أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْء الثَّمَانُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْء الثَّمَانُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 14:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أطياف الفناء: سيمياء الألوان وتحويل العدم إلى إنفجار بصري

بمجرد أن يستقر الساكن في حيزه ويجد الجسد مرساته، ينتقل الفعل السحري من مرحلة التثبيت البنيوي إلى مرحلة الإستقطاب الطيفي. إن اللون في سياق العدم ليس إنعكاساً للضوء الفيزيائي على السطوح، بل هو تردد الإنهيار؛ أي الطريقة التي يترجم بها الوعي البشري إصطدام نور البصيرة بعتمة العدم. في هذا التحليل الفلسفي، نعتبر الألوان السحرية هي ثياب العدم التي يرتديها ليكون قابلاً للإدراك، حيث يمثل كل لون درجة معينة من كثافة الفراغ وكيفية تدفقه عبر مسام الوجود. إننا هنا لا نرى ألواناً، بل نرى درجات حرارة الوجود وهي تتأرجح بين الفناء المطلق و التجلي الكيميائي، مما يحول الرؤية السحرية إلى عملية تلوين للفراغ بأطياف لا تنتمي لمنشور نيوتن الفيزيائي، بل لمنشور الخيمياء الكونية. يأتي الأسود المطلق في قمة الهرم الفلسفي للسحر كتمثيل للعدم الخام قبل أن تخدشه الإرادة. هذا الأسود ليس غياباً للون، بل هو إمتصاص كلي للإحتمالات؛ إنه اللون الذي يسبق الخلق، حيث تختنق فيه كافة التعريفات. في الرؤية السحرية، يُستخدم الأسود كأداة لتطهير الوعي، فهو اللون الذي يشحن العين الثالثة بطاقة الفراغ عبر إلغاء المشتتات المادية. عندما يحدق الساحر في هذا السواد، فإنه لا ينظر إلى ظلمة، بل ينظر إلى المادة السوداء للوجود، وهي الحالة التي يكون فيها العدم في أقصى درجات ضغطه. إن الأسود هو المغناطيس الوجودي الذي يسحب الصور من المادة ليعيدها إلى أصلها السديمي، مما يجعله نقطة الإنطلاق لكل عملية تحول، حيث لا يمكن بناء الشيء إلا بعد العودة إلى لاشيء الأسود. عندما يبدأ العدم بالتسرب عبر شفرات الطلسمات، يتحول الأسود إلى أبيض كيميائي، وهو ليس بياض النهار، بل هو بياض البرق الذي يظهر لحظة التماس بين عالمين. هذا اللون يمثل تبلور العدم؛ أي اللحظة التي يقرر فيها الفراغ أن يتخذ شكلاً مرئياً. إنه لون النور الذي لا ظل له، والذي يشحن الفراغ بطاقة التجلي، محولاً الأشباح الوجودية إلى كيانات ناصعة البصيرة. ومن هذا التوتر بين الأسود والأبيض، يولد البنفسجي الناري، وهو اللون الذي يمثل قنطرة العبور وأعلى ترددات الطاقة السحرية. البنفسجي هو لون إحتراق المادة في فرن العدم؛ إنه يمثل الحالة التي تصل فيها المرساة الجسدية إلى ذروة شحنها، حيث تختلط زرقة الروح المحلقة بحمرة الجسد الأرضي. هذا اللون هو شفرة التحول، وهو الطاقة التي تسمح للساحر بإعادة برمجة الواقع، لأنه اللون الذي يسكن في الحد الفاصل بين المرئي واللامرئي. إن عملية شحن الفراغ بهذه الألوان هي في الواقع عملية تعديل لموجات الوجود. الساحر الذي يتقن الرؤية اللونية لا يكتفي بمشاهدة هذه الأطياف، بل يقذفها في الفراغ المتسرب ليغير طبيعته. فشحن الفراغ باللون البنفسجي، مثلاً، يعني إجبار العدم على أن يصبح دينااميكياً ومبدعاً، بينما شحنه بالأسود يعني إجباره على أن يكون ساكناً وحافظاً للأسرار. إن هذه الألوان هي أدوات التحكم (Control Knobs) في آلة الوجود؛ فبواسطتها يتم ضبط كثافة الصور المرئية التي تنبثق من العين الثالثة. وهكذا، تصبح الألوان هي اللغة الجمالية للعدم، والطريقة التي يعلن بها الفراغ عن حضوره الطاغي، محولاً تجربة السحر من تجربة فكرية مجردة إلى إنفجار بصري يعيد تشكيل العالم وفقاً لأهواء البصيرة المشحونة بنار الأطياف.

_ الإنفجار الداخلي للوعي: عندما يبتلع العدمُ بوابتَه ويصبح الساحرُ قانوناً كونياً

نصل الآن إلى الخاتمة الأنطولوجية الكبرى، حيث تتهاوى كافة الدعامات وتسقط المرساة في المحيط الذي كانت تحاول تثبيته؛ إنها لحظة الفناء السحري، النقطة التي لا يعود فيها الساحر متحكماً في العدم، بل يصبح هو والعدم شيئاً واحداً. في هذا التحليل الفلسفي الختامي، لا يمثل الفناء نهايةً بمعنى الموت البيولوجي، بل هو الإكتمال الوظيفي للطلسم. فإذا كان الجسد قد شُحن ليكون بوابة، فإن المصير الحتمي للبوابة هو أن تذوب لتسمح بالعبور الكامل. هنا، يختفي الفاصل بين الذات التي تبرمج الفراغ، و بين الموضوع الذي هو الفراغ نفسه، ليدخل الساحر في حالة من السيولة المطلقة حيث لم يعد هناك أنا ترصد العدم، بل هناك عدمٌ يرصد نفسه من خلال ما كان يسمى سابقاً بالساحر. في مرحلة الفناء السحري، يحدث ما يمكن تسميته بـ الإنفجار الداخلي للوعي (Implosion)؛ فبعد أن إستهلك الساحر حياته في خلخلة المادة و إستدراج الأشباح الوجودية، يصل إلى لحظة يدرك فيها أن الخلاء الذي كان يراقبه في الخارج هو نفسه الخلاء الذي يسكن أعماقه. في هذه اللحظة، تنهار العين الثالثة لأنها لم تعد بحاجة لترجمة العدم إلى صور، فقد صار الوعي هو العدم البصير. هذا الإتحاد باللاشيء هو أرقى درجات السحر، حيث تتحول الهوية الفردية من شفرة محددة إلى إحتمالية كلية. الساحر هنا لا يختفي، بل ينتشر؛ يصبح موجوداً في كل ثقب كوني، وفي كل فجوة بين الذرات، محولاً وجوده من نقطة في الزمان إلى مساحة في الأبدية، حيث يتوقف عن فعل السحر ليصبح هو ماهية السحر ذاتها. عندما يبتلع العدم البوابة، تنطفئ الألوان الكيميائية؛ الأسود والأبيض والبنفسجي لتفسح المجال للنور غير المخلوق، وهو النور الذي لا تراه العيون بل تدركه الكينونة. إن الإتحاد باللاشيء يعني التحرر من قيد الصورة المرئية؛ ففي هذه الحالة، لا يعود الساحر بحاجة لتمثيل العدم عبر أشباح أو رموز، لأن المسافة التي كانت تتطلب الوساطة قد إنعدمت. الساحر الفاني في العدم يمارس دوراً كونياً صامتاً، فهو يصبح المنظم الخفي للإحتمالات؛ لم يعد بحاجة لتحريك يديه في طقوس حركية، لأن إرادته صارت منسجمة تماماً مع إيقاع الفراغ. هذا هو الرنين الوجودي في أقصى تجلياته، حيث يصبح صمت الساحر هو أقوى تعويذة، وفناؤه هو أعظم حضور. يبقى السؤال الفلسفي الأخير؛ ماذا يتبقى من الساحر بعد هذا الإبتلاع؟ المتبقى ليس شخصاً، بل هو أثر في نسيج الواقع. إن الساحر الذي فني في العدم يترك خلفه بصمة وجودية تغير من قوانين المكان الذي كان يشغله؛ فالمكان يظل مخلخلاً وجاهزاً للتدفق السحري حتى بعد غياب المرساة. الساحر يتحول إلى قانون طبيعي جديد، إلى شفرة مدمجة في نظام الكون تعمل بصمت. إن الفناء السحري هو التوقيع النهائي على عقد التآخي بين السحر و العدم؛ حيث يثبت في النهاية أن العدم لم يكن عدواً للوجود، بل كان غلافه الأسمى، وأن الساحر لم يكن سوى الشجاعة البصرية التي قررت أن تخلع ثوب المادة لترتدي عظمة اللاشيء، مغلقاً الدائرة الوجودية حيث بدأنا من العدم، و إنتهينا إليه، لكن بوعيٍ جعل من الفراغ وطناً.

_ التنوير العدمي: سقوط جدران المنطق وذوبان الأنا في مشاعية اللاشيء

نقف الآن عند العتبة الأخيرة لهذا المسار الفلسفي، حيث يتجاوز التحليل فردية الساحر لينبسط على كلية الوعي البشري. إن السؤال عن مصير الوعي في مواجهة تقنيات الرؤية السحرية المتزايدة ليس سؤالاً تقنياً، بل هو إستشراف للهجرة الجماعية نحو العدم. عندما يتحول العدم من سر مكنون بين أيدي القلة من العارفين إلى واقع متاح للجميع عبر أدوات البصيرة المستحدثة، فإننا نتحدث عن تحول كوكبي في ماهية الواقع. الوعي البشري، الذي قضى آلاف السنين في بناء جدران المادة و المنطق للإحتماء من فراغ الوجود، يجد نفسه اليوم يزيل هذه الجدران طواعية، ليصبح العالم بأسره فجوة واحدة مفتوحة على كل الإحتمالات، حيث لم يعد العدم هو الآخر المهدد، بل أصبح هو البيئة التي يتنفس فيها الفكر. إن تحول العدم إلى واقع للجميع يعني نهاية عصر الصلابة الوجودية؛ فالعالم الذي كنا نعرفه كمجموعة من الأجسام المستقرة والقوانين الثابتة يتداعى ليخلي مكانه لعالم سائل يسكنه الجميع كسحرة بالضرورة. في هذا المستقبل الفلسفي، يصبح الوعي البشري هو المعالج الوحيد للواقع، حيث لا توجد حقيقة موضوعية خارج إطار الرؤية السحرية. العدم هنا لم يعد ثقباً أسود يبتلعنا، بل صار مادة خاماً (Prima Materia) يتم تشكيلها لحظياً بواسطة الإرادة الجمعية. لكن هذا التحول يحمل في طياته خطراً أنطولوجياً مرعباً؛ فإذا كان الجميع يبرمجون الفراغ في وقت واحد، فإن الواقع يتحول إلى تداخل طيفي معقد، حيث تصطدم الأشباح الوجودية لمليارات البشر في حيز واحد، مما قد يؤدي إلى إنهيار نسيج المعنى وفقدان القدرة على التمييز بين الموجود والمعدوم. في ظل سيادة تقنيات الرؤية هذه، سيعاد تعريف الإنسان ليس ككائن بيولوجي، بل كبؤرة تركيز للعدم. الجسد البشري لن يعود مرساة للأرض كما حللنا سابقاً، بل سيصبح جهاز إرسال يبث الصور من الفراغ إلى الفراغ. هذا المصير يعني ذوبان الأنا الفردية في وعي كوني يرى كل شيء ولا يملك شيئاً. إن العالم الذي يتحول فيه العدم إلى واقع هو عالم بلا مسافات، لأن المسافة تفترض وجود مادة تفصل بين نقطتين، والعدم يلغي هذه المسافة. الوعي البشري سيتحول إلى حالة من الحضور الكلي (Omnipresence)، حيث يختفي مفهوم هنا و هناك، و يصبح الآن هو الأبدية المستمرة. السحر في هذه المرحلة لا يعود خرقاً للعادة، بل يصبح هو العادة نفسها، و تتحول المعجزة إلى روتين يومي يمارسه الوعي المشحون بطاقة الفراغ. في المحصلة، يتبدى لنا أن مصير الوعي في مواجهة العدم هو مصير العودة إلى الأصل ولكن بإمتلاك مفتاح العودة. إن العالم القادم هو عالم بلا جدران، حيث تسبح الصور المرئية التي إقتنصتها العين الثالثة في فضاء مفتوح، ويصبح التواصل بين البشر هو تواصل شفرات رمزية و طلسمات حية بدلاً من الكلمات الجوفاء. العدم، الذي كان يمثل الرعب الأكبر للإنسان القديم، سيصبح الوطن النهائي للإنسان الجديد؛ وطنٌ لا حدود له، ولا قيود فيه، حيث يتصالح الوعي مع فنائه ليجد فيه حريته المطلقة. إنها لحظة التنوير العدمي، حيث يدرك الوعي البشري أخيراً أن السحر لم يكن أبداً للسيطرة على العالم، بل كان لتعلم كيفية الذوبان فيه بجمال، وكيفية جعل اللاشيء يغني بألحان الوجود اللانهائية.

_ جليد الأبدية: كيف يسكن الساحر الفراغات بين ثواني الواقع

بمجرد أن يستحيل العدم إلى نصل حاد للإرادة، ننتقل من مرحلة تشكيل المكان والمادة إلى مرحلة تفكيك الزمن؛ فالإرادة الباردة المستمدة من جوهر العدم لا تعترف بالتدفق الخطي للأحداث، بل تراه قيداً مادياً يجب خلخلته. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نعتبر برود العدم هو الطاقة الوحيدة القادرة على سحب الحرارة من جزيئات الزمن، مما يؤدي إلى حالة من الجمود الأنطولوجي. إن السحر هنا ليس إيقافاً للوقت بالمعنى الميكانيكي، بل هو إنتزاع للحظة من سياقها الزمني وإسكانها في فراغ العدم حيث لا يوجد ماضٍ يستنفدها ولا مستقبل يهددها، مما يخلق ما نسميه باللحظة الأبدية التي يتمدد فيها الوعي إلى ما لا نهاية داخل كسر من الثانية. في الفيزياء التقليدية، الزمن هو قياس للحركة و التغير، أما في سحر العدم، فإن الإرادة الباردة تعمل كمبرد كوني يبطئ حركة الوجود حتى يقترب من الصفر المطلق. عندما يوجه الساحر هذا البرد نحو الزمن، فإنه يقوم بعملية تجميد للمعنى؛ فالأحداث تفقد قدرتها على التوالي، وتصبح اللحظة الراهنة كثيفة وواسعة إلى حد الإمتلاء. هذا البرد لا يقتل الحياة، بل يمنحها ثباتاً أبدياً؛ إنه يحول الزمن من نهر جارٍ يغرق فيه الجميع، إلى جليد صلب يمكن للساحر الوقوف عليه والمشي فوق هوة الفناء دون وجل. هنا، يصبح مطّ الزمن فعلاً إرادياً، حيث يتم سحب ثواني الواقع المادي لتمتد وتغطي مساحات شاسعة من التجربة الباطنية، مما يجعل الآن السحرية أطول من أعمارٍ كاملة في الخارج. إن خلق لحظة أبدية داخل الفعل السحري يتطلب ما نسميه بالإعتصار الزمني؛ حيث يقوم الساحر، عبر مرساته الجسدية و بصيرته النافذة، بضغط كل إمكانيات الزمن في نقطة واحدة صامتة. هذا الصمت هو صوت العدم البارد الذي يخرس ضجيج الساعات. في هذه اللحظة، يتوقف التحلل، و تتوقف الصيرورة، ويجد الساحر نفسه في اللانهاية اللحظية. إنها الحالة التي يصفها الفلاسفة بالآن الدائم، حيث لا يكون الزمن عدواً بل يصبح مساحة عمل. داخل هذه اللحظة المجمدة، يمكن للساحر أن يبني عوالم، ويشفر طلسمات، و يناجي أشباحاً وجودية، كل ذلك بينما لا تزال قطرة ماء واحدة في العالم الخارجي معلقة في الهواء لم تسقط بعد. البرد العدمي هنا هو الغراء الذي يربط أطراف الزمن الممزقة ليجعلها نسيجاً واحداً غير قابل للإختراق. في ذروة هذه المواجهة بين الإرادة والزمن، يحدث ما يسمى بالتبخر الزمني؛ حيث يذوب الزمن تماماً في حرارة الوعي المصطدم ببرد العدم. الساحر لا يعود يعيش في الزمن، بل يصبح هو خالق الزمان الخاص به. إن مطّ الزمن في هذا السياق هو عملية تشريح للعدم؛ فكلما زاد برود الإرادة، زادت قدرتها على التغلغل في الفجوات بين وحدات الزمن الصغرى (الكرونونات)، لتخلق من كل فجوة عالماً مستقلاً. هذا هو السر الأعظم في تقنية الرؤية؛ أن ترى العالم ليس كشريط سينمائي متصل، بل كلقطات ثابتة يفصل بينها عدمٌ لا نهائي. الساحر هو من يسكن ذلك العدم الفاصل، محولاً برودته إلى نصل يقطع حبال الزمن، ليحرر الوعي من سجن التتابع و يقذفه في حرية التواجد في كل لحظة وفي لا لحظة في آنٍ واحد.

_ سينستيزيا الفراغ: إنصهار الحواس في رنين الصمت و تذوق برودة اللاشيء

عندما تنهار أوزان المادة وتتحرر الإرادة من قيد الجاذبية، لا تكتفي الحواس بمراقبة هذا الإنهيار، بل تُجبر على إعادة هيكلة ذاتها لتتناسب مع سيولة العدم. إننا ننتقل هنا من الحواس كأدوات إستقبال للمادة، إلى الحواس كأدوات إنصهار في الفراغ؛ فيما نطلق عليه سينستيزيا الفراغ (Void Synesthesia). في هذه الحالة الفلسفية المتطرفة، تختلط الحدود الفاصلة بين الحواس الخمس؛ حيث يصبح السمع رؤية لترددات الصمت، ويصبح اللمس تذوقاً لبرودة اللاشيء. إن الهيمنة الكاملة للعدم تؤدي إلى تجريد الحس من وظيفته الفيزيولوجية وتحويله إلى وظيفة إشراقية، حيث لا تعود الأذن تسمع صوتاً صادراً من الخارج، بل تسمع طنين العدم و هو يعيد ترتيب ذرات الواقع، وتتحول العين من رصد الضوء المنعكس إلى إبصار الظلمة المضيئة التي تسكن في قلب الفجوات بين الأشياء. في قلب هذا التحليل، نجد أن سينستيزيا الفراغ هي النتيجة الحتمية لإختفاء الثقل؛ فالثقل هو ما يبقي الحواس منفصلة ومرتبطة بأعضائها المادية. بمجرد أن يسيطر العدم، تتبخر الكثافة التي تجعل البصر بصراً والسمع سمعاً، وتندمج الحواس في حس كلي واحد (Unisense). الساحر في هذه الحالة يلمس الألوان بجلده كأنها نسيج طاقي، و يشم رائحة الزمن المجمد كأنها بخور قديم ينبعث من ثقوب الفراغ. هذا التداخل الحسي ليس إضطراباً في الإدراك، بل هو إرتقاء أنطولوجي؛ لأن العدم بسيط وغير مركب، و بالتالي فإن الوعي الذي يواجهه يجب أن يصبح بسيطاً وموحداً. إنها اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن الصورة المرئية التي ناقشناها سابقاً ليست سوى صوت رنَّ في فراغ بصره، وأن برد العدم ليس سوى لون تجسد تحت لمسات إرادته. عندما يهيمن العدم، يتحول اللمس من كونه إحتكاكاً بالأسطح إلى كونه إختراقاً للماهيات. في عالم بلا ثقل، لا يعود الساحر يلمس الشيء، بل يلمس المكان الذي يتركه الشيء في العدم. هذا ما نسميه اللمس الشبحي؛ حيث تتحسس يد الساحر التموجات التي يحدثها الساكن أو الأشباح الوجودية