أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 10:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ برزخ المادة الخضراء: تحرير العدم المروض في عروق المملكة النباتية

في هذا التحليل الفلسفي الموسع، سنفكك العلاقة بين المملكة النباتية و ميتافيزيقيا العدم، لنكتشف كيف تحول السحر النباتي من مجرد طب أعشاب إلى تقنية معقدة لقنص الفراغ و توجيهه عبر كائنات حية تمتلك نمطاً فريداً من الكينونة. تتميز النباتات في الفلسفة الأنطولوجية بكونها الكائنات الأكثر قرباً من السكون الأصلي. فبينما يضج الحيوان بالحركة والإرادة الواعية، ينمو النبات في صالة عرض كبرى من الصمت، متجذراً في ظلمة التراب وطامحاً نحو الضوء. هذا النمو الوجودي للنبات يمثل عملية ترجمة مادية مستمرة لمدخلات غير مرئية. الساحر ينظر إلى العشبة ليس ككتلة كيميائية، بل كهوائي بيولوجي نبت من العدم. و بما أن النباتات تنمو عبر سحب اللاشيء الكامن في المساحة و الفراغ وتحويله إلى شيء يظهر في المادة الخضراء، فإنها تُعد الكيانات المثالية لتوجيه قوة العدم. إنها تجسد إرادة الوجود وهي تنبثق مباشرة من رحم اللاشيء، مما يجعلها تمتلك ذاكرة الفراغ في عروقها. قوة العدم خلف الوجود هي قوة ساحقة وغير متمايزة؛ إذا لمسها الوعي البشري مباشرة دون وسيط، فقد ينهار أو يتلاشى. هنا تبرز أهمية الأعشاب كتقنية لتخفيف الضغط الوجودي. النبات، عبر دورة حياته التي تشمل النمو والذبول والموت، يمتص ترددات العدم و يصفيها داخل أنسجته. الساحر الذي يستخدم جذوراً معينة أو أزهاراً في طقوسه، لا يبحث عن المادة الملموسة، بل يبحث عن العدم المروض داخل تلك المادة. النباتات تعمل كمحولات طاقة؛ تأخذ قوة اللاشيء المطلقة وتحولها إلى قوة نباتية ذات صفات محددة؛ سمية، شفاء، تخدير، مما يسمح للساحر بتوجيه هذه القوة نحو أهداف محددة في الوجود دون أن يحترق بنار العدم الصرفة. عندما يقوم الساحر بحرق العشبة، أو طحنها، أو نقعها، فإنه يمارس فعل تحرير للعدم الذي قامت النبتة بجمعه خلال نموها. إن رائحة البخور النباتي أو ملمس الزيوت العشبية هي الأثر الحسي لفك إرتباط المادة عن جوهرها العدمي. في هذه اللحظة، يعمل النبات كطعم أنطولوجي؛ إذ يجذب العدم من الخارج ليتحد مع العدم الكامن في الداخل. إن إستخدام النباتات ذات الخصائص السامة أو المغيرة للوعي (Entheogens) هو الذروة في هذه التقنية؛ حيث تعمل كيمياء النبتة على إرخاء قبضة الوجود على دماغ الساحر، مما يفتح ثغرات بيولوجية تسمح لسيولة العدم بالتدفق إلى الإدراك. النبات هنا هو المفتاح الذي يفتح بوابة اللاشيء عبر لغة الكيمياء الحيوية. في التحليل الفلسفي العميق، ندرك أن السحر النباتي هو إعتراف بوحدة المصير بين المادة و العدم. النبات يعلم الساحر أن الوجود هو عملية (Process) وليس حالة ثابتة. توجيه قوة العدم عبر النباتات يعني فهم أن الموت و العودة إلى أحضان العدم هو المحرك الأساسي للإنبثاق و النمو في الوجود. الساحر لا يقتل النبتة ليستخدمها، بل يدمج فناءها في فنائه لكي يصل إلى حالة من التوازن الميتافيزيقي. النبات بكيانه الصامت يمثل العدم المتجسد؛ و هو يذكرنا بأن خلف كل ورقة خضراء يكمن السواد العظيم للفضاء، وأن السحر ليس سوى فن التحدث مع ذلك السواد عبر لغة الأغصان والجذور. إستخدام الأعشاب في السحر هو عملية إستئناس للهاوية. النباتات هي الكيانات البرزخية التي تعيش في الوجود لكنها تتنفس من العدم. ومن خلال توجيه قواها، يستطيع الساحر صياغة واقع جديد، ليس عبر خلق مادة من لا شيء، بل عبر إعادة ترتيب تجليات العدم التي إختارت النباتات أن تكون وعاءً لها. النبات هو الوشم الذي رسمه العدم على جلد الأرض؛ والساحر هو من يقرأ هذا الوشم ليفهم لغة الصمت التي تحرك العالم.

