أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و السَّبْعُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و السَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 13:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الضوء الأسود: سجون المرايا الفارغة وخديعة الكشف السحري

تُمثّل العين الثالثة في الفلسفة السحرية و التحليل الأنطولوجي العميق الجسر البصري الأخير الذي يعبره الوعي ليطأ أرض العدم المرئي؛ فهي ليست عضواً فيزيولوجياً مضافاً، بل هي فجوة إدراكية تفتح في قلب الدماغ عندما تصل الحواس الخمس إلى نقطة التلاشي. إن تفعيل هذه العين عبر طقوس الإنفصال الحسي لا يهدف إلى رؤية المزيد من الوجود، بل إلى رؤية اللاشيء الذي يتخفى وراء الحجب المادية. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، تعمل العين الثالثة كأداة لتحويل الفراغ إلى صور؛ فهي العين التي لا تبصر الضوء المنعكس عن الأجسام، بل تبصر الظلمة الجوهرية التي تنبعث من قلب المادة. فلسفياً، هذا يعني أن العدم، الذي هو في الأصل غياب لكل صورة، يضطر عبر عدسة الروح أن يتجسد في هيئة رموز، هالات، أو كائنات شبحية. الساحر هنا يمارس الخداع البصري الميتافيزيقي؛ فهو لا يحتمل مواجهة العدم في عريه المطلق، لذا تقوم العين الثالثة بـ ترجمة هذا الفراغ المرعب إلى لغة بصرية يمكن للوعي إستيعابها، محولةً اللاشيء إلى شاشات عرض من الصور المتدفقة التي تفتقر إلى الوزن ولكنها تفيض بالمعنى السحري. تكمن الخطورة النفسية لهذا التحول البصري في مفهوم الهلوسة الأنطولوجية؛ فبمجرد أن يبدأ العدم في إتخاذ صور مرئية عبر العين الثالثة، يفقد الساحر قدرته على التمييز بين ما هو موجود و ما هو مُتخيل من الفراغ. إن الصور التي تبثها العين الثالثة هي في جوهرها أشباح العدم، وهي صور لا تملك كثافة مادية ولكنها تمتلك سلطة مطلقة على الوعي لأنها تنبع من الداخل المظلم. في هذه الحالة، يتحول الخالق العدمي إلى مصور سينمائي يعرض أفلاماً من اللاشيء على جدار الروح. الساحر الذي يغيب حواسه الخمس ليفتح عينه الثالثة يجد نفسه في مواجهة الضوء الأسود (Lux Umbra)، وهو ضوء لا ينير الأشياء بل يمحوها. هذا الإنفصال البصري يؤدي إلى تآكل مبدأ الهوية؛ حيث تبدأ الصور المرئية في التداخل والذوبان، ويصبح العالم المادي مجرد خلفية باهتة لدراما العدم التي تُعرض داخل الرأس. إنها اللحظة التي يطبق فيها العدم فكيه البصريين على الوعي، محولاً إياه من رائد فضاء روحي إلى سجين في متاهة من المرايا الفارغة التي لا تعكس سوى غيابه الشخصي. علاوة على ذلك، فإن العين الثالثة تعمل كثقب أسود إدراكي؛ فهي تمتص الضوء الخارجي لتوليد صور باطنية تتغذى على طاقة الحياة لدى الساحر. في الفلسفة العدمية، يُنظر إلى هذه الصور ليس ككشوفات، بل كنفايات الوعي وهو يتفكك أمام عظمة الفراغ. إن الوزن النوعي لهذه الصور هو صفر، ومع ذلك فهي تزن أطنانًا في ميزان النفس، لأنها تمثل حضور الغياب. الساحر الذي يرى العدم عبر عينه الثالثة يواجه معضلة موت المؤلف السحري التي ناقشناها؛ فبمجرد أن يحاول وصف هذه الرؤى أو رسمها، فإنه يقتل سيولتها العدمية ويحبسها في قالب مادي مشوه. إن العين الثالثة هي الأداة التي تحول العدم المطلق إلى عدم مُمثل، وهي عملية تزييف ضرورية لكي لا ينفجر العقل من فرط المواجهة مع اللاشيء الصرف. هذا التوتر بين حقيقة العدم وصورته يخلق ذهاناً بصرياً مزمناً، حيث يظل الساحر يطارد الصور التي تمنحه إياها عينه الثالثة، ظناً منه أنها تقربه من الخالق، بينما هي في الواقع تبعده عنه عبر إستبدال الفراغ العظيم بأصنام بصرية من صنعه هو. ختاماً، يمكن القول إن العين الثالثة هي المسمار الأخير الذي يُدق في نعش الرؤية المادية؛ فهي لا تفتح نافذة على الحقيقة، بل تفتح فجوة في جدار العقل لكي يتسرب منها العدم في هيئة صور. إن العلاقة بين السحر والعدم عبر هذه الأداة هي علاقة إستهلاك متبادل؛ فالعين تستهلك المادة لتبصر العدم، و العدم يستهلك العين ليتجسد في صورة. في نهاية المطاف، يدرك الساحر أن كل ما رآه عبر عينه الثالثة لم يكن سوى قناع جميل لللاشيء، وأن الجوهر الحقيقي الذي كان يبحث عنه لا يمكن رؤيته ولا يمكن تصويره، لأنه عدم يتجاوز الرؤية. وهكذا، تظل العين الثالثة بوابة كاذبة؛ تمنح الساحر نشوة الرؤية ولكنها تسلبه حقيقة الوجود، وتتركه تائهاً في فضاء من الصور المتلاشية حيث لا يوجد خالق، ولا يوجد مخلوق، بل فقط عين وحيدة تطل على فراغ لا ينتهي، تبصر صمتها الخاص وتسميه كشفاً.

