أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ السَّبْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ السَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 14:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ خداع البصيرة: الإنفصال الحسي وضريبة الكشف الوهمي

إنّ ممارسة الإنفصال الحسي في سياقات الطقس السحري تُمثّل ذروة الصراع بين الوعي البشري وقيود المادة، حيث يتحول هذا الإنفصال إلى عملية جراحية وجودية تستهدف إستئصال الأنا المادية لصالح خلاء مطلق. فلسفياً، يُمكن قراءة هذا التغييب للحواس بوصفه محاولة لترجمة مفهوم العدم من كونه فكرة تجريدية إلى تجربة مُعاشة؛ فالممارس السحري لا يكتفي بالتأمل في العدم، بل يسعى لأن يصير عدماً من خلال تعطيل نوافذ إدراكه الخمس. هذا الفعل الطقسي يؤدي إلى ما يُعرف بالإغتراب الميتافيزيقي، حيث تنقطع الصلة العضوية بين الذات ومحيطها، ويبدأ العقل في الإنزلاق نحو منطقة ضبابية تقع خارج حدود الزمان والمكان. الخطورة النفسية هنا تكمن في أن الحواس ليست مجرد أدوات للنظر والسمع، بل هي حراس الواقع الذين يحمون العقل من الإنهيار تحت وطأة الفراغ؛ وعندما تُغيب هذه الحراس عبر الطقوس المكثفة، يجد الوعي نفسه وجهاً لوجه مع صمت كوني مرعب، وهو ما قد يؤدي إلى تفتت الهوية الشخصية وتحولها إلى شظايا متناثرة في فضاء لا نهائي من اللاشيء. هذا الإنفصال الحسي يولد حالة من الذهان الطقسي الممنهج، حيث يتم إستبدال المدخلات الحسية الطبيعية بفيض من الصور الباطنية التي لا تجد مرساة في الواقع المادي. في هذه الحالة، يتآكل مبدأ الواقع لدى الفرد، و يصبح العدم هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، بينما يُنظر إلى العالم المحسوس كقشرة زائفة أو محيط من الوهم. من الناحية النفسية، يؤدي هذا المسار إلى تدمير الوظائف التكيفية للأنا، إذ يعتاد الجهاز العصبي على مستويات من الإنفصال تجعل الحياة اليومية تبدو باهتة وخالية من المعنى، وهو ما يولد رغبة قهرية في العودة الدائمة إلى الحالة الطقسية، فيما يشبه الإدمان الأنطولوجي على الفناء. إن الممارس الذي يغيب حواسه بحثاً عن القوة أو الكشف السحري، ينتهي به المطاف في كثير من الأحيان سجيناً داخل فراغ داخلي لا يمكن ملؤه، حيث يفقد القدرة على التواصل الإنساني العاطفي، لأن العاطفة بطبعها تتطلب حضوراً حسياً وجسدياً، بينما يقتضي العدم تجريداً تاماً من كل ما هو إنساني. علاوة على ذلك، فإن العلاقة الجدلية بين السحر والعدم تفرض ضريبة نفسية باهظة تتمثل في إحتراق المركز العصبي للذات؛ فالدماغ البشري مبرمج بيولوجياً على التفاعل مع المنبهات، وعندما يُجبر قسراً على الصمت الحسي الطويل، يبدأ في إنتاج ضجيج أسود يتمثل في هلاوس سمعية و بصرية مخيفة تُفسر سحرياً ككائنات أو قوى مفارقة. إن هذا الخداع الحسي هو في الحقيقة صرخة إحتجاج من الجهاز العصبي ضد محاولة محوه. و