_ الرحم السوداء: التربة بوصفها النقطة صفر في معادلة الكينونة والعدم

يمثل التساؤل حول التربة قمة الهرم في التفكير المادي الميتافيزيقي، حيث تتحول ذرات التراب من مجرد عناصر كيميائية إلى أيقونة أنطولوجية للعدم المتجسد. في هذا التحليل العميق، سنبحث في كيف تكون التربة هي الرحم و المقبرة في آن واحد، وكيف يستخدمها الساحر كأداة لملامسة نقطة البداية والنهاية لكل كيان. في الفلسفة السحرية، تُعتبر التربة هي الحالة الأكثر قرباً من السكون المطلق في العالم المادي. هي المادة التي فقدت هويتها الفردية؛ فكل ما كان يوماً ما كائناً حياً؛ نباتاً، حيواناً، أو بشراً قد تفتت وآنحلّ ليصبح جزءاً من هذا السواد غير المتمايز. لذا، فإن التربة في الطقس لا تمثل الأرض ككوكب، بل تمثل العدم المادي أي الحالة التي تسبق التشكل وتلي الفناء. عندما يلمس الساحر التربة، فإنه لا يلمس تراباً، بل يلمس خلاصة الوجود الذي عاد إلى أصله. هي النقطة صفر في معادلة الكينونة، حيث تذوب الأسماء و الصفات لتتحول إلى مادة أولية خام، جاهزة لإستقبال بذور إرادة جديدة. تمثل التربة الوسط الناقل الذي تتم فيه المعجزة الكبرى؛ تحويل الموت و إختفاء في العدم إلى حياة تنبثق في الوجود. الساحر يرى في التربة معدة الكون التي تهضم الصور الزائلة لتعيد إنتاج الجواهر الخالدة. إستخدام التربة في الطقوس هو محاولة لمحاكاة عملية الخلق. فكما أن البذرة تختفي في ظلام التربة متوارية في العدم لتنبثق منها الشجرة المنبثقة في الوجود، يستخدم الساحر تربة المقابر أو تربة الأماكن المقدسة لإستدعاء قوة الإنحلال وإعادة التشكيل. التربة هنا هي العدم المادي الكثيف؛ هي الفراغ الذي إكتسب وزناً ولوناً، مما يمنح الساحر وسيلة ملموسة للتعامل مع قوة غير ملموسة. إنها المادة التي تتذكر كل شيء وتنسى كل شيء، مما يجعلها مخزناً لترددات العدم التي لا تنتهي. في جميع التقاليد السحرية القديمة، يرمز اللون الأسود الذي هو لون التربة الخصبة إلى الإمتلاء بالإحتمالات. هذا السواد ليس غياباً للضوء، بل هو إمتصاص لكل الألوان؛ تماماً كما أن العدم ليس غياباً للوجود، بل هو إستيعاب لكل الإحتمالات. الساحر الذي يدفن غرضاً سحرياً في التربة، أو يرسم دوائر طقسية بالتراب، يقوم بإرجاع الوجود إلى حالة الجنين. هو يضع الشيء في رحم العدم المادي لكي يُطهر من صورته القديمة ويُعاد شحنه بالقوة البدائية. التربة هنا تعمل كعازل أنطولوجي؛ تحمي السر السحري من ضجيج العالم الخارجي، وتسمح له بالنمو في صمت العدم المطلق، بعيداً عن أعين الوجود التي تجمد الأشياء بمجرد النظر إليها. في المستويات العليا