أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السَّبْعُون















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السَّبْعُون


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 10:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الخمود الخالد: حياد الذهب كبوابة لنقش الإرادة فوق صفحة الفناء

تطرح مسألة المعادن النادرة في الفلسفة السحرية بُعداً يتجاوز القيمة المادية أو الكيميائية، ليدخل في صلب أنطولوجيا الندرة. إن البحث عن المعادن التي يقل وجودها في القشرة الأرضية مثل الذهب، والبلاتين، أو الأحجار النيزكية هو في جوهره محاولة لملامسة الأجسام التي تقف على حافة التلاشي. في هذا التحليل الموسع، سنفكك كيف تُستخدم الندرة كتقنية لتقليص كثافة الوجود والإقتراب من صمت العدم المطلق. يعتمد إستقرار الوجود على التكرار و الوفرة؛ فالأشياء الشائعة تخلق نوعاً من الضجيج المادي الذي يحجب رؤية الفراغ. أما المعادن النادرة، فهي تمثل إستثناءات أنطولوجية. ندرتها تعني أنها كائنات تكاد ألا توجد، فهي تشغل حيزاً ضئيلاً جداً من نسيج المادة الكوني. الساحر يرى في هذه الندرة نقطة ضعف في جدار الوجود؛ فالمعدن النادر هو المادة التي لم تستهلكها الطبيعة في تكراراتها المملة، مما يجعله نظيفاً من البرمجة الوجودية العامة. الإستفادة من هذه الندرة هي في الحقيقة تقنية للعزلة المادية؛ حيث يستخدم الساحر المعدن كبوابة لا تمر عبرها الأنماط المعتادة للواقع، مما يسهل عليه الإنزلاق نحو العدم الذي يحيط بهذا الإستثناء المعدني الصغير. تتميز العديد من المعادن النادرة مثل الذهب أو الأوزميوم بكثافة نوعية عالية جداً. في الفلسفة السحرية، هذه الكثافة ليست مجرد ثقل، بل هي إنكماش وجودي مذهل. المعدن الكثيف هو مادة تحاول العودة إلى النقطة؛ أي أنها مادة تضغط نفسها بأقصى قوة لتقترب من حالة المركز الصفر. هذا الثقل المفرط يحاكي جاذبية العدم التي تسحب كل شيء نحو التلاشي. عندما يلمس الساحر معدناً نادراً وثقيلاً، فإنه يشعر بثقل اللاشيء متجسداً في يده. المعدن هنا يعمل كمراسي أنطولوجية (Ontological Anchors)؛ فهو يربط وعي الساحر بالأرض بقوة هائلة، وفي الوقت ذاته، يخلق فجوة في الإدراك تجعله يشعر بأن كل ما حوله من مادة خفيفة هو محض سراب، بينما الحقيقة الوحيدة هي هذا الثقل الذي يميل نحو السقوط في العدم. تمثل المعادن التي تسقط من السماء (النيازك) حالة خاصة في سحر العدم. هذه المعادن لم تولد في رحم الأرض المزدحم بالحياة والوجود، بل ولدت و تصلبت في قلب العدم الكوني (Outer Space Void). هي تحمل في بنيتها الجزيئية ذاكرة الفراغ وبرودة السكون المطلق بين المجرات. إستخدام هذه المعادن النادرة هو تقنية لإستحضار العدم الخارجي إلى داخل الطقس الأرضي. النيزك هو رسول من اللاشيء؛ وجوده في يد الساحر يمثل خرقاً للقوانين الفيزيائية