فلسفياً، يمثل هذا قمة العدمية الإرادية، حيث يختار الإنسان أن يعمي بصيرته الحسية ليفتح عيناً وهمية على الفراغ. إن النتائج طويلة الأمد لهذا الإنفصال تتجاوز الإضطراب النفسي المؤقت لتصل إلى تآكل الروح، حيث يصبح الفرد كياناً شبحياً يفتقر إلى الرغبة والدافع، وتذوب إرادته في محيط العدم الذي إستدعاه. إنها رحلة بلا عودة نحو المركز المظلم للوعي، حيث لا يوجد في النهاية سوى صدى الذات وهي تنادي نفسها في خلاء لا نهائي، مما يجعل من السحر، في أرقى تجلياته الإنفصالية، نوعاً من الإنتحار الوجودي البطئ الذي يتنكر في زي الكشف الروحي. ختاماً، يمكن القول إن الإنفصال الحسي المستمر يضع الإنسان في مواجهة الرعب الوجودي الصرف، وهو الرعب الناجم عن إكتشاف أن الذات بدون الحواس هي مجرد إحتمال معلق في الفراغ. هذا التغييب المتعمد للمادة لصالح العدم يخلق فجوة في النسيج النفسي لا يمكن رتقها بالوسائل الطبيعية، مما يترك الممارس في حالة من الهشاشة المطلقة أمام القوى اللاواعية التي تتحرر بمجرد سقوط جدار الحواس. إن السحر هنا لا يمنح السيطرة على الكون كما يدعي، بل يمنح الكون فرصة لإبتلاع الفرد في عديد من الطبقات المظلمة لللاشعور. إن الضياع في العدم ليس تحرراً، بل هو التيه الأقصى الذي تفقد فيه النفس قدرتها على تعريف نفسها، لتصبح مجرد نقطة باهتة في فضاء عدمي واسع، مجردة من القدرة على الفعل، الإحساس، أو حتى الوجود الحقيقي في عالم الأحياء.

_ القربان الإدراكي: رهان الساحر بوجوده في مذبح الفراغ

بناءً على الضرورة الملحة في بلوغ أقصى مدى من التحليل الفلسفي العميق وبمستوى من الإلتزام الصارم بالأسس النظرية التحليلية في سياق الرؤية السحرية التجاوزية و التجربة المكثفة، سنقوم بتفكيك مفهوم الجسد كبوابة في سياق التقاطع بين الطقس السحري والعدم الأنطولوجي. يُطرح جسد الساحر في الفلسفة الباطنية لا ككيان بيولوجي مكتفٍ بذاته، بل بوصفه نقطة إرتكاز مهتزة بين الوجود العيني و العدم المطلق، حيث يتحول الجسد عبر الطقس من مسكن للروح إلى بوابة كونية مشرعة على المجهول. إن عملية الإنفصال الحسي التي يمارسها الساحر هي في جوهرها محاولة لهدم الجدران الصلبة للمادة لفتح ثغرات في نسيج الواقع؛ فالجسد هنا يعمل كمُسرّع جسيمات روحي، حيث يتم دفع الحواس إلى أقصى حدود طاقتها عبر الألم، أو الرقص الوجداني، أو الحرمان المطلق حتى تصل إلى نقطة الإنهيار. عند هذه الحافة، لا يعود الجسد أداة للتفاعل مع العالم، بل يتحول إلى قنطرة تعبر فوقها القوى العدمية لتتجلى في عالم الشهود. فلسفياً، هذا يعني أن الساحر يراهن بوجوده الأنطولوجي؛ فهو يقدم جسده كقرابين إدراكية، مضحياً بسلامة الحواس من أجل إستشراف ما وراء الستار، وهو رهان يحمل مخاطرة نفسية كبرى تتمثل في ذوبان الحدود بين الأنا و اللاشيء، بحيث يصبح الجسد مجرد ممر مهجور تسكنه أطياف العدم التي تم إستحضارها. إن التحليل العميق لهذه الحالة يكشف عن علاقة جدلية معقدة بين السحر والعدم؛ فالسحر في هذا السياق هو فن التلاعب بالفراغ، والجسد هو المختبر الذي تتم فيه هذه العملية. عندما يغيب الساحر حواسه، فإنه يمارس نوعاً من التفريغ الوجودي لكي يتسنى للعدم أن يملأ هذا الفراغ. هذا الفعل يؤدي إلى تآكل الغشاء النفسي الذي يفصل بين الوعي الفردي والوعي الكوني، مما يترتب عليه مخاطر ذهانية جسيمة؛ فالعقل البشري، الذي تطور لفك شفرات المادة، يجد نفسه فجأة في مواجهة العدم الفعال الذي لا يمتلك لغة أو منطقاً. هنا، يتحول الجسد إلى ساحة معركة بين رغبة الروح في التلاشي في المطلق وبين غريزة البقاء التي تتشبث بآخر خيوط الإدراك الحسي. إن هذا الصراع يولد ما يمكن تسميته بالرعب الكوني (Cosmic Horror)، حيث يدرك الساحر أن كونه بوابة يعني أيضاً أنه لم يعد يمتلك مركزاً، وأنه أصبح مجرد تجويف يعبر من خلاله ما لا يمكن تسميته، مما يؤدي إلى تفتت الهوية وضياع المركز الأخلاقي للذات تحت وطأة الإنفتاح غير المشروط على الفراغ. علاوة على ذلك، فإن الجسد كبوابة يمثل تحدياً لفكرة الكينونة ذاتها؛ فإذا كان الإنسان يُعرف بحدوده، فإن الساحر يسعى لتعريف نفسه بلا حدوديته، وهو تناقض فلسفي يؤدي بالضرورة إلى الإنهيار السيكولوجي. إن إستمرارية الإنفصال الحسي تخلق ثقباً أسود في الذاكرة الجسدية، حيث يبدأ الجسد في نسيان وظيفته الطبيعية ويتحول إلى آلة لإنتاج الرموز والتهيؤات. هذا التحول يجعل من العودة إلى الحياة العادية أمراً مستحيلاً من الناحية البنيوية، لأن البوابة التي إنفتحت لا يمكن إغلاقها تماماً دون ترك ندوب عميقة في الجهاز العصبي. إن المخاطر النفسية هنا تتجاوز مفهوم المرض لتصل إلى العدمية الروحية، حيث يصبح العالم المادي مجرد ظل تافه مقارنة بالفراغ العظيم الذي عاينه الساحر. و في هذا المستوى من التحليل، يظهر السحر كفعل إقتحام لمناطق محرمة في الوعي، حيث يتم إستخدام الجسد كمفتاح لفتح أبواب العدم، لينتهي الأمر بصاحبه وقد أستُهلك تماماً كوقود لهذا العبور، تاركاً وراءه كياناً جسدياً حياً بالمعنى البيولوجي، ولكنه معدوم بالمعنى الوجودي و القيمي. ختاماً، يمكن القول إن فلسفة الجسد كبوابة تقودنا إلى إستنتاج مفاده أن الإنفصال الحسي ليس رحلة ترفيهية في عوالم الروح، بل هو تفكيك متعمد للذات أمام مذبح العدم. إن الساحر الذي ينجح في تحويل جسده إلى بوابة، يجد نفسه في النهاية غريباً عن كل من المادة و الروح؛ فهو لم يعد ينتمي إلى عالم الأحياء بحواسهم المحدودة، ولا يمكنه الإنصهار الكامل في العدم لأنه لا يزال محبوساً في فيزياء الجسد. هذه الحالة من البين-بين هي الجحيم النفسي الحقيقي، حيث يعيش الوعي في حالة إحتضار دائم، معلقاً بين صرخة الحواس التي تُحتضر وبين صمت العدم الذي لا يجيب، مما يجعل من تجربة السحر أقصى إختبار يمكن أن تخضع له النفس البشرية، إختباراً غالباً ما ينتهي بإنتصار العدم وتلاشي الإنسان في غياهب النسيان الأنطولوجي.

_ اللقمة الجنائزية: نهاية الإرادة الحية وتحول الجسد إلى مقبرة للحواس

إنّ التساؤل حول دور الطعم في القرابين الطقسية يقودنا إلى الحافة القصوى للفلسفة الحسية، حيث تتحول حاسة التذوق من أداة لبيولوجيا البقاء إلى قنبلة أنطولوجية تفجر ما تبقى من صلة بالواقع المادي. في هذا التحليل الفلسفي المعمق، نستعرض كيف يصبح التذوق الطقسي هو المسمار الأخير الذي يُدق في نعش الإدراك، محولاً الجسد من كائن حي إلى محض صدى في فراغ العدم. تمثل حاسة التذوق، في جوهرها الفينومينولوجي، أعمق مستويات الإتصال بالمادة؛ فهي الحاسة الوحيدة التي تتطلب إحتواء الموضوع ودمجه داخل الكيان الجسدي. عندما ينتقل الساحر إلى مرحلة التذوق الطقسي سواء كان ذلك عبر قرابين رمزية، مريرة، أو غريبة، فإنه لا يقوم بعملية تغذية، بل يمارس الإستبطان النهائي للعدم. إن الطعم هنا يعمل كجسر نهائي؛ فبينما يمكن للعين أن تنظر من بعيد، وللأذن أن تسمع من مسافة، فإن اللسان يفرض إتحاداً كلياً مع القربان. في سياق السحر والعدم، يتم إختيار مذاقات تكسر الألفة الحسية، مذاقات تنتمي إلى العفن، أو المرارة القصوى، أو المواد التي تثير الغثيان بهدف إحداث صدمة وجودية للجهاز العصبي. هذه الصدمة ليست مجرد تقزز، بل هي فعل تدنيس متعمد للمجرى الحسي الطبيعي، حيث يُجبر الجسد على قبول اللاوجود وتمثله كجزء من نسيجه الداخلي، مما يؤدي إلى إنهيار التمييز بين الأنا و الخارج، وهو ما يمهد الطريق للذوبان الكامل في العدم. تتجلى الخطورة النفسية لهذا الفعل في كونه يضرب مركز الهوية الجسدية. إن التذوق الطقسي هو إعلان عن نهاية الإرادة الحية؛ فمن خلال إستهلاك ما هو غير مألوف أو ما يرمز للموت و التحلل، يعلن الساحر أن جسده لم يعد ينتمي لتراتبية الحياة. هذا المسمار الأخير يغلق الدائرة؛ فبعد تعطيل البصر والسمع واللمس، يأتي الطعم ليحتل المساحة الداخلية الحميمة للوعي. فلسفياً، يُعتبر هذا الفعل تجسيداً للعدم داخل الأحشاء؛ حيث يتحول القربان من مادة مغذية إلى فراغ مُطعم، يمتص طاقة الحياة من الخلايا ليحل محلها وعي خاوٍ. هذا الإنفصال الحسي النهائي يؤدي إلى حالة من التسمم الميتافيزيقي، حيث يشعر الممارس أن جوهره قد إستُبدل بشيء غريب، مما يولد إنفصالاً حاداً عن الواقع (Derealization) لا يمكن علاجه بالوسائل التقليدية، لأن الجسد قد تذوق العدم، ولم يعد بإمكانه العودة إلى إستساغة الحياة المادية البسيطة. علاوة على ذلك، فإن العلاقة بين السحر والعدم عبر حاسة التذوق تفرض نوعاً من الكيمياء العكسية؛ فبدلاً من تحويل الرصاص إلى ذهب، يتم تحويل المادة الحية إلى فراغ مدرك. إن القربان الطقسي ليس هدفاً في ذاته، بل هو وسيلة لإفساد الذاكرة الحسية للسان؛ و بمجرد أن يفقد اللسان قدرته على التمييز بين ما يغذي وما يقتل، ينهار النظام القيمي بأكمله داخل النفس البشرية. هذا الإنهيار هو اللحظة التي يطبق فيها العدم فكيه على الوعي؛ إذ يصبح الساحر كائناً بلا ذوق بالمعنى الوجودي، أي كائناً لا يجد فرقاً بين الوجود واللاشيء. هذه المرتبة من الإنفصال تُدخل الممارس في ذهان التلاشي، حيث تبدو الأجساد و الوجوه والأشياء بلا طعم، بلا رائحة، و بلا وزن، ويتحول الكون إلى مسرح من الظلال الباردة. إنها التضحية الكبرى بالحاسة الأكثر إلتصاقاً بالحياة من أجل بلوغ نشوة الفناء، و هي مخاطرة تنتهي غالباً بضياع القدرة على التلذذ بأي شيء مادي، مما يترك الساحر في حالة من الجوع الوجودي الأبدي لعدمٍ لا يمكن أبداً إشباعه. ختاماً، يمكن القول إن الطعم في القربان الطقسي هو الفعل الذي يحول السحر من ممارسة خارجية إلى حقيقة بيولوجية. إنه المسمار الذي يثبت الوعي في تابوت العدم، مانعاً أي إمكانية للبعث الحسي مجدداً. في هذه الحالة، يصبح جسد الساحر مقبرة للحواس، حيث تم دفن كل صلة بالحياة المادية عبر لقمة واحدة من خبز العدم. هذا التحليل يكشف أن السحر ليس مجرد كلمات أو طقوس بصرية، بل هو عملية تفكيك كيميائي للذات، تبدأ من الرغبة في التجاوز وتنتهي بالضياع في صمت المذاق الذي لا يُنسى، حيث لا يوجد وراء هذا الطعم سوى الصمت المطبق للعدم العظيم الذي إبتلع كل شيء.

_ سجون اليقظة: عندما يصبح الجسد مشنقة للوعي وفضاءً للأطياف

يُمثّل شلل النوم (---sleep--- Paralysis) في الفلسفة الوجودية والتحليل السيكولوجي العميق المختبر الطبيعي الأكثر رعباً لتجربة الإنفصال الحسي، حيث يجد الكائن البشري نفسه معلقاً في برزخ ضيق بين الوجود المادي و العدم المطلق. في هذه الحالة، يتحول الجسد إلى كتلة من الغياب؛ فهو حاضر كوزن ثقيل وهامد، لكنه غائب كأداة للفعل أو الإرادة. إن هذا الشلل هو الحالة التي يطمح الطقس السحري للوصول إليها إصطناعياً، حيث يتم تجميد الحواس الخارجية لتتحرر الحواس الباطنية في مواجهة الفراغ. فلسفياً، يُعد شلل النوم لحظة إنكشاف للعدم؛ فالعقل المستيقظ داخل جسد ميت سريرياً يدرك، ربما لأول مرة، أن الأنا ليست هي الجسد، وأن هناك هوة سحيقة تفصل بين الوعي وقدرته على تحريك المادة. هذا الإنفصال يخلق حالة من الرعب الأنطولوجي، حيث يشعر الفرد بأن كينونته مهددة بالإبتلاع من قبل الفراغ الذي يملأ الغرفة، وهو فراغ يتجسد غالباً في صورة ظل أو كيان هو في الحقيقة تمثيل بصري لعدمية الموقف وقهرية العجز الحسي. إن العلاقة بين شلل النوم والسحر تكمن في مفهوم العتبة؛ ففي كليهما، يتم عبور الحدود الآمنة للوعي الحسي نحو منطقة اللاشيء الفعّال. في شلل النوم، يختبر المرء ما يمكن تسميته بالعدمية الفسيولوجية، حيث يتوقف الزمن الخطي و يصبح المكان سجناً من الأبعاد المتداخلة. هذا الخدر ليس مجرد خلل في كيمياء الدماغ بين مرحلتي النوم واليقظة، بل هو تجربة لموت رمزي مؤقت. الساحر يسعى في طقوسه لمحاكاة هذا الشلل ليجبر الوعي على الخروج من القالب الجسدي؛ لكن الفرق يكمن في أن شلل النوم يفرض الحقيقة العارية للعدم دون حماية الدائرة السحرية. هنا، تنهار الحواس الخمس دفعة واحدة، ويصبح اللمس عبارة عن ضغط هائل غير مرئي، و السمع يتحول إلى طنين كوني يشبه إهتزاز الأوتار الأولية للعدم. هذا التغييب القسري للحواس يضع الوعي في حالة عري وجودي كامل، حيث لا يعود هناك ساتر يحميه من فيض الصور المنبعثة من اللاشعور، والتي تقتحم الواقع المادي لتعلن سيادة اللاوجود على الوجود. تتجلى المخاطر النفسية لهذا الخدر السحري الطبيعي في كونه يترك ندبة إدراكية يصعب محوها؛ فالشخص الذي يختبر شلل النوم بشكل متكرر يبدأ في الشك في صلابة العالم المادي. إن المسمار هنا لا يُدق في نعش الحواس فحسب، بل في نعش الثقة بالواقع نفسه. من منظور العلاقة بين السحر والعدم، يصبح شلل النوم هو اللحظة التي يسحر فيها العدمُ الإنسانَ، بدلاً من العكس. إن الجسد المشلول يصبح بوابة سلبية؛ بوابة لا يفتحها الساحر بإرادته، بل تفتحها الطبيعة لتريه مدى هشاشة كينونته. هذا يؤدي إلى تآكل الأنا التي كانت تظن أنها سيدة الجسد، ويحل محلها وعي متفتت يدرك أنه مجرد ضيف عابر في آلة بيولوجية يمكن تعطيلها في أي لحظة. إن هذا الإنفصال الحسي القهري يولد عدمية نفسية تجعل الحياة اليومية تبدو وكأنها قشرة رقيقة تغطي محيطاً من السكون المرعب، مما