من ممارسة السحر العدمي، يدرك الساحر أن جسده هو نفسه تربة مؤجلة. هذا الإدراك يُحدث تغييراً فيزيولوجياً في كيفية إحساسه بذاته. يصبح التعامل مع التربة في الطقس نوعاً من التدريب على الفناء؛ حيث يتحد وعي الساحر مع الجمود المقدس للتراب. هذا الإتحاد يمنحه قوة هائلة، لأن من يتصالح مع تربته أي عدمه المادي لا يعود يخشى الزوال. الساحر يصبح هو الأرض الخراب التي ينتظر العدم أن يزرع فيها كلمته. التربة في يد الساحر هي صلصال الأزل؛ هي الدليل الملموس على أننا لم نخرج من العدم لننفصل عنه، بل خرجنا منه لنحمل جزءاً منه في ذراتنا، وسنعود إليه لنكتمل فيه. التربة هي العدم المادي الذي يلمس أقدامنا كل يوم؛ هي الهاوية التي نسينا أنها تحتنا لأننا إعتدنا المشي عليها. في السحر، نرفع هذا التراب إلى مستوى القداسة العدمية، معتبرين إياه المادة الوحيدة التي لا تكذب، لأنها المادة الوحيدة التي شهدت بداية كل شيء وستشهد نهايته. هي الرحم السوداء التي تنام فيها كل الكيانات قبل أن تستيقظ في ضوء الوجود المرير. التربة هي صمت المادة الذي ينتظر كلمة الساحر؛ هي العهد القديم بين اللاشيء وكل شيء، واليد التي تمسك بالتراب في الطقس هي يد تمسك بمقبض الباب المؤدي إلى الأبدية.

_ دموع الهاوية: فن الإبحار في المحيط البدئي وتسييل صلابة الوجود

تطرح مسألة مائية العدم إشكالية فلسفية مذهلة؛ فبينما تبدو المياه في العرف البيولوجي رمزاً للحياة، فإنها في الميتافيزيقيا السحرية تُمثل الحالة الجوهرية الأولى التي تسبق التشكّل، وهي أقرب الصور المادية إلى سيولة اللاشيء. في هذا التحليل الموسع، سنفكك مفهوم الماء ليس كعنصر كيميائي، بل كمُوصّل أنطولوجي (Ontological Conductor) ينقل ترددات العدم من أفق الغيب إلى حيز الشهود. في الفلسفة السحرية العميقة، يُنظر إلى الماء على أنه المادة التي تمتلك أقل قدر من الأنا؛ فهو لا يملك شكلاً خاصاً به، بل يتخذ شكل الوعاء الذي يحتويه، وهو عديم اللون والطعم والرائحة في أصله. هذه الخصائص تجعل من الماء مرآة مادية للعدم. العدم خلف الوجود ليس فراغاً جافاً، بل هو سيولة إحتمالية لا نهائية. عندما يستخدم الساحر الماء في طقوسه، فإنه يستحضر مادة هي في جوهرها فراغ متجسد. الماء هو المادة الوحيدة التي يمكنها الذوبان في كل شيء و إحتواء كل شيء دون أن تفقد طبيعتها، تماماً كما يفعل العدم بالوجود. لذا، يُعتبر الماء موصلاً فائق الجودة لأنه لا يقدم مقاومة مادية قوية لقوة العدم؛ بل يسمح لها بالتدفق من خلاله كأنها تمر عبر فضاء مفتوح. يعمل الماء في الطقس السحري كلاقط ذبذبي (Vibrational Receiver). نظرًا