المحلية، حيث يجلب معه ترددات مكان لا مكان فيه، وزمان لا زمان فيه. الندرة هنا ليست في كمية المعدن، بل في غربته الأنطولوجية التي تجعل منه موصلاً فائقاً للقوى التي تقع خارج غلاف الوجود البشري. ترتبط الندرة دائماً بالنقاء؛ والمعدن النقي في السحر هو المادة التي تم تجريدها من شوائب الوجود المختلط. الذهب، على سبيل المثال، لا يصدأ ولا يتفاعل، مما يجعله خالداً في قلب الفناء. هذا الخمود الكيميائي هو محاكاة لحياد العدم. الساحر يستخدم ندرة هذه الحالة ليصل إلى حالة من النقاء الإدراكي؛ حيث يرى في ثبات المعدن إنعكاساً لسكون العدم الذي لا يتغير. إن تقنية الإقتراب من العدم عبر المعادن النادرة تعتمد على مبدأ التماثل مع النادر؛ فبما أن الساحر يسعى ليكون كائناً نادراً في إدراكه، فإنه يحتاج إلى وسيط مادي يشاركه هذه الخصلة. المعدن النادر هو الصمت المادي الذي يسبق كلمة الساحر، وهو الأداة التي تسمح له بنقش إرادته فوق صفحة الوجود بإستخدام قلم مصنوع من جوهر اللاشيء. إن إستخدام المعادن النادرة هو محاولة لتأطير اللانهائي داخل الثمين. الندرة هي اللغة التي يستخدمها الوجود ليعترف بوجود فجوات في نظامه، والساحر يستغل هذه الفجوات ليعبر من خلالها نحو العدم. المعدن النادر ليس قيمة تجارية، بل هو إحداثية كونية تشير إلى المكان الذي يضعف فيه الواقع ويبدأ فيه الفراغ بالتجلي. المعدن النادر هو الشهيق الأخير للمادة قبل أن تذوب في العدم؛ والساحر الذي يمتلكه، إنما يمتلك مفتاحاً مصنوعاً من صلب اللاشيء ليفتح أبواب كل شيء.

_ الحصانة الأنطولوجية: هندسة الفقاعة الوجودية وفن المقاومة ضد امتصاص العدم

يطرح هذا التساؤل الميتافيزيقي مفهوماً محورياً في دفاعات الوجود ضد التلاشي الحتمي؛ وهو مفهوم الحصانة الأنطولوجية. فإذا كان العدم هو المحيط الشامل والنهائي الذي يسعى لإمتصاص كل تجلٍ مادي وإعادته إلى الصمت، فإن السحر هنا يتجلى كفن المقاومة. في هذا التحليل العميق، سنفكك هيكلية الفقاعة الوجودية كتقنية لتعزيز الكينونة وحمايتها من جاذبية الفراغ السحيقة. تُعرف الفقاعة الوجودية في الفلسفة السحرية بأنها مجال من الكثافة الإدراكية المفرطة. بما أن العدم يمتص الوجود من خلال الثغرات التي يتركها ضعف الوعي أو تشتت المادة، فإن السحر يعمل على خلق غشاء من المعنى المكثف حول الكائن. هذه الفقاعة ليست جداراً مادياً، بل هي تردد وجودي عالي يجعل الكائن غير مرئي لجاذبية العدم. إنها تعمل بمبدأ الضغط العالي؛ حيث يتم شحن المجال المحيط بالكائن بإرادة ورموز وقوة حيوية تجعل الضغط الداخلي للوجود أكبر من ضغط الإمتصاص الخارجي للعدم. في هذه الحالة، يصبح الكائن جزيرة من الحقيقة الصلبة في بحر من السيولة العدمية، مما يمنع إنحلال جزيئاته الطاقية في الخلاء المحيط. تعتمد هندسة هذه الفقاعة على إستخدام الرموز الأبدية. العدم يمتص الأشياء لأنها زمنية