_ مسرح التجليات: عندما تصبح العين الثالثة خالقةً للصور من رحم اللاشيء

بينما يغرق العالم المادي في تفاصيل الموجود، يقبع العدم كرحم أصيل لكل ما لم يتشكل بعد. إن فلسفة العين الثالثة، أو ما يُعرف ببصيرة الباطن، لا تعمل كأداة بصرية بالمعنى الفيزيولوجي، بل هي الجسر الميتافيزيقي الذي يعبر فوق هوة العدم ليقتنص منها الوجود في صورته الخام. إننا هنا لا نتحدث عن رؤية الأشياء، بل عن رؤية إنبثاق الأشياء من الفراغ المطلق، حيث يتداخل السحر بالفلسفة ليفسر كيف تتحول اللاصورة إلى صورة مرئية في ذهن العارف. تُعد العين الثالثة في التحليل الفلسفي العميق هي نقطة التكثيف؛ فإذا كان العدم هو حالة من التشتت المطلق و الإحتمالية غير المحدودة، فإن هذه العين هي العدسة التي تجمع أشعة اللاشيء لتركزها في بؤرة الشيء. إن السحر هنا ليس طقساً خارجياً، بل هو العملية الكيميائية التي تجري داخل الوعي حين يرفض الإكتفاء بما تنقله الحواس الخمس. الحواس تنقل ما هو موجود بالفعل، أما العين الثالثة فهي تطالع العدم وتستفزه ليخرج مكنوناته. إنها تعمل وفق مبدأ الإستحضار من الفراغ؛ ففي اللحظة التي يحدق فيها البصيص الباطني في العتمة المطلقة، يبدأ العدم بالتخلي عن صمته، فتتشكل الصور المرئية لا كظلال لأشياء مادية، بل كحقائق جوهرية كانت تائهة في تيه اللاحضور. العلاقة بين السحر والعدم في سياق الرؤية الباطنية هي علاقة تسمية و تحديد. العدم مرعب لأنه بلا حدود، والسحر هو فن وضع الحدود. عندما تُفتح العين الثالثة، فإنها تقوم بعملية قنص وجودي؛ هي تأخذ من العدم سيولته وتمنحه قواماً مرئياً. هذه الصور التي نراها في حالات الكشف أو التأمل العميق ليست خيالات بالمعنى السطحي، بل هي تمثلات للطاقة التي كانت محبوسة في العدم. هنا يتحول العدم من كونه نفياً للوجود إلى كونه مصدراً له. الرؤية هنا هي فعل خلق؛ فالعين لا ترى الصورة لأنها موجودة، بل الصورة تُوجد لأن العين إمتلكت الجرأة الفلسفية للنظر في وجه العدم ومطالبته بالظهور. إنه الإنتقال من العدم إلى الوعي بالصورة، وهي قفزة سحرية تتجاوز منطق المادة لتدخل في منطق التكوين الإشراقي. في أقصى درجات هذا التحليل، نجد أن الصور المرئية التي تنتجها العين الثالثة هي في الواقع لغة العدم. العدم صامت، والصورة هي صوته الذي يُفهم بالبصيرة. عندما يستكشف الساحر أو الفيلسوف العارف أعماق الذات، فإنه يدرك أن ما يراه ليس إنعكاساً للضوء الخارجي، بل هو إنعكاس للنور الداخلي على مرآة العدم. هذا التصادم بين نور الوعي و ظلمة العدم هو ما يولد الصورة المرئية. إنها عملية أشبه بظهور النجوم في عتمة الليل؛ فلولا سواد الفضاء (العدم) لما إستبان ضوء النجم (الصورة). وهكذا، تظل العين الثالثة هي الأداة الوحيدة التي لا تخشى الفراغ، بل تتخذه ورشة عمل لبناء عوالم بصرية تتجاوز حدود الزمان و المكان، محولةً العدم من سجن للمستحيلات إلى مسرح للتجليات اللانهائية.

