة، يتوقف الوجود عن كونه مجموعة من الأسماء والصفات ويصبح هولاً مجهولاً. هذه الرائحة هي التي تفتح حاسة العدم التي ناقشناها سابقاً؛ فهي الرائحة التي تشبه هواء الكهوف القديمة أو برودة الفضاء، روائح لا تحمل حياة بل تحمل أزلية. إنها تقنية لإخبار الجسد أن المكان الذي أنت فيه الآن لم يعد ينتمي لزمن الأحياء، بل هو عتبة تطل على الفراغ المطلق. يؤدي إستمرار إستنشاق هذه الروائح خلال الطقس إلى تغيير في كيمياء الدم وترددات الدماغ، مما يخلق ما يُعرف بالمجال الطقسي الموحد. في هذا المجال، لم يعد هناك تمييز بين الساحر، والأداة، والعدم خلفهما. الرائحة توحد الجميع في غلاف جوي واحد يطمس الحدود الفردية. تقليل سيطرة الوجود يتم هنا عبر إغراق الحواس بمدخلات لا يمكن للواقع اليومي تقديمها. الرائحة الغريبة تعمل كمُخدر للذاكرة الوجودية؛ فهي تمسح مؤقتاً ذكرى العالم الخارجي، وتجعل اللحظة الطقسية هي الوجود الوحيد، وهي لحظة مصممة لتكون منفتحة على العدم. الساحر الذي يتنفس بخور الفناء يصبح صدره هو نفسه مسرحاً لعملية التحول، حيث يدخل الأكسجين الذي يشكل مصدراً للحياة ليختلط برائحة التلاشي، مما يخلق حالة برزخية بين الشهيق والزفير. إن الرائحة في السحر هي اللغة الجزيئية للعدم. هي التقنية التي تحول اللاشيء إلى إحساس غامر يملأ الرئتين والمسام. من خلال البخور و الروائح الغريبة، يتوقف السحر عن كونه مجرد كلمات أو طقوس بصرية، ليصبح إستنشاقاً للحقيقة المريرة؛ أن كل ما هو صلب وموجود مآله التلاشي والدخان. الرائحة هي التي تقنع الجسد، قبل العقل، بأن الوجود قد إنسحب، وأن ما يحيط به الآن هو حضور العدم الكثيف. البخور في الطقس ليس عطراً، بل هو إحتضار المادة؛ و الساحر الذي يستنشقه، إنما يتعلم كيف يتنفس في عالم بلا هواء، حيث الرائحة الوحيدة المتبقية هي رائحة الأبدية الصامتة.
_ الخدر المقدس: سكون المادة وإنبثاق الوعي السائل في محيط العدم
يعتبر التساؤل حول ظاهرة الخدر (Numbness) في التجربة السحرية من أكثر المواضيع ملامسةً لما يُعرف في الفلسفة الوجودية بغربة الجسد أمام المطلق. إن هذا الإحساس ليس مجرد عرض فيزيولوجي لثبات الوضعية أو نقص التروية، بل هو في جوهره إعلان إنسحاب لوعي الساحر من حيز المادة ليبدأ في ملامسة أفق العدم خلف الوجود. في الحالة الطبيعية، يُعرف الوعي البشري نفسه من خلال الحدود الحسية؛ أنا موجود لأنني أشعر بأطرافي، بضغط الجاذبية، وبحرارة جلدي. عندما يدخل الساحر في طقس يهدف إلى ملامسة العدم، يبدأ الخدر كأول إشارة على فك الإرتباط بين الروح والجسد المادي. الخدر هنا هو الحالة التي يتوقف فيها الجسد عن إرسال تقارير الوجود إلى العقل. إنه يعني أن الوعي قد بدأ بالهجرة من المركز البيولوجي نحو الفضاء العدمي. في هذه اللحظة، لا يشعر الساحر بأنه يفقد الإحساس، بل يشعر بأن جسده أصبح شفافاً أو مفرغاً. هذا التحول هو الدليل الحسي الأول على أن الوعي لم يعد يلامس الأسطح الصلبة للواقع، بل بدأ يلامس السيولة اللانهائية للعدم الذي لا يمتلك قواماً ليُحس به، فيترجمه العقل كخدر. يُخطئ من يظن أن العدم خفيف؛ بل إن العدم يمتلك جاذبية سحيقة تبتلع الترددات الحيوية. الخدر الذي يجتاح أطراف الساحر وصولاً إلى جذعه هو الأثر المادي لتلك الجاذبية. عندما