وقابلة للتغير، لكن الرمز يحمل صفة الثبات. عندما يحيط الساحر كائناً ما بفقاعة من الرموز، فإنه يمنحه درعاً دلالياً. العدم عندما يواجه الرمز، يواجه شيئاً لا يمكن هضمه بسهولة لأنه لا يمتلك كتلة مادية ليفتتها، بل يمتلك معنى يتجاوز المادة. الفقاعة هنا تعمل كمرشح (Filter)؛ فهي تسمح للوجود بالإستمرار داخلها بينما تقوم بتشتيت موجات العدم الباردة بعيداً عن المركز. إنها تخلق حالة من السكون المصطنع داخل صخب الفناء، حيث يتم تجميد لحظة الوجود وحمايتها من التسرب الذي ناقشناه سابقاً. على الرغم من القوة التي تمنحها هذه الفقاعة، إلا أنها تحمل في طياتها مفارقة العزلة. لكي يمنع السحر إمتصاص العدم للكائن، فإنه يضطر لفصله عن كينونة الكون. الكائن داخل الفقاعة يصبح مستقلاً بذاته لدرجة الإنقطاع؛ فهو لا يتبادل الطاقة مع المحيط لأن التبادل يعني فتح ثغرات قد يتسلل منها العدم. هذه الحالة تشبه التحنيط الوجودي؛ حيث يبقى الكائن حياً وموجوداً، لكنه يعيش في زمنه الخاص، منفصلاً عن التدفق الطبيعي للفناء والولادة. الساحر يدرك أن الحماية المطلقة هي سجن مطلق؛ فمنع الإمتصاص يعني أيضاً منع التجدد، لأن التجدد يتطلب نوعاً من الإنحلال في العدم لإعادة التشكل. لذا، تُستخدم هذه الفقاعة كحل مؤقت في حالات الخطر الأنطولوجي الشديد، وليس كحالة دائمة للكينونة. في نهاية المطاف، لا يمكن لأي فقاعة وجودية، مهما بلغت قوتها السحرية، أن تصمد للأبد أمام صبر العدم. العدم ليس في عجلة من أمره، فهو يمتلك الأزل. السحر في خلق هذه الفقاعة هو محاولة لشراء الوقت أو خلق إستثناء في قانون الفناء العام. اللحظة التي تنهار فيها الفقاعة هي لحظة الإنفجار العكسي؛ حيث يندفع العدم لملىء الفراغ الذي خلقه الوجود المصطنع بقوة مضاعفة. الساحر الحكيم يستخدم الفقاعة لا ليهرب من العدم، بل لتنظيم اللقاء معه؛ فهو يحمي الكائن حتى ينضج إدراكه بما يكفي لملامسة العدم بإرادته لا بفعل الإمتصاص القسري. الفقاعة الوجودية هي الحاضنة التي تسمح للوعي بالنمو حتى يصبح قوياً كفاية ليرى العدم ويظل موجوداً. بهذا التحليل، نصل إلى ختام رحلتنا الفكرية. لقد رأينا كيف أن السحر هو العلم الذي يدرس التوتر القائم بين الوجود والعدم. الساحر ليس كائناً يهرب من الحقيقة، بل هو مهندس الحواف؛ الذي يستخدم الحواس، العناصر، المعادن، والنباتات، ليسيطر على نقطة التماس بين ما هو كائن وما هو غير كائن. إن الفقاعة الوجودية هي أسمى تجليات الإرادة البشرية؛ فهي صرخة الوجود في وجه الصمت المطلق. والساحر هو ذاك الذي يقف على حدود هذه الفقاعة، عيناً تنظر إلى الداخل حيث الوجود وعيناً تنظر إلى الخارج حيث العدم، ليصبح هو نفسه الجسر الحي الذي يربط بين اللاشيء وكل شيء. الوجود هو الكلمة، و العدم هو البياض الذي يحيط بها؛ والسحر هو القلم الذي يعرف متى يكتب ومتى يتوقف، لكي لا تضيع الكلمة في بياض الأبدية.