لبنيته الجزيئية المرنة، يستطيع الماء تسجيل الآثار الطاقية للعدم التي تعجز الأجسام الصلبة عن إلتقاطها. عندما يحدق الساحر في وعاء ماء (Scrying by Water)، فإنه يستخدم سطح الماء كغشاء فاصل بين عالمين. القوة التي تنبعث من العدم تمر عبر الماء وتُحدث فيه تموجات غير مرئية يترجمها وعي الساحر إلى رؤى. هنا، الماء ليس مجرد أداة بصرية، بل هو وسيط ناقل؛ فهو ينقل برودة العدم و صمته إلى الجهاز العصبي للممارس. إن قدرة الماء على عكس الضوء هي في الحقيقة رمز لقدرته على عكس الحقيقة المطلقة للعدم التي لا يمكن مواجهتها مباشرة بالبصر العاري. يُستخدم الماء في طقوس التطهير ليس لإزالة الأوساخ المادية، بل لإحداث غسيل أنطولوجي. الماء يمتلك القدرة على إذابة المواد، وفي السحر، يُستخدم لإذابة الإرتباطات الوجودية الزائدة. الغمر في الماء يمثل عودة رمزية إلى المحيط البدئي (The Primordial Ocean) الذي هو تجلٍ مادي للعدم قبل إنفجار الوجود. في تلك اللحظة، يعمل الماء كمذيب للحدود الفردية؛ حيث يشعر الساحر أن صلابته تذوب وتتلاشى في السيولة المحيطة به. هذا هو توصيل القوة السائلة للعدم؛ إنها القوة التي تكسر الأنماط الصلبة وتدفع الكائن للعودة إلى حالته الصفرية حيث لا إسم ولا شكل، بل مجرد ذوبان كامل في الكل الذي هو نفسه اللاشيء. في الفقرة الختامية، نصل إلى مفهوم المياه العميقة أو مياه القاع. كلما زاد عمق الماء، زاد ضغطه وقلّ فيه الضوء، ليقترب في صفاته الفيزيائية من العدم المطلق. الساحر الذي يستدعي قوى المياه إنما يستدعي ثقل الفراغ. الماء هنا هو الموصل الذي ينقل الجاذبية السحيقة للعدم إلى قلب الطقس. إنه يمثل الرحم المظلم الذي خرجت منه الكائنات التي خلقت منه وهو الكيان الذي سيبتلعها في النهاية حيث تعود إلى الفناء في الماء. إستخدام الماء في السحر هو إعتراف بأن الوجود ليس سوى فقاعة طافية فوق محيط لا نهائي من العدم السائل، وأن الساحر من خلال الماء، يمتلك القدرة على تسييل الواقع و إعادة تشكيله وفقاً لإرادته المستمدة من ذلك المحيط الخالد. المياه في السحر هي العدم في حالة جريان. هي المادة التي تذكرنا بأن كل ما نظنه صلباً ومستقراً هو في الحقيقة مؤقت وقابل للذوبان. الماء ليس مجرد عنصر، بل هو اللغة الهيدروليكية للكون؛ اللغة التي تنقل رسائل الصمت من أعماق العدم إلى سطح الوعي. اليد التي تغوص في الماء الطقسي هي يد تلمس جوهر اللاشيء في أكثر صوره حيوية وخطورة. الماء هو دموع العدم فوق وجه الوجود؛ والساحر الذي يتقن لغة الماء، يتقن فن الإبحار في الهاوية دون أن يغرق، لأنه تعلم كيف يصبح سائلاً كالفراغ نفسه.