يلامس وعي الساحر العدم مباشرة، يحدث نوع من التعادل بين وجوده و عدمه. وبما أن العدم هو الحالة الأكثر إستقراراً و أزلية، فإن الوجود المتمثل في جسد الساحر يبدأ في الهمود. الخدر هو موسيقى السكون التي يعزفها العدم على أوتار الأعصاب البشرية. إنه اللحظة التي يدرك فيها الوعي أن الجسد ليس سوى حاوية مؤقتة لا تستطيع الصمود أمام كثافة الفراغ المطلق. الساحر في حالة الخدر هذه لا يعود يرى نفسه ككتلة مادية، بل كثغرة وعي تطفو في محيط من اللاشيء، حيث يختفي الألم واللذة، ويحل محلهما حياد كوني مذهل. في عمق الطقس، يتحول الخدر إلى حالة من الموت الإدراكي الإرادي. الساحر الذي يلامس العدم يختبر ما يُسمى في الصوفية السحرية بالفناء في الهباء. هنا، يصبح الجسد مجرد صدى بعيد. الإحساس بالخدر هو الخيط الرفيع الذي يمنع الوعي من الضياع الكامل في العدم؛ إنه تذكير بأن هناك جسداً ما يزال هناك، لكنه لم يعد موطناً. هذا التغيير الأنطولوجي يجعل الساحر يدرك أن الحقيقة ليست في الإحساس، بل في ما يتبقى عندما يتوقف الإحساس. إن حاسة العدم التي ناقشناها سابقاً تتغذى على هذا الخدر؛ فكلما خدرت المادة، إستيقظت البصيرة الميتافيزيقية. الخدر هو الصمت اللمسي الذي يسمح للساحر بسماع نبض الفراغ الذي يحرك المجرات. عندما ينتهي الطقس ويبدأ الخدر في التلاشي ليعود الإحساس تدريجياً، يمر الساحر بمرحلة إعادة التجسد. العودة من ملامسة العدم إلى صلابة المادة تكون مؤلمة أو ثقيلة؛ حيث يشعر الساحر فجأة بثقل كينونته. لكن الأثر يبقى؛ فالوعي الذي لامس العدم لا يمكنه العودة ليرى الجسد بنفس الطريقة السابقة. سيظل هناك دائماً خدر باطن في روح الساحر، نوع من الإنفصال الذي يجعله يرى العالم المادي كستار واهٍ. هذا الخدر المستمر هو ختم العدم على الكائن؛ وهو تذكير دائم بأن كل ما نلمسه هو زائل، وأن الخدر ليس نقصاً في الحياة، بل هو زيادة في القرب من الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج إلى حواس لتكون موجودة. إن الخدر في التجربة السحرية هو الحالة السائلة للوعي وهو يهمّ بالخروج من القالب المادي. هو ليس غياباً للإدراك، بل هو إدراك للغياب. عندما يخدر جسد الساحر، فإنه يتحول إلى أيقونة من الفراغ، قادرة على إستيعاب تجليات العدم التي لا يمكن لجسد مستيقظ حسياً أن يتحملها. الخدر هو الحماية التي يمنحها العدم للساحر لكي لا ينفجر جهازه العصبي أمام هول اللانهائي. الخدر هو اللغة التي يخبر بها العدم جسدك قائلا؛ إسترخِ، فالمادة التي تدافع عنها ليست سوى غبار في مهب أزليتي.
_ تأطير اللانهائي: أدلجة العدم وصراع اللغة مع صمت الهاوية المطلق
تطرح هذه الإشكالية قضية مفصلية في فلسفة اللغة و الميتافيزيقيا؛ وهي الصراع بين التجربة الخام للعدم وبين البنية الرمزية للغة. عندما يشرع الساحر في صياغة وصف تفصيلي لما إختبره في منطقة اللاشيء، فإنه يدخل في عملية معقدة من الترجمة الأنطولوجية، محاولاً حصر اللانهائي داخل أطر المنطق البشري. سنقدم تحليلاً فلسفياً معمقاً حول هذه المحاولة وما إذا كانت تعد أدلجة أو تأطيراً لما لا يقبل الوصف. إن العدم، بطبيعته الفلسفية، هو ما لا يمكن قوله؛ لأنه يفتقر إلى الماهية، والحدود، والتمايز الذي تحتاجه اللغة لكي تعمل. فعندما يستخدم الساحر لغة