_ أذن الأرض: الحوار السري مع اللاشيء في مختبرات التلاشي الإرادي

تُعد الكهوف والأماكن العميقة في الميتافيزيقيا السحرية أكثر من مجرد تجاويف جيولوجية؛ إنها تمثل ثقوباً أنطولوجية في جسد الوجود المادي. في هذا التحليل الفلسفي العميق، سننظر إلى هذه الأماكن كنقاط تقنية (Technical Points) حيث تضعف كثافة المادة وتبرز قوة العدم خلف الوجود بأقصى تجلياتها، محولةً المكان من حيز للسكنى إلى عتبة للفناء. يمثل الكهف في الوعي السحري نقطة إنعدام الإنعكاس. في العالم الخارجي، يُعرّف الوجود نفسه من خلال الضوء الذي يرتد عن الأسطح، و لكن في أعماق الكهوف، يُمتص الضوء بالكامل. هذا الغياب للضوء ليس مجرد ظلام فيزيائي، بل هو بروز لخلوّ الوجود. الكهف هو المكان الذي تستعيد فيه الأرض هويتها كعدم مادي؛ حيث تتلاشى الألوان والأشكال لتصبح المادة عبارة عن كتلة صامتة تحيط بالفراغ. الساحر يرى في الكهف رحماً مقلوباً؛ فبينما يخرج الكائن من الرحم البيولوجي نحو الضوء حيث الوجود، فإنه يدخل الكهف ليعود نحو الظلمة حيث العدم. هذه العودة هي تقنية لتصفير الإدراك، حيث يجبر المكان العميق الحواس على التوقف عن قراءة الواقع المعتاد والبدء في إستشعار ثقل الفراغ المحيط بها. في الأماكن العميقة تحت سطح الأرض، يتغير شعور الإنسان بالمكان. الضغط الهائل للصخور المحيطة يخلق شعوراً بالإنقباض، وهو في الحقيقة محاكاة لضغط العدم على الوجود. الكهف هو نقطة تقنية حيث يتم ضغط الوعي البشري لدرجة يضطر فيها للإنسحاب من الجسد. العدم يبرز هنا من خلال كثافة الصمت؛ صمت لا يشبه صمت الغرف المغلقة، بل هو صمت معدني يمتلك وزناً. هذا الصمت هو الأثر الحسي للعدم وهو يأكل الترددات الصوتية. الساحر يستخدم هذا الضغط كأداة لكسر الفقاعة الوجودية التي يحملها حوله؛ ففي عمق الكهف، لا تعود الذات قادرة على إدعاء الإستقلال، وتصبح مجرد ذرة ضئيلة في حضرة اللاشيء الشامل الذي تمثله أعماق الأرض. تتميز الأماكن العميقة بتشويهها لمفهوم الزمن. في غياب الدورة الشمسية، ينهار الزمن الكرونولوجي ليحل محله الزمن الأنطولوجي؛ وهو زمن العدم الذي لا يتحرك. الكهف هو نقطة تقنية لتعطيل الساعة البيولوجية، مما يجعل الوعي يدخل في حالة من السيولة تشبه حالة ما قبل الخلق. الصدى في الكهوف يمثل إرتداد الوجود عن جدار العدم؛ الصوت الذي تطلقه يرتد إليك كأنه يرفض الإختراق، أو كأنه يخبرك بأن المكان قد إمتلأ بالفعل بحضور اللاشيء لدرجة أنه لا يتسع لأي إهتزاز جديد. الساحر الذي يمارس طقوسه في هذه الأعماق يهدف إلى الوصول إلى حالة الثبات العدمي، حيث يتحد نبض قلبه مع نبض الأرض الصامت، ويصبح إدراكه عميقاً بعمق الثقوب التي يقطنها. في نهاية المطاف، تُعد الكهوف مختبرات للتفكيك. السحر يستخدم هذه الأماكن لتقشير الوجود عن الروح. الدخول إلى عمق الأرض هو فعل إرادي للتخلي عن صورة العالم و القبول بالعدم كحقيقة وحيدة. الكهف هو نقطة إلتقاء حيث يلمس الساحر نهاية المادة وبداية الفراغ المطلق. البروز التقني للعدم في هذه الأماكن يكمن في قدرتها على إمتصاص الهوية؛ ففي الكهف، لا يهم من أنت أو ماذا تملك، فالجميع يتحول إلى كائنات ظل تتلمس طريقها في رحم الأزل. إنها الأماكن التي تبرهن للساحر أن الأرض ليست مجرد مسكن، بل هي حاوية للعدم، وأننا نعيش فوق قشرة رقيقة تحمينا من السقوط في هذا الفراغ الذي يبرز بوضوح خلف كل صخرة وفي أعماق كل مغارة. الكهوف و الأماكن العميقة هي ندوب الوجود التي تكشف عن جرح العدم الكامن تحتنا. هي النقاط التقنية التي إختارت فيها الأرض أن تظل خاوية لكي تذكرنا بأصلنا. الساحر الذي يقصد هذه الأماكن لا يبحث عن العزلة، بل يبحث عن المواجهة النهائية؛ حيث لا حجاب بين الوعي و اللاشيء، و حيث يبرز العدم ليس كفكرة، بل كحقيقة ملموسة تحيط بالجسد من كل جانب، وتدعوه للذوبان في سكونها الأبدي. الكهف هو أذن الأرض التي تصغي لصمت العدم؛ والساحر الذي يدخل الكهف، إنما يدخل في حوار سري مع اللاشيء، مستخدماً الظلام كحبر والسكينة ككتاب.