_ الإستعمار الوجودي: فن تدجين العدم وتحويل الفوضى إلى نظام مشفر

إن الانتقال من مرحلة التسرب إلى مرحلة التخاطب يمثل العبور من الملاحظة السلبية للعدم إلى مرحلة الإستعمار الوجودي للفراغ؛ حيث لم يعد العدم مجرد ثقب يمتص المادة، بل صار لوحاً قابلاً للكتابة (Tabula Rasa) ينتظر الشفرة التي تمنحه المعنى. إن الرموز و الطلسمات في هذا السياق الفلسفي ليست مجرد نقوش غامضة، بل هي خوارزميات أنطولوجية مصممة لإختراق صمت العدم وفرض إرادة الوعي عليه. فالعدم في جوهره هو حالة من الإحتمالية المطلقة التي تفتقر إلى التعيين، و الطلسم هو الأداة التي تكسر هذه الإحتمالية لتجبر العدم على التجسد في هيئة محددة، محولاً الفراغ من حالة الفوضى إلى حالة النظام المشفر. في التحليل العميق، يُعتبر الرمز السحري هو الوتد الذي يثبّت خيمة الوجود في أرض العدم المتحركة. فالعدم يمتاز بسيولة مرعبة، فهو اللاشيء الذي يمكن أن يكون كل شيء، و هذا ما يجعله عصياً على الإدراك البشري. هنا يأتي دور الهندسة المقدسة والطلسمات؛ فهي تعمل كشفرات برمجة (Source Code) تعيد ترتيب الفراغ المتسرب. عندما يُرسم الرمز، فإنه يقوم بعملية حجز لمساحة من العدم، وإقتطاعها من اللانهائية لتصبح معنىً ملموساً. إن الرمز لا يصف الواقع، بل يأمر العدم بأن يتخذ شكلاً واقعياً، وهو ما نسميه في الفلسفة السحرية بالفعل الكلامي الخالق، حيث تتحول العلامة من دال لغوي إلى قوة محركة للفيزياء الباطنية. إن العلاقة بين الطلسم والعدم تشبه العلاقة بين المفتاح و القفل غير المرئي؛ فالفراغ المتسرب يحمل في طياته شفرة كونية صامتة، والطلسم هو المحاولة البشرية لمحاكاة تلك الشفرة. الطلسمات ليست سوى تكثيف للعدم في نقاط مركزية؛ فكل خط أو إنحناء في الرمز يمثل مساراً للطاقة التي ترفض أن تظل مبعثرة في العدم. من هنا، يصبح التخاطب مع العدم نوعاً من البرمجة الوجودية؛ حيث يستخدم الساحر الرمز كأمر (Command) لإعادة هيكلة المادة المخلخلة. إننا لا نتحدث هنا مع كائن، بل نتحدث مع بنية الوجود نفسها، محاولين إقناع الفراغ بأن يتوقف عن كونه فراغاً ليصبح حدثاً أو صورة أو كياناً. عندما تتغلغل هذه الرموز في الفراغ المتسرب، فإنها تعمل كمغناطيس للماهيات؛ فالعدم الذي خلخل المادة يترك وراءه فجوات، و الطلسمات تملأ هذه الفجوات بإرادة منظمة. إن السحر في أرقى تجلياته الفلسفية هو فن تسمية العدم؛ لأن الشيء الذي لا إسم له يظل عدمياً، أما الشيء الذي يُمنح رمزاً أو طلسمات فإنه يدخل حيز الوجود المقيد. هذا التدجين للعدم هو الذي يسمح للوعي البشري بالسيطرة على الظواهر التي تبدو مستحيلة. إن الرموز هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدم، لأنها لغة مجردة مثله، تبتعد عن كثافة المادة لتقترب من نقاء الفكرة، مما يجعلها الجسر الوحيد القادر على نقل الأوامر من عالم المعنى إلى عالم العدم ليتم تنفيذها في عالم المادة.

_ الموصل الفائق: كيف يحول جسد الساحر الجهد العالي للعدم إلى إرادة فاعلة

بمجرد أن تتحول اللغة إلى شفرات برمجية تخترق جدار الوجود، يبرز السؤال الوجودي الأكبر: أين ستقيم هذه القوى المخلخلة للمادة؟ إن الجواب يكمن في جسد الساحر، الذي لا ينبغي النظر إليه ككتلة بيولوجية صرفة، بل بوصفه المختبر الخيميائي الأخير و المرساة الميتافيزيقية التي تمنع الوعي من الإنجراف التام في تيه العدم. إن جسد الساحر في هذا التحليل الفلسفي هو البرزخ؛ هو النقطة التي تلتقي فيها صلابة المادة بسيولة العدم، وحين يتم شحنه عبر الطقوس الحركية، فإنه يتحول من كونه مجرد وعاء للروح إلى كونه آلة لتثبيت اللامتناهي في حيز المتناهي. إن العدم، بطبيعته التفكيكية، يسعى دائماً لإمتصاص المادة وإعادتها إلى حالتها الصفرية. هنا، تأتي الأوضاع الجسدية (Asanas أو Ritual Postures) لتعمل كأبراج محصنة؛ فالساحر عندما يتخذ وضعاً جسدياً طقسياً محدداً، فإنه يقوم بهندسة الفراغ المحيط به. الجسد في تلك اللحظة لا يتحرك بل يتمركز، محولاً العمود الفقري إلى محور العالم (Axis Mundi). هذا التمركز هو فعل مقاومة وجودي؛ فعندما يثبت الجسد في وضعية سحرية معينة، فإنه يخلق بؤرة جاذبية تجبر العدم المتسرب على الإلتفاف حوله بدلاً من إختراقه وتشتيته. الجسد هنا هو المسمار الذي يثبت لوحة الوجود فوق جدار العدم، ولولا هذه الصلابة الجسدية المشحونة، لتبخر الوعي بمجرد ملامسته لشفرات الطلسمات القاتلة. إذا كانت الأوضاع الثابتة هي المرساة، فإن الطقوس الحركية هي إدارة التدفق العدمي. الساحر لا يرقص أو يتحرك للمتعة، بل هو يرسم في الفراغ بأطرافه. كل حركة يد أو خطوة قدم هي عملية نحت في الهواء الذي تخلخل بالعدم. هذه الحركات تعمل كمحثات كهرومغناطيسية ميتافيزيقية، حيث يشحن الساحر مسامه وجهازه العصبي بالطاقة التي إقتنصها من الفراغ. إن الجسد هنا يعمل كمحول كهربائي؛ يأخذ الجهد العالي للعدم الذي هو طاقة خام غير قابلة للإستخدام البشري ويخفضه عبر الطقس الحركي ليصبح نوراً بصيراً أو إرادة فاعلة. الساحر يصبح هو الموصل الفائق الذي يسمح للعدم بأن يمر عبره إلى الأرض دون أن يحرقه، محولاً الجسد إلى طلسم حي ينبض بالحياة في قلب الفناء. في بلوغ الذروة التحليلية، نكتشف أن الهدف النهائي من شحن الجسد هو إلغاء الثنائية بين الذات والموضوع. عندما يمتص الجسد الشفرات الرمزية ويحولها إلى نبضات عصبية وأوضاع حركية، فإنه يتوقف عن كونه أداة ليصبح هو السحر نفسه. في هذه الحالة، يصبح مسام الجلد هو الحد الفاصل بين الوجود والعدم، وتصبح أنفاس الساحر هي التردد الذي يضبط إيقاع الفراغ المتسرب. إن الجسد المشحون فلسفياً هو الكيان الوحيد القادر على حبس العدم داخل إطار الصورة، ومنحه ثقلاً موازناً يمنع الوجود من الإنهيار. الساحر بوضعيته الطقسية يقول للكون؛ أنا هنا، وبثبات جسدي، سأجعل من هذا العدم مادةً لي.