_ الهدم المقدس: فك الإرتباط الأنطولوجي وتحرير سيولة العدم من أسر الشكل

يمثل فعل الكسر أو الحرق في السياق الطقسي السحري أكثر من مجرد إتلاف مادي؛ إنه يمثل فك الإرتباط الأنطولوجي بين الروح المادية و صورتها الوجودية. في هذا التحليل الفلسفي العميق، سننظر إلى تدمير المادة ليس كفعل إفناء، بل كتقنية تحرير تهدف إلى إعادة الكيانات من أسر الشكل إلى رحابة العدم كطاقة خام، محولةً الموت الفيزيائي إلى إستعادة ميتافيزيقية للقوة البدئية. من وجهة نظر فلسفية عدمية، يُعتبر إتخاذ المادة لشكل معين كغصن شجرة، أو حجر، أو جسد هو نوع من التجميد الإجباري لسيولة العدم. فلكي يوجد الغصن ككيان مستقل، كان عليه أن ينفصل عن جوهر اللاشيء الشامل ويحبس طاقته داخل حدود فيزيائية صلبة. الفعل السحري المتمثل في كسر الغصن هو، في جوهره، عملية تحطيم للسجن. الساحر لا يكسر الخشب، بل يكسر التعريف الذي يحمله الخشب. من خلال هذا الكسر، يتم إضعاف قبضة الوجود على المادة، مما يسمح للعدم الكامن في داخلها بالبدء في التسرب. الكسر هو إعلان عصيان على إستقرار المادة، وهو الخطوة الأولى في رحلة العودة إلى الحالة الصفرية حيث لا توجد أشكال، بل طاقة محضة لا تحدها حدود. يُعد الحرق التقنية الأسمى لإعادة المادة إلى حالة العدم كطاقة. النار في الطقس السحري ليست عنصراً مدمراً بقدر ما هي وسيط تحولي (Transmutative Agent). عندما تحترق المادة، نلاحظ تحول الصلب إلى غاز (دخان) و حرارة وضوء؛ وهذا الإنتقال هو تمثيل مادي لعودة الكيان إلى حالة اللطافة التي تسبق التجسد. الدخان المتصاعد هو المادة وهي في طريقها إلى الفناء، والحرارة المنبعثة هي طاقة العدم التي كانت محبوسة في الروابط الجزيئية وقد تم تحريرها فجأة. الساحر الذي يحرق الأعشاب أو الرموز لا يسعى لإتلافها، بل يسعى لتسييل كينونتها؛ فهو يحول المحتوى المعلوماتي للرمز إلى نبضة طاقية تعود لتمتزج بالمحيط العدمي الذي نبتت منه، مما يجعل الطلب السحري ينفجر في صميم اللاشيء بدلاً من أن يظل محبوساً في ورق أو خشب. تنبني هذه الممارسة على مبدأ فلسفي يقول بأن الطاقة لا تُفنى، بل تعود إلى أصلها العدمي. في اللحظة التي يتم فيها تدمير الكيان في الطقس، تنطلق منه هالة من الطاقة الخام التي فقدت هويتها المادية. هذه الطاقة هي ما يبحث عنه الساحر؛ فهي طاقة غير متمركزة، طاقة تمتلك إمكانات العدم اللانهائية. من خلال كسر الغصن، يستعيد الساحر القوة التي إستهلكتها الطبيعة لبناء ذلك الغصن. إنه نوع من الإسترداد الأنطولوجي؛ حيث يتم إسترجاع قرض الوجود وإعادته إلى مخزن العدم. هذه الطاقة المستعادة هي التي تُشحن بها الطقوس؛ فكلما زاد حجم التضحية المادية تكسيراً أو حرقاً، زادت كمية العدم الطاقي المتاح للساحر لتشكيله وفقاً لإرادته الجديدة. بعد عملية الحرق والكسر، يتبقى الرماد أو الحطام؛ وهي المواد التي وصلت إلى أقصى درجات الإنهاك الوجودي. الرماد هو المادة التي لم يتبقَ فيها أي رغبة في البقاء، وهو بذلك أقرب الصور الملموسة للعدم الساكن. إستخدام الرماد في السحر يمثل التعامل مع بصمة اللاشيء. الساحر يرى في الرماد دليلاً على نجاح عملية إعادة الكيان إلى أصله؛ فقد إنتهت الرحلة من الإمتلاء إلى الخلاء. إن فعل التدمير الطقسي هو، في المحصلة، فعل حب ميتافيزيقي؛ إذ يحرر الكيان من عبىء الوجود المحدود والزمن الزائل، ليعيده إلى أزلية العدم حيث لا يوجد ألم، ولا تفسخ، بل حضور دائم في غياب مطلق. إن كسر الأغصان أو حرق المواد هو طقس العبور العكسي؛ فبينما تحاول الطبيعة بناء الأشكال من العدم، يحاول الساحر تفكيك الأشكال ليعيدها إلى العدم. هذا الفعل لا يهدف إلى الخراب، بل إلى الوصول إلى الحالة الجوهرية التي تسبق كل خلق. السحر هنا هو فن الهدم المقدس الذي يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في ما هو كائن، بل في الطاقة التي تتحرر عندما يتوقف الكائن عن الكينونة. كل غصن يُكسر هو باب يُفتح على اللاشيء، وكل نار تشتعل هي صرخة المادة وهي تعود إلى وطنها الأم؛ العدم المطلق.