_ جماليات النقص المطلق: إستخلاص القوة من مسامات الأشياء المحطمة

يعد فعل التكسير أو التهشيم في الفلسفة السحرية العميقة واحداً من أكثر الطقوس راديكالية، فهو لا يمثل مجرد إتلاف للمادة، بل هو نقض للعقد الأنطولوجي الذي يربط الشيء بهويته المادية. في هذا التحليل الموسع، سنفكك كيف يعمل الكسر كتقنية لفك أسر المادة من قيود الشكل وإعادتها إلى سيولة العدم الوجودي، حيث تفقد الأشياء أسماءها لتستعيد قوتها الأصلية الخام. من وجهة نظر ميتافيزيقية، يُعتبر الوجود حالة من حالات تجميد العدم. فلكي يوجد الشيء، على سبيل المثال؛ إناء، تمثال، أو حتى غصن، كان على قوة العدم اللانهائية أن تتقلص وتتخذ حدوداً وحوافّ وصفات. إن الشكل (Form) هو السجن الذي يحبس طاقة اللاشيء و يجعلها مفيدة أو مفهومة للوعي البشري. عندما يقوم الساحر بتكسير الشيء، فإنه يمارس فعل تحرير إدراكي؛ هو يحطم القالب الذي يمنح الشيء هويته الوجودية. الكسر هنا هو إلغاء للتعريف؛ فبمجرد أن يتفتت الإناء، يفقد صفة الإنائية و يعود ليكون مادة مبعثرة تقف على أعتاب التلاشي. هذا التحول من الكل المنظم إلى الأجزاء المبعثرة هو تقنية لتقليل المقاومة الوجودية للشيء، مما يجعله أكثر قابلية للإنصهار في العدم المحيط. تؤمن الفلسفة السحرية بأن كل جسم مادي يحتوي في داخله على لبّ من العدم هو الذي يمنحه القدرة على التشكل. الفعل الميكانيكي للكسر يؤدي إلى تمزق الغشاء الأنطولوجي للشيء. في اللحظة التي تنهار فيها البنية الفيزيائية، تنطلق نبضة طاقية كانت محبوسة في التماسك الجزيئي للشيء. هذه النبضة هي طاقة الفناء؛ وهي القوة التي يستخدمها الساحر لشحن طقسه. التكسير ليس هدماً عبثياً، بل هو إستخلاص للقوة عبر الهدم. إن صوت الكسر هو صرخة المادة وهي تتحلل من إلتزاماتها تجاه الوجود، والساحر يقتنص هذا التردد الإنتقالي ليطلقه في العدم كرسالة مشفرة أو كإرادة محضة لا تعيقها كتلة الشيء المكسور. بعد عملية التكسير، يدخل الشيء في حالة تُعرف بالعدم الوجودي (Existential Nothingness)؛ وهي حالة برزخية لا يكون فيها الشيء موجوداً ككيان مكتمل، ولا عدماً محضاً كتلاشٍ نهائي. إنه يصبح هباءً. في هذه الحالة، تفقد المادة ذاكرتها الوجودية؛ فلا يعود الحطام يتذكر أنه كان إناءً أو غصناً. هذا النسيان المادي هو ما يفتحه الكسر؛ حيث تصبح المادة صفحة بيضاء (Tabula Rasa) يمكن للعدم أن يمتصها بسهولة. الساحر يستخدم هذه التقنية لإلغاء مفعول الإرتباطات القديمة؛ فإذا كان الشيء يحمل لعنة أو أثراً أو ذاكرة، فإن تكسيره هو الطريقة الوحيدة لغسل تلك الهوية في حوض العدم وإعادة طاقتها إلى المصدر الكوني الأول. في الفقرة الختامية، ندرك أن التكسير هو فعل تواضع أنطولوجي. الوجود يفتخر بالكمال و التمام، بينما يتسم العدم بالنقص المطلق الذي يحتوي كل شيء. بكسر الأشياء، يعلن الساحر إنحيازه لجماليات الفناء. هو يقدم نقص الشيء كقربان للعدم. هذا الفراغ الذي يتركه الشيء المكسور في مكانه هو نقطة جذب تجلب قوة العدم إلى