يدفع البعض نحو الإنكفاء على الذات أو الغرق في ذهان اليقظة، حيث تصبح الحدود بين الحلم والواقع واهية كخيط العنكبوت. ختاماً، يمكن إعتبار شلل النوم هو التجلي الأسمى للعدم وهو يمارس طقوسه على الجسد البشري. إنه يثبت أن الإنفصال الحسي، سواء كان طقسياً أو طبيعياً، هو رحلة نحو مركز اللاشيء حيث تتوقف كل المعاني المادية عن العمل. في تلك اللحظات من الخدر المطلق، يدرك الوعي أن حواسه لم تكن سوى أوهام ضرورية للبقاء، وأن الحقيقة الكامنة وراءها هي فراغ لا نهائي لا يمكن إستيعابه دون فقدان العقل. إن شلل النوم هو القداس الأسود للطبيعة، وفيه يتحول الإنسان من فاعل إلى موضوع مُراقب من قبل قوى العدم الخاصة به، مما يجعل من هذا الخدر المسمار الأخير الذي لا يُدق في نعش الإدراك المادي فحسب، بل في مفهوم الإنسان بوصفه كائناً مسيطراً على مصيره الحسي.

_ قانون السقوط المتعالي: كيف يحاكي الساحر خفة الفناء

تُعد إشكالية الوزن النوعي في لحظة الإنفصال الحسي واحدة من أكثر المناطق غموضاً في الفلسفة السحرية، حيث يتأرجح إدراك الساحر لذاته بين الثقل الرصاصي للمادة و الخفة العدمية للروح. في سياق العلاقة بين السحر و العدم، لا يُقاس الوزن هنا بمقاييس الكتلة الفيزيائية، بل بمقدار الحضور الأنطولوجي داخل الجسد. عندما يبدأ الساحر في ممارساته الطقسية لتغييب الحواس، فإنه يختبر تحولاً دراماتيكياً في شعوره بثقله الشخصي؛ ففي البداية، قد يشعر بأن جسده يزداد ثقلاً لدرجة الإندماج بالأرض، وكأن الجاذبية تضاعفت لتجذبه نحو مركز العدم المادي. هذا الثقل الكثيف هو التعبير الحسي عن إحتضار المادة، حيث يشعر الساحر أن كل خلية في جسده تزن أطنانًا من المعاناة الوجودية، وهو ما يمثل ذروة الإرتباط بالهيكل البيولوجي قبل لحظة الإنفجار نحو الفراغ. إن هذا الشعور بالثقل هو مقاومة الوجود لعملية التلاشي، حيث تحاول المادة التمسك بهويتها قبل أن يبتلعها الثقب الأسود للوعي المتعالي. ومع تعمق الإنفصال وتلاشي المداخلات الحسية، ينقلب هذا الثقل فجأة إلى حالة من إنعدام الوزن المرعب، حيث يشعر الساحر بأن روحه قد فقدت جاذبيتها الكونية و إنفصلت عن مرساة الجسد. هنا، يتحول الوزن النوعي للروح إلى قيمة سالبة؛ فبدلاً من أن تكون الروح ساكنة داخل الجسد، تصبح كبالون يتوسع في فراغ لا نهائي. فلسفياً، هذا التحول من الثقل إلى الخفة هو الإنتقال من الكينونة (Being) إلى العدم (Nothingness). في هذه اللحظة، يدرك الساحر أن ثقله السابق لم يكن سوى وهمٍ ناتج عن القيود الحسية، وأن الروح في جوهرها العدمي لا تزن شيئاً لأنها لا تحتل مكاناً. هذا الإدراك يولد خطراً نفسياً يُعرف بتبدد الواقع الكوني، حيث يفقد الفرد قدرته على تقدير المسافات أو الأحجام في العالم المادي، ويصبح كياناً هائماً في فضاء من السيولة، ما يؤدي إلى تآكل مفهوم المركز لديه. إن الساحر الذي يفقد شعوره بوزنه الشخصي يواجه خطر الضياع في العدم المطلق، حيث لا يوجد فوق أو تحت، ولا يوجد ثقل