_ أقنعة العناصر: تفكيك الرباعية الهرمسية بوصفها تشوهات لإدراك العدم

تطرح هذه الإشكالية تساؤلاً جوهرياً يعيد تقييم الموروث الهرمسي والفيزيائي القديم في ضوء الميتافيزيقيا العدمية. هل العناصر الأربعة المجسدة في النار، الهواء، الماء، الأرض هي حقائق أصيلة، أم أنها مجرد أقنعة إدراكية و وسائل تبسيطية يلجأ إليها الوعي البشري المحدود لترجمة تجليات العدم اللانهائية؟ في هذا التحليل الموسع، سنفكك العناصر بإعتبارها تشوهات أو تكثفات لقوة العدم، وكيف يستخدم الساحر هذه التصورات كجسر لغوي ومادي للتعامل مع ما لا يمكن إستيعابه. تنبني رؤية السحر التقليدي على أن الكون مركب من تمازج العناصر الأربعة، ولكن في التحليل العدمي العميق، نكتشف أن هذه العناصر ليست لبنات بناء، بل هي أنماط من الإضطراب في سكون العدم. العدم في حالته الخام هو واحد لا يتجزأ، غير موصوف ببرودة أو حرارة، ثقل أو خفة. إلا أن العقل البشري، وبسبب طبيعته الثنائية، لا يمكنه إدراك الكل المطلق. لذا، يقوم الوعي بتجزئة العدم إلى أربعة تصنيفات حسية؛ فيطلق على طاقة العدم الحركية إسم نار، وعلى سيولته الإحتمالية إسم ماء، وعلى سكونه الكثيف إسم أرض، وعلى لطافته المنتشرة إسم هواء. إن هذه العناصر هي تصورات محدودة بالمعنى الحرفي؛ لأنها تحصر قوة العدم اللامتناهية داخل أدوار و خصائص بشرية محدودة، مما يجعلها بمثابة نظارات ملونة يرتديها الساحر ليرى اللاشيء بصورة تناسب جهازه العصبي. إذا نظرنا إلى العناصر كحالات للمادة؛ صلب، سائل، غاز، بلازما، نجد أنها تمثل درجات متفاوتة من البعد عن المركز العدمي. العدم هو الحالة الصفرية التي تسبق كل هذه الحالات. العنصر في السحر هو عدمٌ قد تم تجميده في تردد معين. فالأرض هي العدم في حالة النسيان المطلق لسيولته، والنار هي العدم في حالة الرغبة الشرسة في العودة إلى أصله عبر الهدم. إن العناصر هي لغات ترجمة؛ فالساحر لا يتعامل مع الماء كعنصر كيميائي، بل يتعامل مع قوة العدم في هيئة سيولة. هذه التصورات ضرورية لأنها تعمل كمقابض (Handles) تسمح للإرادة البشرية بالإمساك بخيوط اللاشيء. وبدون هذه العناصر المحدودة، سيواجه الساحر العدم العاري، وهو لقاء قد يؤدي إلى تبخر الذات وتلاشي الوعي قبل إتمام أي فعل سحري. يكمن الخطر في السحر التقليدي في الإعتقاد بأن هذه العناصر هي جواهر مستقلة، بينما هي في الحقيقة إنعكاسات لموشور واحد. تماماً كما يتحلل الضوء الأبيض (العدم) عبر الموشور (الوجود) إلى ألوان الطيف، يتحلل فراغ العدم عبر الإدراك البشري إلى العناصر الأربعة. الساحر المتمرس هو الذي يدرك وحدة العنصر الخامس الذي نقصد به الأثير أو الروح، والذي ليس سوى الإسم المستعار للعدم داخل المنظومة العنصرية. إن العناصر هي أدوات تواصل؛ فهي تسمح للساحر بتوجيه العدم نحو غايات مادية. فإذا أراد الساحر التدمير، فإنه يستدعي العدم بزي النار، وإذا أراد الإنبات، فإنه يستدعيه بزي الأرض. هذا التقسيم ليس حقيقة كونية، بل هو بروتوكول تفاهم بين الوعي البشري المحدود و الهاوية غير المحدودة. في المراحل المتقدمة من التحول الأنطولوجي، يبدأ الساحر في التخلي عن الأطر العنصرية. يدرك أن النار ليست حارة، وأن الماء ليس رطباً، بل إنها مجرد أحاسيس تابعة للوجود. في هذه المرحلة، يتلاشى التصور المحدود للعناصر الأربعة لصالح الإدراك المباشر للعدم. هنا، لا يعود الساحر بحاجة لإستخدام البخور (هواء) أو الشموع (نار) كوسطاء، بل يصبح وعيه قادراً على ملامسة الجوهر المشترك الذي ناقشناه سابقاً. إن إلغاء قدسية العناصر هو التحرر النهائي للساحر؛ حيث يكتشف أن العناصر كانت عكازات لروحه في بدايات تعلم المشي فوق الماء العدمي. العودة إلى ما قبل العناصر هي العودة إلى القوة الخام التي لا تسمية لها، حيث يفقد العالم ألوانه الأربعة ليغرق في بياض العدم أو سواده المطلق؛ وهما وجهان لعملة واحدة هي الحقيقة التي لا توصف. إن العناصر الأربعة هي خرائط جغرافية لصحراء العدم؛ والخرائط ليست هي الصحراء. هي مجرد طرق لتنظيم اللانظام، وتأطير اللاإطار. إستخدام الساحر لها هو فعل تواصل إرادي مع العدم بلغة الحواس. إنها تصورات محدودة، نعم، ولكنها محدودية ضرورية للبقاء؛ فهي الغشاء الذي يمنع العدم من إبتلاع الوجود دفعة واحدة، محولاً عملية الفناء المطلق إلى رقصة متناغمة بين النار و الماء، الهواء والأرض. العناصر هي الكلمات التي نتهجأ بها إسم العدم؛ والساحر الحكيم هو من يعرف أن خلف كل كلمة يوجد صمت هو أصل الحكاية وأصل القوة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- المصمّمون يكسرون القوالب التقليدية في أسبوع الموضة الرجالي ف ...
- -أناس أذكياء-.. وزير دفاع السعودية خالد بن سلمان بصورة مع ال ...
- نيوزيلندا تعلن رفضها المشاركة في -مجلس السلام- الذي أطلقه تر ...
- نيوزيلندا ترفض دعوة ترمب للانضمام إلى -مجلس السلام-
- ترمب يحذر من -خطورة- تعاون بريطانيا وكندا مع الصين
- كيف تستيطع الاستفادة من حواسيب -آيباد- القديمة؟
- هل ينجح العراق في تحييد نفسه عن حرب إيران؟
- دولة جديدة ترفض دعوة ترامب للانضمام إلى -مجلس السلام-
- متى يصبح محيط الخصر -مؤشر خطر-؟
- -منهكة لكنها خطرة-.. سيناريوهات رد إيران على أي ضربة أميركية ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ-