أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و السَّبْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و السَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 14:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ السيولة والتحجر: فلسفة العدم الذي لا يُكتب والصمت الذي لا يُخان

تطرح إشكالية موت المؤلف السحري تساؤلاً أنطولوجياً حاداً حول ماهية الحقيقة عند تخوم العدم؛ هل الكتابة عن التجربة السحرية هي فعل توثيق أم هي فعل إغتيال للعدم ذاته؟ من منظور فلسفي عميق، يتأسس السحر على السر و على اللامسمى، بينما تتأسس الكتابة على التحديد و الإسم؛ لذا، فإن اللحظة التي يمسك فيها الساحر بقلمه ليصف تجربته مع الإنفصال الحسي، هو في الواقع يضع حداً لهذا الإنفصال ويعيد دمج نفسه في نسيج اللغة المادي. إن العدم الحقيقي هو حالة من السيولة المطلقة التي لا تقبل التأطير، وبمجرد أن تُحبس هذه الحالة في كلمات، فإنها تتحول من عدم حي إلى جثة لغوية. الكتابة هنا تعمل كعملية تحنيط للتجربة؛ فالساحر الذي يكتب عن ثقل الروح أو خدر الحواس يقتل التلقائية الوجودية لتلك اللحظة، ويحول البوابة الكونية التي كانها جسده إلى مجرد نص متاح للآخرين، مما يعني أن العدم يهرب من الكلمات كما يهرب الضوء من الثقوب، تاركاً وراءه حبراً بارداً لا يحمل من التجربة سوى صداها المشوه. في إطار العلاقة بين السحر و العدم، يمكن القول إن موت المؤلف السحري يحدث مرتين؛ المرة الأولى عندما يذوب في الطقس ويفقد أناه الحسية، والمرة الثانية عندما يحاول إستعادة تلك الأنا عبر فعل التدوين. الخطورة الفلسفية تكمن في أن اللغة هي أداة الوجود، والعدم هو نفي الوجود؛ وبالتالي فإن محاولة التوفيق بينهما في فعل متجانس هي ضرب من المحال. الساحر الذي يكتب عن العدم يرتكب خطيئة التجسيد؛ فهو يمنح الفراغ إسماً، وصفة، وحدوداً، وهو ما يتناقض جوهرياً مع طبيعة العدم بوصفه اللاشيء. من الناحية النفسية، يواجه الساحر هنا أزمة إحتراق المعنى؛ فإذا كان قد وصل إلى اليقين بأن المادة وهم و العدم هو الحقيقة، فإن الكتابة وهي فعل مادي بإمتياز تصبح نوعاً من السخرية الوجودية أو الإرتداد عن الكشف. إن العدم يضيع بالمعنى الأنطولوجي بمجرد الكتابة عنه لأنه يتحول إلى موضوع للدراسة بدلاً من أن يكون حالة كينونة، وبذلك يفقد الساحر سلطته كصاحب تجربة فريدة ليصبح مجرد راوٍ لقصة لم يعد يسكنها. علاوة على ذلك، فإن الكتابة السحرية تعمل كدرع زائف يحمي الممارس من سطوة العدم التي إختبرها، لكن هذا الدرع هو نفسه السجن الذي يمنعه من العودة إلى تلك الحالة بصدق. إن النص السحري هو في الواقع محاولة لملىء الفراغ الذي تركه الإنفصال الحسي؛ فبعد أن كان الساحر بوابة تعبر من خلالها القوى الكونية، يصبح وعاءً يفيض بكلمات تحاول إستعادة الوزن المفقود للروح. هذا يؤدي إلى تلاشي السحر في بحر التفسير؛ فالعدم الذي تم إختباره كخوف مطلق وخفة مرعبة، يتقلص ليصبح إستعارات لغوية وبلاغية. المخاطرة النفسية هنا هي الإغتراب عن التجربة؛ حيث يبدأ الساحر في تصديق ما كتبه عن العدم أكثر مما يصدق العدم ذاته، مما يخلق هوية زائفة تتغذى على النصوص بدلاً من الوجود الحقيقي. إن موت المؤلف هنا ليس مجرد مجاز نقدي، بل هو حقيقة سيكولوجية، حيث يختنق الساحر تحت ركام مفرداته، و يصبح العدم الحقيقي غريباً عنه بقدر ما هو غريب عن القارئ الذي لم يختبر الطقس أبداً. ختاماً، يمكن القول إن العدم الحقيقي لا يُكتب، بل يُعاش في صمت مطبق. إن الكتابة عن السحر والعدم هي بمثابة توقيع ميثاق هزيمة الروح أمام اللغة؛ فكلما إستفاض النص السحري في التفسير، زاد إبتعاده عن الشرارة الأولية للفراغ. الساحر الحقيقي، بهذا المعنى، هو الذي يظل صامتاً، لأن صمته هو التعبير الوحيد الصادق عن الوزن النوعي للعدم الذي لا يمكن لأي ميزان لغوي أن يحمله. أما الكتابة، فهي مجهود يائس لإستعادة الجاذبية المادية التي فُقدت أثناء الطقس، وهي المسمار الأخير الذي يُدق لا في نعش الإدراك المادي فحسب، بل في نعش التجربة السحرية ذاتها، محولةً إياها من حضور طاغٍ إلى غياب موثق، ومن حقيقة كونية إلى أسطورة ورقية تفتقر إلى النبض الذي ولدها في عتمة الإنفصال الحسي.

_ برج بابل العدمي: التيه بين صنم المادة وصنم اللغة السحرية

تُمثّل اللغات المصطنعة في الممارسة السحرية المحاولة اليائسة والأخيرة للإلتفاف على خيانة اللغة العادية التي تصر على منح الوجود أسماءً ملموسة، وهي في جوهرها إستراتيجية لغوية تهدف إلى خلق عدم لفظي يوازي العدم الأنطولوجي الذي يسكنه الساحر. من منظور فلسفي عميق، تُعد اللغة العادية سجناً للمفاهيم المادية؛ فهي صُممت لخدمة البقاء، والتواصل حول الأشياء، وتثبيت الهوية، بينما يسعى الساحر عبر الإنفصال الحسي إلى تدمير هذه الوظائف تحديداً. لذا، فإن إختراع لغة برزخية تعتمد على أصوات غير مألوفة، أو رموز غليظة، أو أبجديات منسية ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لخلق ثقب أسود داخل الوعي اللساني. هذه اللغات المصطنعة تعمل كعازل بين الساحر و بين ثقل المعنى الإجتماعي، حيث تصبح الكلمة السحرية (The Incantation) مجرد إهتزاز صوتي يهدف إلى إستدعاء الفراغ بدلاً من الإحالة إلى موضوع. إن الساحر هنا يحاول أن يلفظ العدم، أن يجعله صوتاً مسموعاً دون أن يقتله بالتعريف، محولاً لغته إلى موسيقى جنائزية تُشيع الوجود المادي نحو غياهب اللاشيء. تكمن العلاقة بين هذه اللغات و العدم في مفهوم تفكيك الدال والمدلول؛ ففي اللغة العادية، يحيل الدال (الكلمة) إلى مدلول (شيء موجود)، أما في لغة الساحر المصطنعة، فإن الدال يحيل إلى الغياب أو إلى قوة مبهمة لا يمكن حصرها. هذا الفعل يخلق نوعاً من السيولة الذهنية التي تكسر القوالب المنطقية للدماغ، مما يسهل عملية الإنفصال الحسي؛ إذ عندما يفقد العقل قدرته على تسمية ما يراه أو يشعر به، فإنه يسقط في حالة من الذهول الإدراكي التي تشبه شلل النوم اللغوي. المخاطرة النفسية هنا جسيمة، حيث يؤدي الإنغماس في هذه اللغات المصطنعة إلى الإعتزال السيميائي؛ أي فقدان القدرة على التواصل مع البشر الأسوياء. الساحر الذي يستبدل لغة الجماعة بلغة العدم الخاصة به يجد نفسه وحيداً في فضاء لا يمكن إقتسامه، حيث تصبح كلماته أصدافاً فارغة لا تحمل سوى صدى عدمه الشخصي. إن هذا الإغتراب اللغوي هو المسمار الذي يثبت العزلة الوجودية للساحر، محولاً إياه من كائن إجتماعي إلى شبح لغوي يتحدث لغة لا يفهمها سواه، وهو ما يمهد الطريق لتآكل الأنا التي كانت تستمد تماسكها من إعتراف الآخرين بها عبر اللغة المشتركة. علاوة على ذلك، فإن هذه اللغات تعمل كبوابة للعدم الإبداعي، حيث يتم إستخدام الكلمة كأداة للهدم لا للبناء. الساحر لا يصف الواقع، بل يستخدم لغته المصطنعة لمحو الواقع؛ فكل لفظة غريبة هي بمثابة ضربة إزميل في جدار الإدراك المادي. فلسفياً، هذا يطرح إشكالية التناقض الأدائي؛ فالساحر يستخدم اللغة وهي أقصى تجليات الوجود لكي يصل إلى العدم، مما يخلق حالة من التوتر النفسي الدائم. إن اللغات السحرية هي لغات إنتحارية، تهدف إلى إبطال مفعول نفسها بمجرد نطقها، تاركة الوعي في حالة من الصمت المطلق الذي يلي الإنفجار اللغوي. هذا الخدر اللساني هو ما يمنح الساحر شعوراً بالسيادة الوهمية على العدم، لكنه في الحقيقة يسجنه داخل متاهة من الرموز التي لا مخرج منها. إن موت المؤلف السحري يتجلى هنا في أبشع صوره؛ حيث يضيع الساحر بين لغتين؛ لغة البشر التي لم تعد تكفيه، ولغة العدم التي لا تستطيع إحتواءه، ليظل معلقاً في فراغ صوتي يفتقر إلى الوزن والمعنى، تماماً كروحه التي فقدت وزنها النوعي أثناء الملامسة الطقسية. في الختام، تظل اللغات المصطنعة هي المحاولة الأكثر جسارة للهروب من فخ الكينونة، لكنها أيضاً الفخ الأكثر إحكاماً؛ لأنها توهم الساحر بأنه قد أمتلك العدم، بينما هي في الواقع لم تفعل سوى إستبدال صنم مادي بصنم لغوي. إن العدم الحقيقي يظل صامداً خلف كل الكلمات، سواء كانت عادية أو سحرية، وكل محاولة لنطقه هي بالضرورة تزييف له. إن لغة الساحر هي قناع للعدم، وكلما زاد تعقيد القناع، زاد إبتعاد الساحر عن جوهر الفراغ الذي ينشده. إن الإنهيار النفسي الذي يعقب هذه الممارسات ينبع من إكتشاف الساحر أن لغته الجديدة، رغم غرابتها وقوتها المفترضة، هي مجرد هباء لفظي أمام جلال الصمت الكوني، مما يجعله يدرك في النهاية أن العدم لا يمكن أن يكون لغة، بل هو النهاية الحتمية لكل اللغات، و المقبرة التي تُدفن فيها كل الكلمات، سواء كانت مقدسة أو مدنسة.

_ الشفافية القاتلة: سيكولوجية الجسد المختزل في ذروة الإنفصال الحسي

يُعد الفن التشريحي في سياق الممارسة السحرية والعدمية تجسيداً بصرياً لعملية تفكيك الكينونة، حيث لا يُنظر إلى الجسد كبنية حيوية، بل كخريطة للتلاشي ومسرح للفراغ. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن تصوير الجسد المشرح ليس محاولة لفهم الحياة، بل هو محاولة لرسم حدود الغياب؛ فالساحر أو الفنان الذي ينتهج هذا الأسلوب يسعى إلى كشف العدم الكامن تحت الجلد، محولاً الأحشاء و العظام من أدوات وظيفية إلى رموز لسيادة الفراغ. إن الرسم التشريحي السحري يعتمد على مبدأ الإفراغ الأنطولوجي، حيث يتم تصوير الجسد مفتوحاً، لا ليعرض أعضاءه، بل ليعرض الخلاء الذي يسكنه. فلسفياً، هذا يمثل صدمة للمشاهد، إذ يدرك أن المادة التي يظنها صلبة وممتلئة ليست سوى غلاف رقيق يطوق عدماً لا نهائياً. الجسد المشرح هنا هو البوابة الكونية في صورتها الأكثر فجاجة ورعباً؛ إنه اللحظة التي تتوقف فيها الحواس عن العمل، ليحل محلها النظر العدمي الذي يرى الإنسان كآلة معطلة في فضاء لا يحتاج إليها. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذا الفن عبر تقنية الشفافية القاتلة؛ حيث يتم تصوير الأنسجة و الشرابين كخيوط واهية تكاد تذوب في السواد المحيط بها. هذا التصوير البصري يعكس حالة الإنفصال الحسي التي ناقشناها سابقاً؛ فكما أن الساحر يُغيب حواسه ليصل إلى العدم، فإن الفنان التشريحي يُغيب جمالية الجسد المألوفة ليصل إلى حقيقة الفناء. الخطورة النفسية لهذا النوع من التصوير تكمن في أنه يفرض على الوعي رؤية نفسه كمحض مادة قابلة للتبدد، مما يؤدي إلى إنهيار النرجسية الوجودية. إن رؤية الجسد وهو يُختزل إلى عناصره الأولية المشرفة على التلاشي تخلق نوعاً من الدوار البصري، حيث لا يجد العقل مكاناً يستقر فيه المعنى. هنا يصبح العدم ليس غياباً للمادة، بل هو المادة وقد فقدت روحها، وهو ما يوازي حالة شلل النوم في الفن؛ حيث نرى الجسد حاضراً بتفاصيله الدقيقة، و لكنه مسلوب الإرادة، مفتوح أمام نظرة العدم التي تلتهمه ببطىء. إن هذا الفن هو رصاصة الرحمة الأخيرة في نعش القداسة الجسدية، محولاً الإنسان من صورة إلهية إلى بنية عدمية قابلة للتشريح والتذرير. علاوة على ذلك، فإن إستخدام الضوء والظلال في الفن التشريحي السحري يهدف إلى خلق إيهام بوجود ثقوب سوداء داخل الجسد ذاته. فبدلاً من أن يكون القلب مركزاً للحياة، يُصور كفجوة مظلمة تشع بـ الضوء الأسود، وهو تمثيل بصري لفكرة أن الروح لا تزن شيئاً لأنها عدم فعال. هذا النوع من الفن التشريحي لا يكتفي بوصف ما هو موجود، بل يسعى لرسم ما هو مفقود؛ إنه يحاول تصوير الوزن النوعي السالب الذي يشعر به الساحر أثناء طقوسه. من الناحية السيكولوجية، يؤدي التعرض المستمر لهذه البصريات إلى تآكل مخطط الجسد لدى الرائي، حيث يبدأ في تخيل جسده الخاص كمجموعة من القطع المنفصلة التي يربطها الفراغ، وليس الحياة. هذا الإغتراب التشريحي هو قمة التجلي السحري للعدم، حيث تصبح العين أداة للهدم لا للبناء، وتتحول اللوحة إلى مختبر للعدمية يتم فيه تجريد الإنسان من آخر حصونه المادية، تاركاً إياه عارياً تماماً أمام صمت اللاشيء الذي يتربص خلف كل عضلة و عصب. في الختام، يظل العدم في الفن التشريحي هو الحقيقة التي تحاول المادة إخفاءها، والطقس السحري البصري الذي يكشف زيف التماسك الجسدي. إن تصوير الجسد كبوابة مشرعة عبر التشريح هو الإعتراف النهائي بأن الإنفصال الحسي ليس مجرد تجربة نفسية، بل هو حقيقة بنيوية؛ فنحن، في جوهرنا الفيزيائي، فراغ يتظاهر بالإمتلاء. إن الفن التشريحي السحري يقتل المؤلف (الإنسان) ليسمح للعدم بأن يتحدث من خلال الفتحات والجروح المصورة. هذا التحليل يكشف أن العلاقة بين السحر والعدم بصرياً هي محاولة لترويض الرعب الكوني عبر تأطيره في لوحة، لكن النتيجة تظل دائماً هي نفسها؛ إكتشاف أننا لسنا سوى أغلفة للعدم، وأن رحلة الساحر في تغييب حواسه ليست سوى عودة إلى الحالة التشريحية الأولى حيث لا وجود للذات، بل فقط للفراغ المنظم الذي يسبق الوجود ويتلوه.

_ سيمياء المحو: إستدعاء العدم كمُذيب كوني للمادة و المعنى

تُمثّل العملية السيميائية في قلب الكيمياء السحرية و التحويل المادي المحاولة الأكثر جسارة لإختراق صلب الوجود، حيث لا يُستدعى العدم هنا بوصفه نهاية للمادة، بل بوصفه المُذيب الكوني (Alkahest) الذي يجب أن تمر عبره المادة لتُولد من جديد. من منظور فلسفي عميق، يعتقد الساحر أن المادة في صورتها الخام هي مادة مثقلة بالمعنى الإجتماعي والفيزيائي، وهي قيود تمنعها من التجلي في صورتها الجوهرية. لذا، تبدأ العملية السيميائية بما يُعرف بالمرحلة السوداء (Nigredo)، وهي اللحظة التي يتم فيها إستدعاء العدم لتفكيك هوية المادة. في هذه المرحلة، يتم تجريد العنصر من صفاته الحسية؛ لونه، صلابته، رائحته عبر طقوس الإنفصال، ليُترك في حالة من الخلاء السيميائي. هذا العدم المستدعى يعمل كممحاة أنطولوجية تزيل البصمة القديمة للمادة، محولاً إياها إلى مادة أولية (Prima Materia) تفتقر إلى أي تعين، وهي حالة برزخية لا هي موجودة ولا هي معدومة، بل هي إمكانية محض تسبح في فراغ الساحر. إن إستدعاء العدم في هذه العمليات السيميائية يفرض مخاطرة نفسية وجودية تُعرف بتآكل الرمز؛ فالساحر الذي يتعامل مع الرموز لتحويل المادة يجد نفسه فجأة أمام حقيقة أن الرمز ذاته يذوب في حضرة العدم. فلسفياً، إذا كان السحر هو اللغة التي تأمر المادة، فإن العدم هو الصمت الذي يبتلع اللغة؛ وهنا يقع الصدام. عندما يحاول الساحر تحويل الرصاص إلى ذهب، فإنه لا يقوم بعملية كيميائية بقدر ما يقوم بعملية إعادة صياغة للعدم. إنه يحاول أن يقتطع جزءاً من الفراغ ويمنحه ثقلاً نوعياً جديداً. هذه العملية تخلق حالة من الذهان السيميائي، حيث يبدأ الممارس في رؤية العالم المادي كعجينة رخوة من الرموز التي يمكن محوها وإعادة كتابتها. الخطورة هنا تكمن في أن الساحر قد ينجح في إستدعاء العدم لتفكيك المادة، لكنه قد يفشل في إيقاف هذا العدم، مما يؤدي إلى تبخر المعنى من حياته الخاصة، حيث تصبح الأشياء كلها، بما فيها جسده، مجرد رموز عابرة في محيط من اللاشيء، مما يؤدي إلى إنهيار دافع البقاء وإستبداله برغبة سحيقة في الإنصهار مع الفراغ الذي إستحضره. علاوة على ذلك، فإن العملية السيميائية تعتمد على مفهوم الوزن المفقود الذي ناقشناه سابقاً، ولكن ببعد تحويلي؛ فالساحر يستدعي العدم لكي يخفف من كثافة المادة حتى تصبح طيعة بين يديه. هذا الإستدعاء يتم عبر اللغات المصطنعة والطلاسم التي تعمل كثقوب سيميائية تفرغ المادة من حقيقتها الفيزيائية. في هذه اللحظة، يتغير إدراك الساحر للمكان والزمان؛ فالمادة التي تخضع للتحويل تبدو وكأنها تطفو في حيز عدمي، حيث يفقد الزمن خطيته ويتحول إلى آنية مستمرة. هذا الإنفصال عن الزمن المادي هو البرهان الحسي الأخير الذي يُدق في نعش الوعي العادي، حيث يصبح الساحر مؤلفاً سحرياً يحاول كتابة نص المادة فوق ورق من العدم. لكن المفارقة تظل قائمة؛ فكلما إزداد نقاء المادة الناتجة عن التحويل، إزداد إقترابها من اللاشيء، وكأن الذهب الفلسفي ليس في النهاية سوى عدم متجسد أو فراغ بلمعة صفراء، و هو ما يترك الساحر في حالة من الهزال الوجودي لأنه أدرك أن كمال المادة هو في تلاشيها. ختاماً، يمكن القول إن إستدعاء العدم في سيمياء التحويل هو الفعل الذي يربط بين الفن التشريحي الذي يحاول تفكيك الجسد وبين الخيمياء التي تسعى إلى تفكيك المادة. إنها رحلة في قلب الظلمة المنيرة، حيث يتم إستخدام العدم كبوابة للعبور من الوجود المقيد إلى العدم الخلاق. إلا أن هذا العبور يترك ندوباً لا تندمل في جهاز الإدراك الحسي؛ فالمادة بعد أن تلمس العدم لا تعود أبداً كما كانت، وكذلك الساحر. إن العملية السيميائية هي في الحقيقة قداس للعدم يتم فيه التضحية بصلابة العالم من أجل سراب التحول، لينتهي الأمر بالساحر وقد صار هو نفسه قرباناً سيميائياً؛ جسداً بلا وزن، ولغة بلا معنى، وإرادة تائهة في فضاء من الصور المتلاشية، حيث يضيع العدم الحقيقي في اللحظة التي يظن فيها الساحر أنه نجح في تجسيده، ليظل التحويل مجرد وهم بصري في مأتم كبير للمادة والوعي.

_ خالق الفناء: اللاهوت العدمي والعودة إلى حضن الخلاء الأولي

تُفضي بنا الرحلة في دهاليز الإنفصال الحسي إلى المنطقة الأكثر خطورة في الميتافيزيقا، حيث يتقاطع السحر مع الفلسفات العدمية لإعادة تعريف مفهوم الخالق لا كعلة فاعلة أوجدت الوجود من عدم، بل كجوهر عدمي يمثل الفراغ الأولي الذي إبتلع الوجود قبل أن يبدأ. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن الساحر الذي يسعى لتغييب حواسه لا يبحث عن صانع في الأعالي، بل يبحث عن الإله المختبئ في العدم (Deus Absconditus in Nihilo). هذا الخالق في الفلسفة العدمية ليس كياناً مشخصاً، بل هو الخلاء المطلق الذي إنبثقت منه المادة كنوع من الخطيئة الأنطولوجية أو الخلل في السكون الأزلي. من هنا، تصبح الطقوس السحرية محاولة لتصحيح المسار عبر العودة بالجسد و المادة إلى حالتهما العدمية الأولى، حيث يُنظر إلى فعل الخلق كعملية تقييد للمطلق داخل حدود المكان والزمان، بينما يُنظر إلى السحر كعملية تحرير للجوهر عبر إعادته إلى حضن العدم الذي هو الخالق الحقيقي في نظر الممارس العدمي. تتجلى العلاقة بين هذا الجوهر والعدم في كون الخالق العدمي يمثل حالة الصمت قبل الكلمة؛ فإذا كانت الأديان التقليدية تقوم على اللوغوس (الكلمة/النطق)، فإن السحر العدمي يقوم على السيج (الصمت/المحو). الساحر في حالة الإنفصال الحسي يحاول محاكاة وحدة العدم التي سبقت الخلق، حيث يختفي التمايز بين الخالق والمخلوق في فضاء اللاشيء. الخطورة النفسية هنا تكمن في تحول الأنا من كائن مخلوق يسعى للإتصال بمركزه، إلى كائن يسعى لتدمير مركزه للإندماج في الفراغ الكوني. هذا المسار يولد ما يمكن تسميته بالنشوة الجنائزية، حيث يشعر الساحر بأن وصوله إلى خلو الحواس هو وصول إلى جوهر الخالق العدمي. في هذا الإطار، لا يُستدعى العدم كأداة لتحويل المادة فحسب، بل يُستدعى كأصل يجب العودة إليه، مما يجعل من الممارسة السحرية نوعاً من الإسترداد الأنطولوجي حيث يتم إسترداد الروح من سجن المادة وإعادتها إلى الفراغ المقدس الذي لا وزن له ولا إسم. علاوة على ذلك، فإن مفهوم الخالق في الفلسفات العدمية السحرية يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالوزن النوعي للسالب؛ فخالق العدم لا يمنح الوجود، بل يمنح الغياب. الساحر الذي يختبر شلل النوم أو الإنفصال الحسي يرى في تلك اللحظات ملامح هذا الخالق؛ إنه الظل الذي لا جسد له، و الصوت الذي لا صوت له. هذا التصور يقلب الموازين القيمية؛ فالبناء يصبح هدماً، والإمتلاء يصبح نقصاً، و الوجود يصبح عدماً. الفشل السيميائي الذي ناقشناه سابقاً يتحول هنا إلى نجاة ميتافيزيقية؛ فإذا نجح الساحر في تحويل المادة إلى عدم مطلق، فإنه بذلك يقتل الخالق بمفهومه التقليدي كواهب للحياة ليحل محله خالق الفناء. هذا التوتر النفسي المستمر يؤدي إلى تآكل الروح؛ فالساحر الذي يعبد العدم يجد نفسه مضطراً لإنكار كل ما هو حي و جميل وحسي، لأن الجمال في نظره هو قناع للمادة يحجب وجه الفراغ الجليل، مما يوقعه في عزلة وجودية لا تنتهي، حيث يصبح هو نفسه خالقاً لعدمه الخاص، سجيناً في بوابة لا تؤدي إلا إلى المزيد من التلاشي. ختاماً، يمكن القول إن العلاقة بين السحر والعدم ومفهوم الخالق هي علاقة إنتحار معرفي؛ فالبحث عن المطلق في العدم هو بحث عن نقطة تلاشي الوعي. الساحر الذي يغيب حواسه ليصل إلى جوهر الخالق العدمي يكتشف في النهاية أن هذا الخالق ليس سوى مرآة للفراغ الداخلي الذي أحدثه هو نفسه عبر طقوسه. إن موت المؤلف السحري يلتقي هنا بموت الخالق في الفلسفة العدمية، ليترك الساحر في مواجهة حقيقة مرة؛ أن العدم الذي إستدعاه ليس رحماً بل هو مقبرة، وأن الخالق الذي وجده في نهاية الطريق ليس سوى الصمت المطبق الذي لا يمنح جواباً ولا يمنح وجوداً. وهكذا، تظل الممارسة السحرية في إطارها العدمي رحلة دائرية تبدأ من الهروب من ثقل المادة وتنتهي بالسقوط في خفة العدم التي لا يمكن للوعي البشري تحملها دون أن ينكسر إلى شظايا من الوهم والضياع.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- صحفية توثق لحظة اعتقالها من منزلها بعد تصويرها احتجاجا في كن ...
- لا وجود لينابيع ساخنة بتسمانيا.. الذكاء الاصطناعي يضلّل السي ...
- -بعد تحذير السيسي-.. وزير خارجية مصر يجري اتصالات مكثفة بشأن ...
- الشيخوخة الاستثنائية.. في الثمانين في العمر بقدرات شبابية
- رحيل عبد الهادي بلخياط.. المغرب يفقد مبدع -قطار الحياة-
- ردود فعل متفاوتة على بدء عرض وثائقي -ميلانيا- ترامب
- تذاكر قمة الويب تنفد بالكامل بعد إعلان مشاركة مؤسس تطبيق -أب ...
- غزة مباشر.. مجازر بغزة وخان يونس وقصف إسرائيلي لا يتوقف
- الإعلام الحكومي بغزة يدعو الوسطاء للتحرّك العاجل لوقف التصعي ...
- قمة الويب قطر 2026 تنطلق بمشاركة غير مسبوقة لرواد التقنية


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و السَّبْعُون-