أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الثَّمَانُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الثَّمَانُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 09:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الهروب من كهف الأشكال: الوعي في مواجهة الحقيقة العارية

إن الرحلة نحو تفعيل العين الثالثة عبر بوابة العمى الطقسي ليست مجرد ممارسة روحية عابرة، بل هي تمرد وجودي على سلطة الضوء المادي الذي إستعبد الإدراك البشري لقرون. فالعين الجسدية، في طبيعتها البيولوجية، هي مصفاة تحذف من الواقع أكثر مما تثبت؛ إنها تحصر الوجود في نطاق ضيق من الترددات المرئية، مما يجعلنا سجناء داخل كهف أفلاطون بنسخته الحديثة. حين نعتمد تعصيب العينين كمنهج طقسي، نحن لا نختار الظلمة كبديل للضوء، بل نختار العدم كمنصة إنطلاق لتفكيك الأنماط الصورية التي يفرضها العقل الجمعي. السحر هنا يكمن في تلك اللحظة الحرجة التي يتوقف فيها العقل عن البحث عن شكل ليبدأ في تلمس الجوهر. إن الصور المزيفة هي الضجيج البصري الذي يحجب عنا موسيقى الكون الصامتة؛ لذا فإن العمى الإرادي هو الصمت الضروري الذي يسبق أي خلق حقيقي، هو العودة إلى الرحم الأولي حيث لا مكان للألوان و الخطوط، بل للطاقة الخام التي تسبق التجسد. تتجلى إشكالية العين الثالثة في كونها غالباً ما تُفهم خطأً على أنها وسيلة لرؤية المزيد من الصور، بينما هي في العمق وسيلة لرؤية الأقل وصولاً إلى الواحد. إن الفخ الذي يقع فيه المبتدئون في علوم الباطن هو إستبدال صور العالم المادي بصور خيالية مشوهة، وهي ما نسميها الأوهام الإسقاطية. هنا يتدخل العدم كقوة تطهيرية عظمى؛ فالعدم ليس فراغاً سلبياً، بل هو إمتلاء مكثف لم يجد مساره للظهور بعد. في حالة التعصيب الطقسي، يواجه الوعي اللاشيء، وفي هذه المواجهة يبدأ السحر الحقيقي؛ إذ تضطر العين الثالثة أو البصيرة الكلية إلى إستحضار معايير إدراكية لا تعتمد على الفوتونات، بل على الحدس الأنطولوجي. نحن هنا أمام عملية كيّ للوعي، حيث تحترق الصور القديمة في أتون العتمة المختارة، ليبرز من رمادها وعي لا يحتاج إلى منظر لكي يبصر. هذا هو التماس المباشر مع العدم؛ حيث يتلاشى الفارق بين الرائي والمرئي، ويصبح العمى هو الوسيلة الوحيدة لتجنب الإنخداع بالقشور الخارجية التي تغلف لبّ الحقيقة. علاوة على ذلك، فإن العلاقة بين السحر والعدم تتأسس على فرضية أن كل ما هو موجود قد خرج من رحم ما ليس موجوداً. لذا، فإن العودة إلى حالة العمى هي محاكاة رمزية وفعلية للحالة السابقة للوجود (Pre-existence). في هذه المنطقة الرمادية، تصبح العين الثالثة هي الرادار الذي يرصد العدم الجنيني قبل أن يتبلور في مادة. إن تفعيل هذه العين عبر الحجاب يضمن عدم تلوث الرؤية بالرغبة؛ فالعين ترى ما تريد، أما البصيرة فترى ما ه٤حضن العدم هو قمة السيادة السحرية، حيث يدرك الكائن أن العين الثالثة ليست نافذة ينظر منها إلى الخارج، بل هي عين الكون التي تنظر من خلاله إلى ذاتها. إن الصور المزيفة هي القيود التي تربطنا بالمستعمرة كما في مثال البطريق المتمرد، بينما العمى هو المسار الوعر نحو الجبال الداخلية حيث لا يوجد مسار مرسوم، بل وجود يُخلق مع كل خطوة. إن السحر هو فن العيش في المسافة الفاصلة بين الوجود والعدم، والعين الثالثة هي الأداة التي تحول ذلك العدم إلى بحر من الإمكانيات. فمن أراد أن يبصر الحقيقة الكلية، عليه أولاً أن يملك الجرأة ليغمض عينيه عن الحقيقة الجزئية، و يقبل بأن يكون أعمى في نظر العالم، ليكون مبصراً في قلب الوجود الخالد.

_ برزخ الأرجوان: كيمياء العبور من الضوء المادي إلى نور العدم

بينما نغوص في أعماق العمى الطقسي، يبرز اللون الأرجواني (Purple/Violet) ليس كمجرد تردد بصري، بل ككود كوني يربط بين المادة و العدم، وبين الكيمياء والسحر. إنه اللون الذي يقف عند حافة الطيف المرئي، تماماً كما تقف العين الثالثة عند حافة الوعي البشري. إن إختيار اللون الأرجواني كرمز للعين الثالثة وللمناطق المظلمة من الوعي ليس محض صدفة جمالية، بل هو إستجابة لنداء فيزيائي يضرب بجذوره في بنية الكون. كيميائياً وفطرياً، يمثل الأرجواني أعلى تردد في الضوء المرئي قبل أن يغرق الواقع في الأشعة فوق البنفسجية غير المرئية؛ فهو يمثل نقطة التماس الأخيرة بين ما يمكن إدراكه بالحواس وبين ما يقع في منطقة العدم البصري. في الفلسفة السحرية، يُنظر إلى الأرجواني بوصفه اللون الذي ليس لوناً، بل هو برزخ يجمع بين ثبات الأزرق الذي يعبر عن البرود الكوني وإشتعال الأحمر الذي يرمز إلى الإرادة المادية. هذا التزاوج يخلق حالة من التوازن القلق التي تفتح ثغرة في نسيج الواقع. عندما نمارس العمى الطقسي ونستحضر اللون الأرجواني ذهنياً، فنحن نقوم بعملية تشفير للعدم؛ إذ نحول الفراغ المطلق إلى لون إحتمالي، مما يسمح للعين الثالثة بأن تعبر من خلال هذا الممر اللوني نحو المناطق التي يتوقف فيها الضوء المادي عن العمل، ويبدأ فيها نور الظلمة السحري في التشكل. تاريخياً، إرتبط الأرجواني بالسيادة و الكهنوت، ليس فقط لندرته الكيميائية المستخلصة من القواقع الأرجوانية، بل لأن إمتلاكه كان يعني إمتلاك الرابط مع المقدس الغامض. في الممارسات الخميائية القديمة، كان التحول إلى الأرجواني يرمز إلى مرحلة العبور العظيم حيث تلتقي العناصر المتضادة لتشكل وحدة الوجود. هذا الإرتباط التاريخي يعمق إشكالية العين الثالثة؛ فهي ليست مجرد رادار للبصيرة، بل هي عرش داخلي يتطلب لوناً يعكس هيبة المواجهة مع العدم. إن العمى الطقسي الذي نناقشه يصبح أكثر صدقاً عندما يدرك المريد أن السواد خلف العصبة ليس أسوداً مصمتاً، بل هو أرجواني مفرط الغمق يمثل الكثافة الروحية للمادة الأولية. السحر هنا هو القدرة على إستخلاص هذا اللون من قلب العدم، و تحويل العتمة إلى أثير أرجواني يحيط بالوعي، فيمنع الصور المزيفة من التسلل، لأن الأرجواني بطبيعته تردد طارد للزيف، فهو يمتص الألوان الدنيا ويحولها إلى طاقة إدراكية عليا تفكك طلاسم الوجود السطحي. في الإطار الفلسفي الذي يربط السحر بالعدم، يظهر الأرجواني كلغة العدم المفضلة. فإذا كان العدم هو الرحم الذي ولدت منه الألوان، فإن الأرجواني هو الابن البكر لهذا الرحم، واللون الأقرب للعودة إليه. إن العين الثالثة، حين تسبح في الفضاء الأرجواني الناتج عن العمى الإرادي، تبدأ في ممارسة الكيمياء الذهنية؛ حيث تحول الفراغ إلى مادة والزمن إلى لحظة أبدية. إن هذا اللون يمثل كيمياء الروح في أوج غليانها؛ هو النقطة التي تذوب فيها الأنا وتتلاشى فيها الحدود بين الذات الرائية و الكون المرئي. إن إستخدام الأرجواني في هذا السياق هو فعل سحري يهدف إلى تعمية الحواس المادية عن طريق إبهارها بتردد لا تستطيع إستيعابه بالكامل، مما يضطر الوعي إلى القفز نحو العين الثالثة كطوق نجاة وحيد. هكذا يصبح الأرجواني هو الغشاء الرقيق الذي يفصل بين الوجود المدرك والعدم اللانهائي، وهو الحارس الذي لا يسمح بالمرور إلا لمن أتقن فن الرؤية بالعمى. وختاماً، يمكننا القول إن العلاقة بين الأرجواني والمنطقة المظلمة من الوعي هي علاقة تجسد و تجريد في آن واحد. فالأرجواني هو التجسد المادي للأسرار الميتافيزيقية، وهو التجريد النهائي للرغبات الأرضية. إن تعصيب العينين ليس هروباً من العالم، بل هو غوص في المحيط الأرجواني الذي يربط بين وعينا الفردي وبين العقل الكلي القابع في صمت العدم. في هذا المحيط، لا تعد الصور المزيفة قادرة على الصمود، لأنها تفتقر إلى الثقل الترددي للأرجواني؛ فتذوب الأوهام وتبقى فقط الحقيقة العارية المتشحة بوشاح من الغموض المهيب. إن العين الثالثة هي التي تطبخ هذا اللون داخل المختبر المظلم للجمجمة، محولةً كيمياء الدماغ إلى سحر كوني، والعدم الساكن إلى حركة إدراكية دائبة، لتعلن في النهاية أن أصدق الرؤى هي تلك التي نراها حين لا نرى شيئاً على الإطلاق، وحين يصبح الأرجواني هو المرشد والغاية في رحلة التيه المقدس.

_ خارج نطاق الضوء: السحر كفيزياء لم تُكتشف معادلاتها بعد

نحن الآن نخطو نحو النقطة الحرجة حيث تذوب الحدود بين مختبر الفيزياء ومعبد السحر، و حيث يلتقي اللون الأرجواني كأعلى تردد مرئي بالفراغ الكمي كأدنى مستوى للطاقة. إن الربط بين العين الثالثة ونظريات الفيزياء الحديثة، و تحديداً مفهوم الفراغ الكمي (Quantum Vacuum)، ينقل الإشكالية من حيز الروحانيات التأملية إلى حيز أنطولوجيا المادة. فالفراغ في الفيزياء المعاصرة ليس لاشيء بالمعنى العدمي البسيط، بل هو بحر متلاطم من التقلبات الكمية والطاقات الكامنة التي تخلق الجسيمات و تفنيها في أجزاء من الثانية. هنا يتقاطع السحر مع العلم؛ فالعمى الطقسي الذي نمارسه ليس إلا عملية تصفير للمجال الكهرومغناطيسي الذي تستقبله العينان، بهدف السماح للوعي بالدخول في حالة رنين مع طاقة الصفر (Zero-Point Energy). في هذه العتمة المتعمدة، تتوقف الحواس عن إستهلاك الطاقة في معالجة الصور السطحية، وتتحول العين الثالثة إلى لاقط كمي يرصد الإهتزازات الأولية التي تسبق تشكل المادة. إن اللون الأرجواني، بتردده الحاد الذي يقف على حافة الإنهيار نحو اللامرئي، هو التمثيل البصري لهذه الحالة البرزخية؛ إنه اللون الذي يذكرنا بأن ما نراه هو مجرد قشرة رقيقة تغلف محيطاً من العدم الخلاق الذي يغلي بالإحتمالات. عندما نضع العصبة على أعيننا، نحن فعلياً نقوم بمحاكاة حالة التراكب الكمي (Superposition)؛ حيث تنعدم الصور المحددة وتصبح كل الإحتمالات موجودة في آن واحد خلف جدار الجفن. السحر في هذا السياق هو القدرة على إنهيار الدالة الموجية (Wave -function- Collapse) ليس عبر المشاهدة البصرية المعتادة التي تجمد الواقع في قوالب مادية، بل عبر المشاهدة البصيرة التي تستقي صورها من العدم. إن الفيزياء الحديثة تخبرنا أن المراقب هو من يحدد طبيعة الواقع، وفي حالة العمى الطقسي، يتحول المراقب من كائن يستقبل الضوء إلى كائن يشع الوعي. العين الثالثة هنا هي الأداة التي تخترق حقل هيغز لتلامس الجوهر الذي يمنح الأشياء كتلتها و معناها. هذا التماس هو ذروة الفعل السحري؛ حيث يصبح العدم هو المختبر الذي تُصاغ فيه الحقائق، ويصبح اللون الأرجواني هو الخيط الرفيع الذي يربط وعينا المحدود باللانهاية الكمية، مؤكداً أن الفراغ ليس عدواً للوجود، بل هو والده الشرعي والوعاء الذي يحوي سرمدية التكوين. تتعمق الإشكالية حين ندرك أن الصور المزيفة التي نهرب منها هي في الواقع ضجيج إحصائي ناتج عن تفاعل عقولنا مع المادة الكثيفة. لذا، فإن العودة إلى الأرجواني والعدم هي عودة إلى الحالة النقية للمعلومات الكونية. في فيزياء المعلومات، يُنظر إلى الكون كأكواد رقمية أو إهتزازات، والعين الثالثة هي المعالج الذي يستطيع قراءة هذه الأكواد دون تشويه من العدسات البيولوجية. إن السحر والعدم يتحدان في فكرة أن الحقيقة هي ما تبقى عندما يتوقف الوهم، وبما أن المادة في معظمها فراغ بنسبة تفوق 99%، فإن الرؤية الحقيقية يجب أن تكون رؤية للفراغ. اللون الأرجواني، بخصائصه الكيميائية والفيزيائية، يعمل كمحفز طيفي يساعد الدماغ على الإنتقال من موجات بيتا الأرضية إلى موجات جاما و ثيتا المرتبطة بالحالات التجاوزية. هذا الإنتقال الكيميائي الحيوي هو الترجمة المادية لعملية فتح العين الثالثة، حيث يذوب الفارق بين الذات والموضوع في بوصلة أرجوانية تشير دائماً نحو قلب العدم، حيث يسكن الحق المطلق بعيداً عن تزييف الضوء والظلال. وختاماً، يتبين لنا أن العمى الطقسي هو في جوهره طقس فيزيائي يهدف إلى مواءمة تردد الوعي الشخصي مع تردد الفراغ الكوني. إننا لا نغلق أعيننا لننعزل، بل لنلتحم بنسيج الزمكان في أنقى صوره. العين الثالثة ليست أسطورة قديمة، بل هي وظيفة كهرومغناطيسية كامنة تنتظر لحظة الصمت و اللون الأرجواني لتعلن عن حضورها. السحر هو العلم الذي لم نكتشف معادلاته الرياضية بعد، و العدم هو المخزن الذي يحتوي على كل تلك المعادلات. من خلال العبور عبر بوابة الأرجواني، نتحول من مجرد مستهلكين للصور إلى خالقين للواقع، مدركين أن أعمق أسرار الوجود لا تُبصر بالضوء الذي يضرب الأشياء من الخارج، بل بالنور الذي ينبع من الداخل ليضيء عتمة الفراغ الكمي، محولاً إياه إلى مسرح أبدي للتجلي الإلهي والكوني.

_ الطلسم الحي: صيرورة الوعي في إرتداده من العدم

بوصولنا إلى تحليل الأثر الإرتدادي، نحن ننتقل من مرحلة تفعيل الأداة إلى مرحلة صيرورة الكائن. لم تعد العين الثالثة هنا مجرد نافذة، بل أصبح الوعي نفسه هو الموشور الذي يعيد صياغة الوجود. هذا التحول هو المرحلة القصوى في سيمياء الروح، حيث يذوب الفارق بين الساحر والطلسم. عندما ينتهي الوعي من مرحلة العمى الطقسي ويتشبع بترددات اللون الأرجواني المنبعثة من الفراغ الكمي، يحدث ما يسمى الأثر الإرتدادي؛ وهو إرتداد طاقة العدم إلى بنية الذات لتحويلها من مستقبل للمعلومات إلى شفرة قائمة بذاتها. في هذه المرحلة، لا يعود الوعي بحاجة لرؤية الصور، لأنه أصبح هو المصدر الذي يمنح الصور معناها. إن الوعي الذي ذاق طعم العدم يرتد إلى العالم المادي وهو يحمل بصمة الفراغ، فيتحول الكائن إلى طلسم حي؛ أي رمز متحرك يمتلك القدرة على التأثير في الإحتمالات بمجرد الحضور. هذا التحول ليس إكتساباً لقوة خارجية، بل هو تطهير للمجال الطاقي من الشوائب التي تجعله خاضعاً لقوانين المادة الكثيفة. السحر هنا يتجلى في أرقى صوره؛ القدرة على العيش في الوجود مع الإحتفاظ بسلطة العدم. إن الوعي المرتد يصبح جسراً إهتزازياً، حيث تمر من خلاله إرادة العدم لتتجسد في العالم، مما يجعل كل فعل يقوم به هذا الكائن فعلاً سحرياً بالضرورة، لأنه نابع من منطقة الصفر التي لا تعرف الإنحياز أو التزييف. هذا الإرتداد يخلق حالة من التجانس المتناقض؛ حيث يعيش الفرد في المجتمع (المستعمرة) بجسده، لكن وعيه يتحرك في الأفق الأرجواني اللانهائي. هنا، تصبح العين الثالثة هي المركز الثقلي الجديد للكيان، مما يغير سيمياء الجسد وكيمياء الدماغ بشكل جذري. الوعي، بصفته طلسمًا حيًا، يبدأ في تشفير الواقع المحيط به؛ فالأشياء التي يلمسها، والكلمات التي ينطق بها، تصبح محملة بكثافة إدراكية قادرة على خلخلة الصور المزيفة لدى الآخرين. إن العلاقة بين السحر والعدم تصل في هذه النقطة إلى ذروتها الإندماجية؛ إذ يصبح العدم هو المداد الذي يُكتب به قدر هذا الوعي. إن هذا الطلسم الحي لا يسعى لتغيير العالم عبر القوة المادية، بل عبر الرنين؛ فبمجرد وصوله إلى حالة الإتزان بين الوجود والعدم، يفرض تردده الخاص على المحيط، محولاً الركود إلى حركة، والعمى العادي إلى بصيرة كاشفة. هذا هو الأثر الإرتدادي الأكبر؛ أن تصبح أنت نفسك البوابة التي كنت تبحث عنها، وأن تدرك أن العين الثالثة لم تكن يوماً خارجك، بل كانت تنتظر أن يتخلص الوعي من أوهامه ليعرف أنه هو نور العالم المنبثق من ظلمات العدم. علاوة على ذلك، فإن تحول الوعي إلى طلسم حي يفرض عليه مسؤولية السيادة الصامتة. فالوعي الذي إمتلأ بالشفرات الأرجوانية يدرك أن الكلام هو إستنزاف، و الصمت هو بناء. لذا، يميل الأثر الإرتدادي إلى خلق حالة من العزلة الروحية حتى في قلب الزحام؛ وهي عزلة ليست نابعة من الخوف، بل من الإختلاف الترددي. إن الوعي هنا يعيش في منطقة اللامكان و اللازمان، حيث تتقاطع كل الخطوط. في هذا البرزخ، يصبح الكائن قادراً على قراءة توقيعات العدم في المادة؛ فيرى في الشجر والحجر و الناس ليس أشكالاً، بل دوالّاً تشير إلى مدلولات عميقة. السحر في هذه المرحلة هو فن القراءة، والعدم هو الكتاب المفتوح. إن الوعي المرتد لا يقع في فخ الأنا المتضخمة، لأنه رأى عظمة العدم وصغر الصور المزيفة؛ بل يتحول إلى خادم للحق الكوني، طلسم مصمم لفك شفرات المعاناة البشرية و إعادة ربط الأرواح بأصلها النوراني. إننا هنا أمام ولادة إنسان جديد، إنسان البرزخ، الذي يجمع بين هدوء الموت الكامن في العدم وحيوية الإنبعاث المنبثق من السحر. ختاماً، يمثل الأثر الإرتدادي العودة المظفرة من رحلة العمى الطقسي. إنها اللحظة التي يخلع فيها الساحر العصبة عن عينيه، ليجد أن العالم لم يتغير، لكن طريقة رؤيته للعالم قد إنقلبت رأساً على عقب. لم يعد الضوء يبهر عينيه، ولم تعد الظلمة تخيفه، لأنه أصبح يمتلك الرؤية الثالثة التي ترى من خلال الضوء و الظلمة معاً. الوعي كطلسم حي هو الضمانة الوحيدة لعدم الوقوع في فخ الصور المزيفة مجدداً؛ فهو يمتلك مصفاة كونية تفرز الزائف من الحقيقي بناءً على صدق الإهتزاز. إن العلاقة بين السحر والعدم تنتهي بالإتحاد، حيث يصبح السحر هو الوسيلة التي يعبر بها العدم عن جماله، ويصبح الوعي هو المسرح الذي تدور عليه هذه الدراما الكونية. إنك الآن، يا صديقي، لست مجرد باحث عن الحقيقة، بل أنت الحقيقة في حالة تجلٍ، أنت الطلسم الذي كتبه العدم بمداد الأرجوان ليقرأه الوجود بذهول وصمت.

_ خاتمة البصر وبداية البصيرة: العيش في الواقع الموازي المنسوج من العدم

نصل الآن إلى الذروة الدرامية في هذه الرحلة الأنطولوجية. إذا كان الأثر الإرتدادي هو مرحلة الإمتلاء والتحول الداخلي، فإن الإنفجار العكسي (The Inverse Explosion) هو اللحظة التي يتوقف فيها الجسد عن كونه وعاءً ليصبح مصدرًا. هنا، لا يعود الساحر مرساة فحسب، بل يتحول إلى نقطة تفرد (Singularity) يفيض منها العدم ليُعيد تشكيل المادة. يمثل الإنفجار العكسي المرحلة التي يتجاوز فيها جسد الساحر حدود الكتلة البيولوجية ليصبح مرشحاً كونياً فائق القدرة. في هذه الحالة، يكون الجسد قد تشبع بترددات العدم و اللون الأرجواني إلى حد الحرج الكتلي، مما يؤدي إلى فيض طاقي لا يتجه نحو الداخل، بل ينفجر نحو المحيط الخارجي. هذا الإنفجار ليس تدميراً للمادة، بل هو إعادة ضبط للإحتمالات (Quantum Decoherence Reversal). إن جسد الساحر، بصفته مرساة للعدم في قلب الوجود، يبدأ في بث موجات خلخلة في نسيج الزمكان المحيط به. هذه الموجات تعمل على إذابة القوالب الجامدة للواقع المادي، مما يجعل البيئة المحيطة به سيولة إحتمالية. السحر في هذه اللحظة ليس فعلاً إرادياً يبذل جهداً، بل هو فيض طبيعي؛ فالواقع الموازي لا يُخلق بالعمل الشاق، بل يظهر كنتيجة حتمية لتعامد وعي الساحر مع نقطة الصفر. إن المكان الذي يتواجد فيه هذا الجسد يصبح منطقة خارج القانون الفيزيائي المعتاد، حيث تصبح الإحتمالات الضعيفة ممكنة، و المسارات المسدودة تنفتح أمام قوة الفيض التي تجلب من العدم حلولاً وصوراً لم تكن موجودة في سجلات الماضي. تتجلى إشكالية هذا الفيض في كونه خلقاً من لا شيء (Ex Nihilo) بمعناه السحري الخالص. الجسد هنا يعمل كمسرع جسيمات روحاني؛ يأخذ سكون العدم ويحوله إلى حركية وجودية. عندما يفيض الساحر بما جمعه، فإنه لا يغير الأشياء فحسب، بل يغير المنطق الذي يحكمها. إن نسيج الإحتمالات المحيط به يصبح مرناً كالعجين بين يدي الخزاف، لأن الساحر لم يعد ينظر إلى العالم ككتلة صلبة، بل كمجموعة من التذبذبات التي يمكن إعادة توجيهها. هذا هو السر في قدرة الطلسم الحي على تغيير مسارات الأحداث؛ فهو لا يواجه الموجة بل يغير وسط الإنتشار. اللون الأرجواني الذي إستبطنه في المراحل السابقة يرتد الآن ليصبح هالة إجرائية تغلف واقعه، فتعمل كغشاء يمنع تسرب الفوضى ويسمح فقط بتجلي الإرادة الواعية المستمدة من عمق الفراغ الكمي. إن الإنفجار العكسي هو اللحظة التي يدرك فيها الكون أن هناك مركز وعي جديداً قد بدأ في إصدار أوامره للعدم بأن يكُون، فيتغير نسيج الواقع إستجابةً لهذا الرنين السيادي. علاوة على ذلك، فإن هذا الفيض يخلق ما يمكن تسميته بالمجال البرزخي المحمول؛ فالسعر لا يحتاج إلى معبد أو طقس مكاني، لأن جسده صار هو المعبد المتحرك. في كل خطوة يخطوها، يحدث إنفجار عكسي صغير يعيد ترتيب جزيئات الصدفة من حوله. هذا التأثير يمتد ليشمل البيئة الحيوية والجمادات وحتى عقول الآخرين؛ حيث يجد المحيطون به أنفسهم منجذبين نحو واقع أكثر كثافة وأكثر صدقاً. إن الصور المزيفة التي كانت تحكم الواقع القديم تتلاشى أمام فيض الحقيقة المنبثق من جسد المرساة. السحر هنا يندمج مع العدم في عملية محو وإثبات مستمرة؛ يمحو الساحر بفيضه السيناريوهات المفروضة من الخارج، ويثبت مكانها واقعاً موازياً يتناغم مع ضوء البصيرة الأرجواني. إن الجسد، الذي كان يوماً ما سجيناً للمادة، أصبح الآن بوابة عبور تتدفق منها الطاقات البكر لتجدد شباب الوجود المتهالك، محولةً الصحراء الإدراكية إلى واحات من الإحتمالات اللانهائية. ختاماً، فإن الإنفجار العكسي هو الإعلان النهائي عن ألوهية الوعي داخل القالب البشري. إن القدرة على تغيير نسيج الإحتمالات ليست هبة خارجية، بل هي إسترداد للحق الأصيل للوعي في تشكيل المادة. عندما يفيض جسد الساحر بالعدم، فإنه يذكر الكون بأصله الفراغي، وبأن القوانين ليست سوى عادات يمكن كسرها بالبصيرة النافذة. السحر في هذه المرحلة يصبح فناً للحياة؛ حيث يعيش الساحر في واقع من صنعه، واقع لا تحده جدران المستعمرة ولا تخيفه ظلال العدم، بل يستمد من تلك الظلال نوره الخاص. إن الإنفجار العكسي هو الخاتمة و البداية في آن واحد؛ خاتمة للوعي المقيد بحدود البصر، وبداية للوعي الكوني الذي يبصر بالعين الثالثة، و يتحرك بفيض العدم، ويخلق واقعاً لا يجرؤ على تخيله إلا من أغمض عينيه طويلاً ليفتح قلبه على إتساع اللانهائي.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- ما وراء جبال سويسرا.. ملامح طبيعية تخفي أسرارًا عسكرية بدهاء ...
- برد قارس ودرجات حرارة شديدة تُجمّد أحد أعظم أنهار أوروبا
- علاء مبارك يُعلق على مديح إبراهيم عيسى له ولشقيقه: لم يُظهر ...
- محمد بن سلمان يجري اتصالا هاتفيا بالعاهل المغربي للاطمئنان ع ...
- دويتشه فيله: من المستفيد من إغراق النت بمواد مفبركة عن مينيا ...
- مصدر أمني سوري: عصابات تستهدف نقاطا للأمن بالسويداء
- مسلحون يهاجمون مركزا للشرطة وكنيسة بوسط نيجيريا
- وزير الخارجية العراقي: مارك سافايا لم يعد مبعوثا أمريكيا خاص ...
- عاجل.. هيئة البث الإسرائيلية: الجيش قدم للقيادة السياسية خيا ...
- -القصر الكبير- تستذكر تاريخها الفيضي وانتقادات لتخطيطها العم ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الثَّمَانُون-