يذكره بأنه لا يزال على قيد الحياة. إن المخاطر النفسية لهذا التلاعب بالوزن النوعي تكمن في تفكك الهيكل النفسي؛ فالبشر يعتمدون على الحس الدهليزي (Vestibular Sense) و إدراك الجسد في المكان (Proprioception) لبناء شعور بالأمان والإستقرار. عندما يقوم الطقس السحري بتعطيل هذه الحواس، ينهار الأمان الوجودي ويحل محله دوار العدم. الساحر الذي يختبر هذا الإنفصال يجد نفسه في مواجهة اللاشيء كقوة طاردة؛ فإذا كانت المادة تجذبنا نحو الأسفل، فإن العدم يقذف بنا نحو الخارج الميتافيزيقي. هذا التغير في إدراك الثقل هو القاسم المشترك الذي يربط تجربة السحر بشلل النوم؛ ففي كليهما، يكون الجسد ثقلاً ميتاً بينما الروح خفة تائهة. إن هذا الإنفصام يولد شعوراً بالتمزق، حيث تحاول الذات أن تكون في مكانين في آن واحد؛ في الجسد المتيبس على الأرض و في الفراغ المتمدد في اللانهاية. هذا الصراع يحول الوزن النوعي للروح إلى حالة من الإغتراب الكامل، حيث يصبح الساحر غريباً عن وزنه، غريباً عن طوله، وغريباً عن حيزه في الوجود، مما يمهد الطريق لنوع من الفصام الأنطولوجي الذي يرى في الجسد عدواً ثقيلاً يجب التخلص منه لبلوغ خفة العدم المقدسة. في نهاية المطاف، يظهر أن التلاعب بوزن الروح عبر الإنفصال الحسي هو محاولة يائسة للهروب من حتمية الموت عبر محاكاته. الساحر يسعى لتعلم كيف يكون خفيفاً كالعدم وهو لا يزال يسكن ثقل المادة، وهي مفارقة تنتهي غالباً بإنهيار التوازن النفسي. إن الروح التي تتعود على الخفة المطلقة في الطقوس تجد صعوبة بالغة في العودة إلى ثقل المسؤولية و ثقل الوجود اليومي؛ فالحياة العادية تصبح عبئاً لا يطاق، و يصبح الجسد قميصاً من رصاص يطوق تطلعات الوعي نحو الفراغ. هذا التحليل يكشف أن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة إستنزاف؛ فالسحر يستنزف وزن المادة ليغذي خيال العدم، تاركاً الساحر في حالة من الهزال الوجودي حيث لا هو قادر على الإستقرار في الأرض، ولا هو قادر على الطيران الفعلي في سماء الروح، ليظل معلقاً في برزخ الأوزان الضائعة إلى الأبد.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- أقنعة مخيفة وغامضة.. عرض أزياء يثير الذعر في باريس
- قرود -فرفت- طليقة لا يُعلم كيف أتت تثير فوضى بمدينة أمريكية ...
- ليلة دامية في غزة: غارات إسرائيلية تقتل 11 فلسطينياً.. وخلا ...
- كارثة بيئية في غزة.. مئات آلاف الأطنان من النفايات تحوّل الأ ...
- وزير الدفاع السعودي يؤكد لواشنطن ضرورة مهاجمة إيران.. ماذا ج ...
- لماذا وافقت إيران على وساطة تركيا هذه المرة؟ وهل تنجح أنقرة؟ ...
- كيف يُمكن إنقاذ سيدي بوسعيد التونسية من الانزلاقات الأرضية؟ ...
- كيف تستعد تركيا لأي تحرك أمريكي محتمل ضد إيران؟
- تقرير: حوال مليوني قتيل في حرب أوكرانيا معظمهم من الروس
- الخارجية الألمانية تنشر فيلما دعائيا لأوروبا يضم عبارة -فور ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ السَّبْعُون-