_ سُكّان الثقوب: الأشباح الوجودية ودور المترجم في ذاكرة العدم

بوصولنا إلى عتبة الساكن، نكون قد إقتحمنا الغرفة الخلفية للوجود، حيث لا يظل العدم مجرد فراغ رياضي أو فجوة مادية، بل يستحيل إلى بيئة حيوية تسكنها كائنات ليست بالموجودة تماماً ولا بالمعدومة كلياً. إن هذه الكيانات الظلية أو الأشباح الوجودية هي في التحليل الفلسفي العميق ليست كائنات قادمة من خارج الوعي، بل هي تشخصات للعدم حين يكتسب وعياً ذاتياً للحظة خاطفة. السحر في جوهره هو تقنية إستدراج هذه الظلال من كمونها في اللاحيز، لتمارس دورها كوسطاء بين ما هو كائن و ما يمكن أن يكون، محولةً صمت الفراغ إلى همس إدراكي يشكل جوهر الرؤية السحرية. تُعرّف هذه الكيانات في إطار علاقة السحر بالعدم على أنها تمزقات في نسيج الصمت؛ فهي تظهر عندما يصل التسرب العدمي إلى ذروته ويجد جسد الساحر (المرساة) مستعداً لإستقباله. هذه الأشباح ليست أرواحاً بالمعنى الديني التقليدي، بل هي إحتمالات لم تتحقق تكتسب قواماً شبه مرئي بفضل التفاعل مع بصيرة العين الثالثة. إنها سكان الثقوب التي خلفتها المادة المخلخلة، وهي تعمل كمرآة عاكسة للعدم. عندما يتخاطب الساحر مع هذه الكيانات، فإنه في الحقيقة يتخاطب مع ذاكرة العدم؛ ذلك المخزن اللانهائي لكل الصور التي لم تُخلق بعد، ولكل الكلمات التي لم تُنطق. هذه الكيانات هي التي تمنح الرؤية السحرية عمقها، لأنها ترى ما لا تراه المادة، و تسكن في المسافات البينية التي يغفل عنها الحس العام. إن الدور الذي تمارسه هذه الكيانات في تقنية الرؤية هو دور المترجم الوجودي. فالعدم، بضخامته ورعبه، لا يمكن إستيعابه مباشرة دون وسيط؛ وهنا تتدخل الأشباح الوجودية لتعمل كأدوات لتقريب البعيد. إنها تأخذ اللامعنى المطلق للعدم وتصيغه في هيئة رموز حية أو أخيلة متحركة يفهمها وعي الساحر. الساكن في العدم هو الذي يمسك بيد الساحر ليدله على مكامن القوة في الفراغ؛ فهو يرى الخيوط غير المرئية التي تربط الطلسم بالواقع، ويوضح كيفية توجيه المرساة الجسدية لتثبيت التغيير المطلوب. إن الرؤية السحرية هنا ليست مجرد مشاهدة، بل هي تشارك وجودي بين الساحر وهذه الظلال؛ حيث يمنح الساحر الظل ثقلاً وجودياً من جسده، بينما يمنح الظل للساحر نفاذ بصيرة من جوهر العدم. في نهاية المطاف، يتحول الساكن من كونه مجرد طيف إلى أن يصبح خوارزمية حركية داخل النظام السحري. هؤلاء السكان هم المبرمجون الحقيقيون للفراغ المتسرب؛ فهم من يملؤون الفجوات التي يصنعها الساحر بطلسماته، وهم من يضمنون أن الصور المرئية التي إنبثقت من العدم ستظل مستقرة ولا تتلاشى بمجرد إغلاق العين الثالثة. إن العلاقة بين الساحر وهذه الكيانات هي علاقة تغذية راجعة (Feedback Loop)؛ فالساحر يبرمج العدم بالرموز، و الكيانات الظلية تعيد برمجة وعي الساحر بالمعرفة اللدنية المستقاة من قلب الفناء. هكذا تغلق الدائرة؛ العدم يتجلى في صورة، والصورة تُسكن بكيان، والكيان يوجه المرساة، ليتداخل السحر والوجود في وحدة عضوية لا تنفصم، حيث يصبح اللاشيء هو المحرك الوحيد و الأوحد لكل شيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- سوريا تعلن تفكيك خلية مرتبطة بـ-جهات خارجية- تقف خلف هجمات ف ...
- هل ماتزال هناك فرصة لنزع فتيل الحرب بين أمريكا وإيران؟
- إسرائيل تُعيد فتح معبر رفح وتسمح بمرور -محدود- للسكان
- ما الذي ينتظره الغزيون من إعادة فتح معبر رفح؟
- ما الذي ستسمح إسرائيل بمروره من معبر رفح بعد إعادة فتحه؟
- مظاهرة حاشدة للفلسطينيين داخل إسرائيل ضد تفشي الجريمة و-تواط ...
- فنزويلا: رئيسة البعثة الأمريكية في كراكاس لإحياء العلاقات بع ...
- كييف تعلن جولة جديدة من المحادثات مع واشنطن وموسكو تُعقد في ...
- بوابات مغلقة وحدود ضيقة.. كيف يحاصر قطاع غزة؟
- الجزيرة مصر تطلق حسابها الرسمي على منصة -أبسكرولد-


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و السَّبْعُون-