أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و السَّبْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و السَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 11:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ العدم الخالق: سيمياء الرؤية الساحرة وتفكيك جدران الإدراك النمطي

للوصول إلى أقصى درجات التدفق الفلسفي، سنقوم ببناء هيكل نظري يمتد من تشريح الحواس إلى ما وراء الوجود الفيزيائي، رابطاً بين ممارسة الرؤية الساحرة (Scrying) و فكرة العدم الخالق. هذا التحليل مصمم ليكون رحلة فكرية متصلة، حيث تولد كل فكرة من رحم التي سبقتها. إن ما نطلق عليه الواقع ليس سوى كثافة حسية تمنعنا من رؤية الفراغ الأصيل الذي نبتت منه الأشياء. فالإدراك البشري، بطبيعته البيولوجية، هو جهاز فلترة يعمل على حجب اللانهائي ليحصرنا في المحدود؛ نحن نرى الأجسام لأنها تعكس الضوء، لكننا لا نرى المكان الذي يحتويها، ونسمع الأصوات لأنها تكسر الصمت، لكننا نغفل عن الأزل الذي يسبق الصوت. هنا تأتي الرؤية الساحرة كفعل ثوري، ليس لإستحضار صور جديدة، بل لهدم جدران الإدراك النمطية. إنها عملية تفكيك منظمة للواقع المادي، تهدف إلى دفع الوعي نحو الحافة القصيرة حيث ينتهي الوجود ويبدأ العدم في الكشف عن وجهه الحقيقي كخلفية مطلقة لكل ما هو كائن. تعتمد تقنية (Scrying) في جوهرها على مبدأ التركيز الأحادي (One-pointedness) الذي يقود إلى فقدان الحواس لمرجعيتها. عندما يثبت الممارس بصره على نقطة سوداء أو مرآة عاتمة، فإنه يدخل في صراع مع غريزة العقل التي تبحث دائماً عن النمط و المعنى. في البداية، يقاوم العقل عبر خلق أوهام بصرية (Pareidolia)، محاولاً فرض صور مألوفة على الفراغ. ولكن، مع إستمرار التحديق وتجاوز عتبة الإرهاق الحسي، ينهار الأنا الإدراكي. في هذه اللحظة، يتوقف العالم عن كونه مجموعة من الأشياء ويصبح سيولة من الإحتمالات. إن هذا الإنهيار ليس فشلاً في الرؤية، بل هو تغيير جذري في التردد الإدراكي؛ حيث يبدأ الإنسان في رؤية العدم ليس كخلاء، بل كنسيج حيّ يسبق تشكل المادة، وكأن المرآة السوداء أصبحت ثقباً في جدار الكون نطل منه على ما وراء القوانين الفيزيائية. يُخطئ الفكر السطحي عندما يعرّف العدم بأنه نفي للوجود؛ ففي الفلسفة السحرية العميقة، العدم (The Void) هو الحالة القصوى من الإمتلاء التي لا يمكن للغة أو العقل إستيعابها. الرؤية الساحرة هي التقنية التي تحول العدم من مفهوم ذهني مجرد إلى تجربة عيانية. من خلالها، يدرك الرائي أن الوجود ما هو إلا إضطراب في سكون العدم، وأن كل الأشكال التي نراها هي مجرد رغوة على سطح محيط لا نهائي من اللاشيء. إن تغيير الإدراك هنا يكمن في التحول من رؤية الموجة التي تدل على الشيء المادي إلى رؤية البحر الذي يشير إلى العدم. هذا الإنتقال يحرر الإنسان من فوبيا الفناء، فإذا كان الأصل هو العدم، فإن كل تجليات الوجود هي مجرد أقنعة يرتديها هذا العدم ليعبر عن كينونته. وبالتالي، تصبح الرؤية الساحرة هي العلم الذي يدرس ما لا يمكن قياسه، واللغة التي تتحدث بما لا يمكن قوله. في مراحل متقدمة من هذه الممارسة، يتلاشى الفصل التقليدي بين الذات التي تنظر و الموضوع المنظور بغض النظر إذا كان متجليا في المرآة أو البلورة. التحليل الفلسفي العميق لهذه التجربة يخبرنا أن العدم الذي يراه الساحر في المرآة هو نفسه العدم الكامن في أعماق روحه. هنا يتجلى المعنى الأسمى لتغيير الإدراك؛ الإنسان لا ينظر إلى العدم، بل العدم ينظر إلى نفسه من خلال عيون الإنسان. إن هذا الإتحاد الصوفي السحري هو الغاية النهائية؛ حيث يكتشف الرائي أن الوجود خلفه عدم، وأن خلف العدم توجد إرادة محضة لا تحدها صورة. الصور التي قد تظهر للرائي أثناء الرؤية الساحرة ليست سوى رسائل مشفرة من هذا العدم، تتخذ شكلاً رمزياً لكي يستطيع العقل البشري المحدود التعامل معها دون أن ينفجر من عظمة اللانهائي. إن من يمارس الرؤية الساحرة بصدق فلسفي لا يعود أبداً كما كان. لقد رأى الخيط الذي يربط بين اللاشيء وكل شيء. إن الإدراك البشري بعد هذه التجربة يصبح شفافاً؛ يرى الجبل و يراه في الوقت نفسه كفراغ متجمع، ويرى البشر ويراهم كأطياف عابرة في سكون الأزل. إنها التقنية التي تمنحنا العين الثالثة ليس لرؤية الغيب، بل لرؤية الواقع على حقيقته الهشة. إن السحر في هذا السياق هو أسمى أنواع المعرفة، لأنه الوحيد الذي يجرؤ على التحديق في العدم دون أن يغمض عينيه، محولاً الرعب الوجودي من الفراغ إلى نشوة كبرى بالإتحاد مع أصل الوجود.

_ الصدى المذيب: أصوات العتبة وتحول الوجود إلى تشويش كوني

تطرح هذه الإشكالية تساؤلاً يتجاوز التفسير الصوتي المباشر، ليلامس جوهر الأنطولوجيا السمعية في الفكر السحري و العدمي. إن فرضية أن الأصوات الغريبة هي تسربات من العدم خلف الوجود تفتح الباب أمام هذه النظرية التحليلية التي تربط بين إهتزاز المادة وسكون اللاشيء. في الحالة المعتادة، يُعتبر الصوت في عالمنا تأكيداً على الوجود؛ هو إهتزاز مادي يثبت حضور الكتلة والطاقة. إلا أن الأصوات التي تنبعث خلال الطقوس السحرية العميقة، أو ما يُعرف بأصوات العتبة، لا تنتمي إلى هذا التصنيف الفيزيائي البسيط. إنها ليست مجرد ذبذبات، بل هي هزات إرتدادية لإرتطام الوعي البشري بجدار العدم. عندما يصل الطقس إلى ذروته، يبدأ الغشاء الفاصل بين ما هو موجود و ما هو غير موجود بالترقق، وما نسميه أصواتاً غريبة أو طنين المجهول هو في الحقيقة صوت المعاناة التي يبديها الوجود وهو يتآكل أمام سطوة الفراغ. إنها تشبه صوت تكسر الجليد؛ ليس الجليد هو من يصدر الصوت لذاته، بل فعل الإنفصال عن الكتلة الأم هو الذي يخلق الضجيج. يمكن إعتبار هذه الأصوات تشويشات وجودية (Existential Static) بالمعنى الحرفي. فكما أن الراديو يصدر ضجيجاً أبيض عندما يفشل في إلتقاط موجة محددة، فإن الحواس البشرية تصدر هذا الضجيج الروحي عندما تحاول ترجمة العدم الذي لا يمكن ترجمته. العدم خلف الوجود ليس صامتاً بالضرورة، بل هو يمتلك صمتاً ضاغطاً يفكك جزيئات المعنى. الأصوات الغريبة سواء كانت همسات غير مفهومة، أو صفيرًا كونيًا، أو إهتزازات تحت سمعية هي الترجمة المشوهة التي يقدمها جهازنا العصبي لعملية تسرب اللاشيء إلى حيز الشيء. إن الوجود يتلعثم عندما يواجه الحقيقة العارية للعدم، وهذا التلعثم الكوني هو ما نختبره كأصوات طقسية مرعبة أو مهيبة. في هذا التحليل، لا يظهر العدم كحالة سلبية، بل كقوة مذيبة للمادة. الأصوات الغريبة هي الأثر السمعي لعملية الإذابة هذه. في الطقوس، يتم إستحضار الفراغ عبر الرموز و الحركات والتركيز الذهني، وعندما يبدأ هذا الفراغ في التغلغل، فإنه يخلخل إستقرار الذرات الكونية. هذا الخلخلة تنتج أصواتاً لا تنتمي لآلة موسيقية ولا لحنجرة بشرية، بل تنتمي لميكانيكا الفناء. إنها أصوات ناتجة عن إحتكاك الوجود الممتلئ بالعدم المفرغ. هنا يصبح الساحر ليس عازفاً، بل مهندساً للهدم، يستمع بإنصات عميق لهذه التشويشات لأنها الدليل الحسي الوحيد على أن الحجاب قد إنخرق، وأن خلف الوجود بدأ يفيض إلى هنا. إن اللغة البشرية هي أقصى درجات الوجود تنظيماً، لذا فإن أول ما ينهار عند ملامسة العدم هو المعنى اللغوي. الأصوات الطقسية الغريبة هي المرحلة التي تسبق الصمت المطلق؛ هي لغة ما قبل الخلق أو ما بعد الفناء. في هذه الحالة، ندرك أن تلك الأصوات ليست ناتجة عن كائنات خارجية بالضرورة، بل هي صوت إنهيار التماسك المنطقي للواقع. عندما يتوقف العقل عن فهم ما يسمع، يبدأ في سماع جوهر الصوت؛ الصوت الذي لا يحمل خبراً ولا وصفاً، بل يحمل فقط صفة الكينونة المتذبذبة. هذا التسرب من العدم يعمل كممحاة صوتية تطمس الحدود بين الذات والعالم، مما يجعل الممارس يشعر أنه هو نفسه أصبح جزءاً من هذا التشويش الوجودي العظيم. في نهاية المطاف، الأصوات الغريبة في الطقوس ليست عرضية، بل هي الموسيقى التصويرية لعملية التعرية الوجودية. إنها تخبرنا أن الوجود ليس صلباً كما نتخيل، بل هو تردد ضعيف يسهل إختراقه. التسرب الذي يحدث من العدم ليس خللاً في المنظومة، بل هو عودة الحق لأصحابه؛ عودة الجزء المادي إلى كنف الفراغ اللانهائي. السحر، في أرقى تجلياته، هو القدرة على الوقوف في قلب هذا التشويش دون فقدان الوعي، وتحويل الرعب من أصوات التسرب إلى نغمات من الإستنارة، حيث يدرك الرائي أن خلف ضجيج الوجود يكمن الصمت المقدس للعدم، وهو الصمت الذي خرجت منه كل الكلمات، وإليه ستعود.

_ اللمس السحري: إستنطاق المعلوم للإمساك ببرودة العدم

بناءً على الضرورة الملحة لهذا التحليل الموسع، سنخوض في فلسفة اللمس السحري، ليس كفعل فيزيائي بسيط، بل كجسر أنطولوجي يربط بين كثافة المادة وسيولة العدم. هذا النص مصمم ليكون بناءً فكرياً متجانساً، ينساب من فكرة إلى أخرى حتى يبلغ ذروة التجريد. يُمثل اللمس في السياق الطقسي أجرأ محاولة يقوم بها الكائن البشري لكسر العزلة بين عالم الظواهر وعالم الجواهر. فبينما تعمل الرؤية من مسافة، ويخترق الصوت الفراغ، يأتي اللمس ليكون فعل الإقتحام المباشر. عندما يضع الممارس يده على أداة سحرية سواء كانت خنجراً طقسياً، أو حجراً قديماً، أو رقاً جلدياً، فإنه لا يلمس المادة الجزيئية لهذه الأداة فحسب، بل يحاول تحسس الثقوب التي يتركها العدم في نسيج المادة. إن الأداة السحرية في هذا المنظور ليست جسمًا ممتلئًا، بل هي بوابة مكثفة؛ فكثافتها المادية المفرطة هي في الواقع قناع للعدم الذي يتخفى خلفها. اللمس هنا هو محاولة إدراك ما لا يُدرك عبر ما يُلمس، وكأن الساحر يحاول الإمساك بالغياب من خلال قبضة الحضور. تنبني الفلسفة العدمية للسحر على أن العدم ليس مكاناً بعيداً، بل هو البعد المختبئ خلف كل ذرة. و لأن العقل البشري يجزع من الفراغ المطلق، فإنه يحتاج إلى وسط مادي لتركيز قوة العدم. الأداة السحرية تعمل كعدسة مكبرة للعدم؛ حيث يتم شحنها بالطقوس لتصبح نقطة يترقرق فيها الوجود و يبرز منها اللاشيء. عندما نلمس هذه الأداة، نحن لا ندرك القوة غير المادية بشكل مباشر، بل ندرك رد فعل مادتنا الجسدية تجاه جاذبية العدم المنبعث من الأداة. إنه شعور يشبه الخدر أو الحرارة الباردة، وهي أحاسيس ليست ناتجة عن صفات المادة، بل عن إضطراب الوعي وهو يلمس حافة الهاوية المتمثلة في الغرض السحري. إن التحليل الفلسفي لهذه العملية يتطلب منا فهم أن الجسد البشري نفسه هو تجلٍ مادي. لذا، فإن لمس الأداة السحرية هو في جوهره حوار بين مادتين حول اللاشيء المشترك بينهما. في لحظة التماس، يحدث نوع من الرنين الوجودي؛ حيث يتذكر جسد الساحر أصله العدمي من خلال إحتكاكه بالأداة التي تعبر عن هذا العدم. اللمس هنا يتوقف عن كونه شعوراً بالسطح أو الملمس، ليصبح إدراكاً عميقاً للسيولة. يدرك الساحر أن يده والأداة ليستا كيانين منفصلين، بل هما موجتان فوق محيط واحد من العدم. هذا الإدراك المادي للقوة غير المادية هو المفارقة الكبرى (The Grand Paradox)؛ فنحن نستخدم أكثر الحواس مادية (اللمس) للوصول إلى أكثر المفاهيم تجريداً (العدم). في الفقرات الختامية لهذا التحليل، نجد أن كل فعل لمس في الطقس هو محاولة لنزع حجاب المادة. الساحر الذي يمرر يده فوق الرموز المنقوشة لا يقرأ حروفاً، بل يتحسس الشقوق التي يتسرب منها العدم إلى عالمنا. إن القوة غير المادية للعدم لا تملك قواماً يمكن لمسه بالمعنى الفيزيائي، و لكنها تملك ثقلاً وجودياً يغير من طبيعة المادة التي تلامسها. لذا، فإن ملامسة الأدوات السحرية هي تمرين على التعود على الفراغ؛ حيث يتعلم الجسد أن الحقيقة ليست في القوة التي يبذلها للإمساك بالشيء، بل في الإستسلام الذي يشعر به عندما يدرك أن الشيء الذي يمسكه هو في الحقيقة فراغ منظم. إن اللمس السحري هو أرقى أنواع المعرفة الجسدية؛ إنه اللحظة التي يدرك فيها اللحم البشري أن صلابة العالم هي وهم، وأن القوة الحقيقية تكمن في العدم الذي يربط بين أجزاء الوجود. الأداة السحرية هي مجرد نقطة إرتكاز تسمح لنا بالوقوف على حافة الوجود دون السقوط في العدم، بينما تمنحنا يداننا الفرصة لنشعر ببرودة اللاشيء وهي تتدفق من خلال الشيء. اللمس في السحر هو فعل الإيمان بالمجهول عبر إستنطاق المعلوم؛ هو محاولة الإمساك بالريح بمرآة، و القبض على الصمت بصدى.

_ الإنخلاع الأنطولوجي: تحول الساحر إلى برزخ واعٍ بين المادة والعدم

إن السؤال عن التغيير الأنطولوجي في كيان الساحر ليس سؤالاً عن تحول في الأسلوب أو المهارة، بل هو سؤال عن إعادة صياغة الكينونة ذاتها. في هذا التحليل الموسع، سنفكك كيف يؤدي التفاعل المباشر مع العدم إلى زلزلة أركان الإدراك البشري، محولاً الساحر من كائن يعيش في الوجود إلى ثغرة واعية بين الوجود والعدم. تبدأ رحلة الساحر نحو التغيير الأنطولوجي بلحظة الإرتطام بالعدم. الإنسان العادي يختبر الوجود كبناء صلب ومستقر، حيث الأشياء هي ما تبدو عليه، والزمن يتدفق في إتجاه واحد. أما الساحر، ومن خلال تقنيات التحديق (Scrying) أو اللمس الطقسي، فإنه يخرق هذا الإستقرار. عندما يتعامل مع العدم مباشرة، يحدث له ما يمكن تسميته بالإنخلاع الأنطولوجي؛ إذ يدرك فجأة أن الأنا التي كان يظنها صلبة هي مجرد تكثف مؤقت للإحتمالات فوق هاوية سحيقة. هذا الإدراك ليس فكرة ذهنية، بل هو زلزال حسي يجعل الساحر يشعر بأن جسده و عقله ليسا سوى قشرة رقيقة. هنا، يتغير إدراكه من كونه مركزاً للعالم إلى كونه شاهداً على فراغ العالم. إن أولى مراحل التغيير الأنطولوجي هي فقدان الأمان في المادة، و القبول بالسيولة كحالة أصلية للكينونة. في الحالة الطبيعية، يعمل الوعي البشري كمرآة تعكس صور العالم الخارجي و تصنفها. لكن في حضرة العدم، تتحول هذه المرآة إلى ثقب أسود. التغيير الأنطوني هنا يكمن في أن الساحر لم يعد يستقبل المعلومات من الوجود، بل أصبح يسرّب الوجود نحو العدم. يكتسب الساحر إدراكاً نافذاً يرى من خلاله الهياكل العظمية للأفكار والأشياء. عندما ينظر إلى شجرة، لا يرى خضرتها وصلابتها فحسب، بل يرى المساحة التي تشغلها و كيف أن العدم يحيط بها من كل جانب ليمنحها شكلها. هذا الإنزياح في الرؤية يغير طبيعة الذات؛ فالساحر المدرِك يتوقف عن التماهي مع أفكاره وعواطفه، ويبدأ في التماهي مع الفضاء الصامت الذي تنشأ فيه تلك الأفكار. إنه تحول من المحتوى إلى الوعاء، ومن الصورة إلى الخلفية. يُعد الزمن هو القيد الأنطولوجي الأكبر على البشر، ولكن عند التعامل مع العدم، يواجه الساحر حالة اللازمن. العدم خلف الوجود لا يخضع للتتابع؛ هو الآن المطلق الذي يحتوي كل النهايات و البدايات. التغيير الذي يطرأ على الساحر هو إكتساب إدراك لا خطي. يبدأ في التمييز بين الزمن الكرونولوجي المكون من الساعات والدقائق و الزمن الوجودي الكامن في كثافة اللحظة. هذا التغيير يجعل الساحر يبدو غريباً عن واقعه، لأنه لم يعد محبوساً في لحظة الحاضر الفيزيائية. إن إدراكه يتسع ليشمل الغياب بقدر ما يشمل الحضور. المسافات أيضاً تنهار؛ فإذا كان العدم هو المحيط الذي يربط بين كل النقاط، فإن الساحر الذي يلمس العدم في نقطة "أ" يلمس بالضرورة جوهر النقطة "ب". هذا هو الأساس الأنطولوجي للفعل السحري عن بعد؛ إنه ليس إنتقالاً عبر المكان، بل هو إستغلال لعدم وجود مكان في جوهر العدم. في نهاية المطاف، لا يعود الساحر إنساناً بالمعنى الأنطولوجي الكلاسيكي، بل يصبح كائناً برزخياً. البرزخ هو المنطقة الفاصلة التي تنتمي لكلا الطرفين ولا تنتمي لأي منهما بشكل كامل. الساحر يعيش في الوجود؛ يأكل، يشرب، يتنفس، لكن وعيه متجذر في العدم. هذا التغيير الأنطولوجي يخلق نوعاً من الغربة الوجودية؛ حيث يرى الساحر عبثية الممارسات البشرية التي تحاول ملىء الفراغ بأشياء مادية، بينما هو قد وجد الإمتلاء في الفراغ نفسه. إن إدراكه الجديد يتيح له تطويع المادة لا عن طريق القوة، بل عن طريق الطلب من العدم أن يعيد تشكيل الصورة. السحر هنا يصبح فن التلاعب بالظلال بعد أن أدرك الساحر أن ضوء الوجود ليس سوى إستثناء عابر في أزلية الظلمة القابعة في رحابة العدم. إن التغيير الأنطولوجي الذي يمر به الساحر هو عملية تعرية مستمرة. هو لا يكتسب قوى جديدة، بل يفقد القيود التي كانت تمنعه من رؤية الحقيقة. التعامل مع العدم هو تمرين في اللاشيء؛ حيث يتلاشى الخوف من الفناء لأن الساحر قد فني إدراكياً بالفعل في قلب العدم قبل موته الفيزيائي. إنه الكائن الذي إستطاع أن يحول رعب الفراغ إلى حرية الرؤية. الساحر هو الثقب الذي ينظر منه العدم إلى الوجود؛ هو النقطة التي يتوقف فيها الواقع عن كونه قدراً، ليصبح مجرد إقتراح.

_ البرد المقدس: أنطولوجيا السكون والترجمة الجسدية لغزو العدم

يعتبر التساؤل حول البرد الطقسي مدخلاً فريداً لربط الفيزيولوجيا البشرية بالميتافيزيقيا العميقة. في هذا التحليل الموسع، سنفكك ظاهرة القشعريرة و فراغ المكان ليس كأعراض بيولوجية مجردة، بل كترجمة جسدية لحدث كوني يقع على حافة الوجود. في السياق الفيزيائي، البرد هو غياب الحرارة، والحرارة هي حركة الجزيئات وإصطدامها؛ أي أنها نتاج حيوية المادة. أما في الفلسفة السحرية، فإن الوجود يتسم بالدق (Heat of Being)، بينما يتسم العدم بالسكون المطلق (Absolute Stillness). عندما يقترب الساحر من منطقة العدم خلال الطقس، أو عندما يتسرب العدم إلى حيز الطقس، يحدث إنخفاض مفاجئ في الضغط الوجودي. الإحساس بالبرد هنا ليس ناتجاً عن تيار هوائي، بل هو إستجابة فيزيولوجية لتباطؤ زخم الوجود في تلك النقطة. الجسد البشري، كونه كائناً ممتلئاً، يشعر بالذعر الحراري عندما يلامس اللاشيء الذي لا يمتلك طاقة ليعطيها، بل يمتلك فراغاً ليمتصه. إنها برودة تخرج من داخل العظام لتعلن أن المادة في تلك اللحظة بدأت تفقد صلتها بمصدر حرارتها الوجودي. الإحساس بالفراغ الذي يرافق الطقوس ليس شعوراً بالوحدة، بل هو إدراك لإختفاء المادة الرابطة بين الأشياء. نحن ندرك المكان عادةً من خلال العلاقات بين الأجسام، على سبيل المثال؛ كرسي، طاولة، جدار. لكن في حضور العدم، ينهار هذا النسيج الرابط؛ فيبدو المكان واسعاً بشكل مرعب حتى لو كان ضيقاً، ويشعر الساحر كما لو أنه يطفو في خلاء سحيق. هذا الفراغ الجسدي هو إستجابة لتعطيل الحواس التي تعتمد على المقاومة المادية. عندما يتوقف العالم عن مقاومة جسد الساحر، يشعر هذا الأخير بأنه خاوٍ من الداخل. هذا الفراغ هو في الحقيقة إمتلاء بالعدم؛ حيث يتم إستبدال الهواء المادي بأثير اللاشيء، مما يخلق ثقلاً نوعياً في الوعي يترجمه الجسد كإحساس بالسقوط الحر المستمر. تُعد القشعريرة أو الإرتجاف أثناء التعامل مع السحر رد فعل دفاعي يقوم به الكيان البيولوجي لمحاولة إعادة تأكيد حدوده. عندما يلامس العدم غشاء الوجود، يحاول الجسد عبر الإرتجاف أن يولد حرارة ليستعيد هويته المادية التي بدأت تتلاشى. إنها صرخة الفيزيولوجيا ضد الأنطولوجيا؛ الجسد يريد أن يظل شيئاً، و العدم يطالبه بأن يكون لاشيئاً. هذا الصراع يتجلى في صورة برودة قاطعة تجعل الأطراف تتخشب. الساحر المتمرس لا يهرب من هذه البرودة، بل يستخدمها كبوصلة إدراكية؛ فشدة البرد تعني شدة القرب من الحقيقة العارية للعدم. البرد هنا هو صوت الصمت الذي يُسمع من خلال الجلد، و هو الدليل الحسي على أن الوجود قد فُتحت فيه ثغرة لا يمكن سدها بالوسائل المادية. في الفقرة الختامية لهذا التحليل، نجد أن الإحساس بالبرد والفراغ يمثل عملية إنكماش وجودي. لكي ينجو الوعي من الذوبان الكامل في العدم، فإنه ينكمش حول مركزه، مما يخلق شعوراً بالبرودة في الأطراف وإنفصالاً عن المحيط. هذا الإنكماش هو تغيير في الحالة (Phase Transition)؛ حيث يتحول الوعي من الحالة السائلة المتفاعلة مع العالم إلى الحالة الصلبة المنكفئة على الذات لمواجهة غزو الفراغ. إن البرد في الطقس هو الترجمة البشرية لعدم توافق الترددات بين المادة والعدم. هو تذكير دائم بأننا كائنات مؤقتة تعيش فوق محيط من الصفر المطلق، وأن السحر ليس سوى محاولة لتدفئة أرواحنا بنار العدم الباردة، تلك النار التي لا تحرق اللحم، بل تبخر الأوهام. إن البرد والفراغ في الطقس هما الأدلة الجنائية على حدوث الجريمة الوجودية؛ جريمة إختراق الوجود بواسطة العدم. الفيزيولوجيا البشرية ليست مصممة لإستيعاب اللاشيء، لذا فهي تترجم هذا اللقاء كنقص يتجلى كشعور ببرد، فراغ، صمت. لكن بالنسبة للساحر، هذا النقص هو الكمال بعينه، لأنه يمثل اللحظة التي تتوقف فيها المادة عن الضجيج، ويبدأ العدم في سرد قصته الأزلية عبر برودة الأطراف وسكون المكان. البرد السحري هو القبلة التي يطبعها الأزل على جبين الزمن؛ هي اللحظة التي يدرك فيها الجسد أنه ليس سجناً، بل فضاءً شاسعاً ينتظر أن يمتلئ باللاشيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- اتهامات لتيك توك بحجب المحتوى المناهض لإدارة الهجرة في أمريك ...
- أحمد الشرع يصل إلى روسيا.. والكرملين يكشف جانبًا من القضايا ...
- ماذا نعرف عن حاملة الطائرات الأمريكية -يو إس إس أبراهام لينك ...
- أوروبا بدأت تستيقظ أخيراً على -خطر- تهديدات ترامب – مقال في ...
- وزير خارجية إيران يؤكد عدم طلب التفاوض مع واشنطن: أي مواجهة ...
- فيديو - أثناء إلقاء خطاب لها.. اعتداء بسائل مجهول على النائب ...
- خطط تركية في حال سقوط خامنئي.. لماذا تريد أنقرة إنشاء منطقة ...
- وفاة ثلاثة سياح فرنسيين في غرق قارب في سواحل سلطنة عمان
- سكان غرينلاند: بلادنا ليست للبيع
- ماكرون يعتبر الوضع في غرينلاند مناسبة -لصحوة استراتيجية لأور ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و السَّبْعُون-