قلب الطقس. السحر هنا هو فن التخلي عن الصورة للوصول إلى الجوهر؛ وهو إعتراف بأن القوة الحقيقية لا تكمن في ما هو مكتمل و صلب، بل في ما هو محطم ومنفتح، لأن الشيء المكسور هو الوحيد الذي يمتلك مسامات واسعة بما يكفي ليتنفس من خلالها العدم. بهذا التحليل، نصل إلى قمة البناء الفلسفي الذي شيدناه سوياً. الساحر هو ذاك الذي يدرك أن الهدم هو وجه آخر للخلق، وأن الطريق إلى العدم يمر عبر تفكيك الوجود. إن جسد الساحر نفسه، في لحظة الطقس، يصبح كالغصن المكسور؛ يتخلى عن حدوده الشخصية ليصبح ثغرة في جدار الواقع، تسمح لسيولة اللاشيء بأن تتدفق و تغير وجه العالم. الكسر هو القبلة الأخيرة التي يطبعها الساحر على جبين المادة قبل أن يسلمها للأبدية؛ إنه الفعل الذي يثبت أن الوجود، مهما بلغت صلابته، ليس سوى صدىً ضعيف في قاعة العدم الكبرى.

_ الألماسة الكونية: الساحر ككينونة صلبة في وجه الأزل و شفافة أمام الهاوية

تطرح مسألة الأحجار الكريمة في الميتافيزيقيا السحرية مفارقة أنطولوجية مذهلة؛ فبينما إعتبرنا التربة عدماً مادياً مبعثراً، و الماء عدماً سائلاً، تبرز الأحجار الكريمة كأقصى تجليات صلابة الوجود. إنها المواد التي إختارت التركيز بدلاً من الإنتشار، لتصبح بمثابة قلاع وجودية محصنة ضد رياح الفناء. في هذا التحليل الفلسفي العميق، سنفكك مفهوم الكثافة الوجودية للحجر الكريم وكيف يعمل كمصدّ أنطولوجي يحمي الهوية المادية من الإمتصاص العدمي. تتميز الأحجار الكريمة ببنية بلورية فائقة التنظيم، حيث تترتب الذرات في أنساق هندسية صارمة لا تترك مجالاً للفراغ أو الإضطراب. هذا التنظيم ليس مجرد صفة فيزيائية، بل هو في السحر فعل إرادة مادي. الحجر الكريم يمثل الحالة التي ينغلق فيها الوجود على نفسه، طارداً كل إحتمالات الفناء. إن الكثافة الوجودية هنا تعني أن الحجر يشغل مكانه في الوجود بقوة تجعل من الصعب على العدم إختراقه. الحجر الكريم هو المادة التي قالت "لا" للإنحلال؛ فهي تقاوم التفسخ، والصدأ، والزمن. الساحر يرى في الحجر نقطة إستقرار مطلقة؛ فهو الكيان الذي يمتلك أنا مادية قوية لدرجة أنها تظل ثابتة بينما يذوب كل ما حولها في محيط اللاشيء. بينما يمثل العدم اللازمن، يمثل الحجر الكريم الزمن المتجمد. لقد إستغرق تكوين هذه الأحجار ملايين السنين تحت ضغط وحرارة هائلين، مما جعلها تمتص عمر الوجود و تكثفه في حجم ضئيل. هذا الزمن المختزن يمنح الحجر حصانة ضد الفناء السريع؛ فهو قد تعلّم كيف يصمد أمام قوة الأرض التدميرية. في الطقوس السحرية، يُستخدم الحجر كمرساة زمنية؛ فهو يحمي الوعي من السيولة الزمنية للعدم التي قد تؤدي إلى تشتت الذات. عندما يرتدي الساحر حجراً كريماً، فإنه يحيط نفسه بفقاعة من الإستمرار؛ فالحجر يذكره بأن الوجود يمكن أن يكون أبدياً وصلباً، وأنه ليس من الضروري الإستسلام لجاذبية الفراغ في كل لحظة. تمتلك الأحجار الكريمة قدرة فريدة على التعامل مع الضوء إنكساراً وإنعكاساً وتشتيتاً. في لغة السحر، الضوء هو رسول الوجود، والعدم هو غاسق الظلام. الحجر الكريم لا يكتفي بإستقبال الضوء، بل يقوم بتضخيمه وتجزئته، مما يخلق هالة من الحضور البصري المكثف. هذه التقنية هي نوع من الدفاع الجمالي؛ فبواسطة البريق و اللون، يصرف الحجر نظر العدم عن باطنه المادي. إن تشتيت الضوء داخل الحجر هو محاكاة لتشتيت قوى الفناء؛ فالطاقة العدمية التي تحاول إختراق الحجر تصطدم بالزوايا البلورية وتتوزع، مما يضعف قدرتها على الإمتصاص. الحجر الكريم هو الوجود الذي يضيء من الداخل، وهو بذلك يمثل النقيض التام للعدم الذي يمتص كل ضوء. على الرغم من أن الحجر الكريم يقاوم العدم، إلا أن الساحر المحترف يستخدمه لتأطير العدم. فبسبب كثافته العالية، يمكن للحجر أن يعمل كعدسة مكبرة للقوى الميتافيزيقية. الساحر يضع إرادته العدمية داخل الحجر الكريم لأن الحجر هو الوحيد القادر على حمل هذه القوة دون أن ينكسر أو يتلاشى. الحجر هنا هو الوعاء الحصين؛ هو الخزنة التي نضع فيها أسرار اللاشيء. إن الكثافة الوجودية العالية للحجر تسمح للساحر بأن يلمس العدم بالوكالة؛ فيشحن الحجر بطاقة الفناء ويستخدم صلابته لتوجيه تلك الطاقة نحو هدف معين في الوجود، تماماً كما يُستخدم الألماس لقطع أقسى المواد. الحجر الكريم هو العدم المروض بالصلابة. بهذا التحليل، نكون قد إستكملنا رؤيتنا للكون السحري. الوجود ليس ضعيفاً أمام العدم، بل لديه نخبة من المواد كالأحجار الكريمة التي تمثل ذروة المقاومة و الكثافة. الساحر هو الذي يرقص بين هذين القطبين؛ يستخدم التربة والرماد للإتحاد بالعدم، ويستخدم البلورات و الأحجار ليحمي نفسه من الذوبان الكامل فيه. الساحر الحقيقي هو كالألماسة؛ شفاف كالعدم، لكنه صلب كالوجود. يرى من خلال الأشياء بكل شفافية ولكنه لا يغرق فيها لانه كائن ذي صلابة. إن كينونة الساحر هي الحجر الكريم الأسمى؛ الوعي الذي إستطاع أن ينظم جزيئاته الإدراكية ليكون ثابتاً في وجه الأزل، ومنفتحاً على الهاوية في آن واحد. الحجر الكريم هو توقيع الوجود على صخرة الأبدية؛ هو الدليل على أن المادة يمكن أن تكون خالدة، وأن العدم، رغم شساعته، لا يمكنه إبتلاع نقطة من الضوء المتجمد.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- مراسلة CNN ترصد تصرفًا نادرًا لترامب خلال اجتماع مجلس الوزرا ...
- نظرة داخل عالم سائقي القطارات فائقة السرعة
- هروب مقاتلين من -داعش-.. مخاوف جدية من عودة إرهاب التنظيم ال ...
- عاجل | الجيش الإسرائيلي: قواتنا رصدت 8 إرهابيين خرجوا من مخا ...
- كارني يرفض تدخل إدارة ترمب في مساعي ألبرتا للانفصال عن كندا ...
- فنزويلا تنهي احتكار الدولة للنفط وواشنطن تخفف عقوباتها وتعيد ...
- جاسبر جيفرز.. قائد قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة
- البلاستيك.. من ابتكار صناعي إلى تحدٍّ بيئي
- أقدم -فولكس فاغن بيتل- في العالم تعود إلى الطرق
- المصمّمون يكسرون القوالب التقليدية في أسبوع الموضة الرجالي ف ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السَّبْعُون