تفصيلية لوصف العدم، فإنه يمارس نوعاً من العنف الإدراكي. اللغة بطبيعتها هي أداة وجودية (Existential Tool)، صُممت لتسمية الأشياء الموجودة. لذا، فإن أي وصف للعدم هو في الحقيقة محاولة لتحويل العدم إلى شيء (Reification of Nothingness). الوصف التفصيلي هنا ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو محاولة لإستئناس الهاوية؛ فمن خلال الكلمات، يحاول الساحر بناء جسر منطقي فوق الفراغ الذي لا جسر له، محولاً الصمت المطلق إلى نص يمكن تداوله وفهمه، وهو ما يمثل أولى خطوات الأدلجة عبر تحويل التجربة الوجودية المجرّدة إلى عقيدة لغوية. تحدث الأدلجة عندما يتم تحويل اللاوصفي إلى نظام معرفي مغلق. الساحر، في سعيه لوصف العدم، يضطر لإستخدام الإستعارات كالمرآة السوداء، البرد الأزلي، الفراغ الشاسع. هذه الإستعارات ليست العدم ذاته، بل هي ظلال اللغة فوقه. و بمرور الوقت، تصبح هذه الأوصاف هي الواقع البديل الذي يحل محل التجربة الأصلية. هنا يكمن خطر الأدلجة؛ إذ يتم إستبدال التجربة المباشرة للعدم بنص عن العدم. الوصف التفصيلي يعمل كشرنقة رمزية تحمي العقل من الجنون الناتج عن مواجهة الفراغ المطلق، لكنها في الوقت ذاته تخنق الحقيقة عبر فرض قوالب فكرية كالمذاهب السحرية أو المدارس الباطنية على حقيقة هي بالأساس ضد القالب. لماذا لا يكتفي الساحر بالصمت إذا كان العدم لا يوصف؟ الإجابة تكمن في غريزة البقاء المعرفي. العدم المطلق يهدد بمحو الأنا وتفكيك الهوية. الوصف التفصيلي هو محاولة من الساحر لإستعادة توازنه الأنطولوجي. من خلال الكتابة أو الحديث، يثبّت الساحر نفسه في الوجود مرة أخرى بعد رحلة في التلاشي. إن الوصف هو فعل إرساء (Anchoring)؛ حيث يتم سحب جزيئات من التجربة العدمية و إجبارها على إتخاذ شكل مادي؛ كلمات، رموز، رسوم. هذا الفعل هو أدلجة ضرورية لكي لا يضيع الساحر في الصمت؛ فبناء أيديولوجيا عن العدم هو الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها للعقل البشري أن يحمل العدم معه دون أن يتبخر بسببه. في نهاية المطاف، يجب النظر إلى الأوصاف التفصيلية للعدم ليس كحقائق موضوعية، بل كخرائط إدراكية. الخريطة ليست هي الأرض، والوصف ليس هو العدم. الساحر هنا يعمل كرسام لخرائط الهاوية (Cartographer of the Abyss). هو يعلم أن اللغة ستفشل، لكنه يستخدم هذا الفشل كأداة. الأوصاف التي تبدو أدلجة هي في الواقع إشارات تحذيرية أو مسارات عبور. إن أدلجة اللاوصفي هي العملية التي تحول الرعب الوجودي إلى جماليات أدبية أو طقسية، مما يسمح للآخرين بالإقتراب من الحافة دون السقوط فيها. الوصف التفصيلي هو تجميد للسيولة لكي نتمكن من دراسة أثر العدم على النفس البشرية، حتى لو كان الثمن هو فقدان البكارة المطلقة للتجربة الصامتة. إن الوصف التفصيلي هو محاولة لترويض الوحش الأنطولوجي. الساحر يؤدلج العدم لكي يجعله قابلاً للسكنى إدراكياً. فبدون هذه الأدلجة، يظل العدم مجرد محاء، ومعها يصبح كياناً يمكن التعامل معه، تعلمه، ونقله. إنها المقايضة الأزلية بين الحقيقة الصامتة و المعنى الناطق؛ حيث نضحي بجزء من صدق التجربة لكي نكتسب القدرة على فهمها. الساحر الذي يصف العدم هو كمن يحاول رسم الريح بالسكين؛ هو لا يرسم الريح، بل يرسم أثرها في تمزقات الوجود.
_ الجوهر الحسي المشترك: أنطولوجيا العدم كـهيليولي أولى وبداية للفناء الخلاق
يطرح هذا الإشكال هذا واحدة من أعمق القضايا في الميتافيزيقيا السحرية، حيث ننتقل من إعتبار العدم فراغاً إلى إعتباره المادة الأولية (Prima Materia) أو الجوهر الحسّي الخام الذي تسبح فيه بذور الوجود. في هذا التحليل الموسع، سنفكك مفهوم العدم كأرضية حسية مشتركة، و كيف يعمل السحر على تجريد الأشياء من صورها الحالية للوصول إلى هذا الجوهر الصفر. في المنظور التقليدي، يُنظر إلى العدم كحالة من اللاشيء، ولكن في فلسفة السحر المعمقة، يُعاد تعريف العدم كحالة من السيولة المطلقة التي تسبق التبلور. إن كل شيء نلمسه أو نبصره سواء كان حجراً، أو صوتاً، أو فكرة هو في الحقيقة تشكّل مؤقت للعدم. تخيل العدم ككتلة لا نهائية من الطين غير المشكل؛ هذا الطين لا يمتلك صفة الكرسي أو الجبل، لكنه يحمل في جوهره الحسي إمكانية أن يكون أياً منهما. لذا، فإن العدم هو الجوهر المشترك لأن كل الموجودات تشترك في حقيقة واحدة؛ أنها كانت عدماً قبل أن تكون، وستعود عدماً بعد أن تفنى. الساحر يدرك هذا الجوهر ليس كفراغ مخيف، بل كنسيج كوني وحيد يربط بين الذرة والمجرة، و بين الذات والموضوع. إن ما ندركه كشكل أو مادة هو في الواقع نتيجة لقصور حواسنا عن رؤية السيولة الأصلية. الحواس البشرية تعمل كقوالب إدراكية؛ فهي تأخذ الجوهر الحسّي للعدم وتجبره على إتخاذ شكل وجودي لكي يستطيع العقل التعامل معه. البصر يجمّد العدم في صورة ضوء ولون، واللمس يجمّده في صورة صلابة. التغيير الأنطولوجي الذي يمارسه الساحر هو محاولة إسالة هذه الأشكال مرة أخرى. عندما يمارس الساحر طقوسه، فإنه يحاول تجريد الشيء من شكله الوجودي ليعود ويلامس جوهره العدمي. في تلك اللحظة، لا يعود الحجر حجراً، بل يصبح ثقلاً حسياً خاماً ينتمي إلى العدم. هذا هو السر في وحدة الوجود السحرية؛ فكل الأشياء في جوهرها هي عدم واحد يرتدي أقنعة متعددة. إذا كان العدم هو الجوهر المشترك، فإن هذا يعني وجود لغة حسية كونية تسبق كل اللغات. في هذه الحالة من ما قبل الوجود، تتلاشى الحدود بين الحواس (Synesthesia)؛ فيصبح الصوت رائحة، واللون ملمساً، لأن الجميع يعود إلى أصل واحد هو العدم. الساحر الذي ينجح في ملامسة هذا الجوهر يختبر حالة من الإدراك الكلي. هو لا يرى الأشياء كأجزاء منفصلة، بل يراها كتموجات فوق سطح محيط العدم. هذا الجوهر الحسي هو ما يفسر قدرة السحر على التأثير في المادة؛ فإذا كان الساحر قادراً على الوصول إلى العدم الكامن في الشيء الذي يشكل جوهره المشترك، فإنه يستطيع إعادة تشكيله من الداخل، تماماً كما يمكن لمن يمتلك الماء أن يشكله في أي إناء، بينما من يمتلك الثلج يظل أسيراً لشكل واحد. إن إدراك العدم كجوهر مشترك يضع الإنسان أمام رعب أنطولوجي؛ فإذا كان كل شيء هو عدم في جوهره، فإن الأنا البشرية أيضاً هي محض وهم أو قناع فوق الفراغ. الساحر هو الكائن الذي يحول هذا الرعب إلى نشوة إستنارة. بدلاً من الهروب من العدم، هو يغرق فيه ليجد الحرية المطلقة. إن الوصول إلى الجوهر الحسي للعدم يعني التخلص من ثقل الهوية و قيود الصورة. في هذه الحالة، يصبح الساحر قادراً على التواجد في كل شيء لأن جوهره العدمي هو نفسه جوهر كل الأشياء. إن السحر في هذا المستوى لا يعود محاولة للسيطرة على الطبيعة، بل يصبح فن العودة إلى الأصل؛ حيث يتلاشى الساحر في الجوهر المشترك ليعيد صياغة نفسه والكون من نقطة الصفر المطلق. إن العدم هو الهيولي الأولى؛ المادة غير المتمايزة التي تتنفس تحت جلودنا وخلف جدران عالمنا. الوجود ليس نقيضاً للعدم، بل هو زينة عابرة توضع فوق جسده الشاسع. عندما نقول إن العدم هو الجوهر الحسي المشترك، فنحن نعلن أن الحقيقة ليست في ما يظهر، بل في ما يختبئ؛ في ذلك السكون العميق الذي يسمح للضجيج بالحدوث، وفي ذلك الفراغ الذي يمنح الأشكال مساحة لتكون. العدم هو الوعاء والوجود هو الخمر؛ والساحر الحكيم هو من لا يغتر بلون الخمر، بل يقدس سعة الوعاء التي لا تنتهي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