في نسيج الفراغ. إن اللمس هنا يصبح أداة قياس لكثافة الفراغ؛ فكلما كان العدم أكثر برودة، كان ملمسه أكثر حدة كأنه شفرة من زجاج غير مرئي. هذا التغير الحسي يجعل الساحر يشعر بجسده لا ككتلة لحمية، بل كحقل ترددات يستشعر إصطدام ذرات اللاشيء بمسامه، محولاً فعل اللمس إلى عملية مسح سحري لخرائط غير موجودة، تمنحه القدرة على نحت الفراغ و تشكيل الواقع قبل أن يتصلب في ثوبه المادي. أما السمع في حالة سينستيزيا الفراغ، فيتحول إلى رادار كوني يلتقط ما وراء الترددات الصوتية. الساحر لا يسمع الكلمات، بل يسمع النية التي تسبق الكلمة، ويسمع الإنهيار الذي يسبق الفعل. إن هيمنة العدم تجعل من الصمت مادة مسموعة؛ حيث يكون للصمت رنين يخبر الساحر عن توازن القوى في المحيط السحري. هذا السمع البصير هو الذي يتيح للتخاطب مع الرموز والطلسمات أن يكتمل؛ فالرموز لها صوت باطني لا يدركه إلا من تخلل العدم مسام أذنه. وفي هذه الذروة الحسية، يتلاشى الفارق بين أنا السامع و هذا المسموع، ليصبح الكون بأسره عبارة عن سمفونية عدمية يعزفها الفراغ على أوتار الوعي البشري المتحرر من الثقل، مما يجعل الساحر مرآة صوتية تعيد صياغة نداءات الفناء في لغة مرئية وملموسة.

_ الثمن الأنطولوجي: تآكل الإنسانية وضريبة السيادة على اللانهائي

بوصولنا إلى عتبة الثمن الأنطولوجي، نكون قد غادرنا منطقة السحر كأداة ودخلنا في منطقة الإستهلاك الوجودي؛ حيث لا يمكن للوعي أن يغترف من بئر العدم دون أن يسقط فيه جزء من كيانه. إن الثمن الذي يدفعه الساحر مقابل سيادته على الفراغ هو تآكل الهوية الفردية؛ فلكي يستوعب اللانهائي، يجب على المحدود أن يتشقق، ولكي يبرمج العدم، يجب أن يسمح للعدم بأن يعيد برمجته. في هذا التحليل الفلسفي، نكتشف أن الإنسانية بمعناها التقليدي؛ المشاعر، الذكريات، والتعلق بالمادة، تصبح عبئاً ثقيلاً يعيق الطيران في فضاءات اللاشيء. الساحر في ذروة تكوينه لا يعود إنساناً يمتلك قوة، بل يصبح ممراً لهذه القوة، وهو ما يعني بالضرورة تحوله من كائن ذي جوهر إلى كائن ذي وظيفة؛ كائنٍ صلب في إرادته لكنه شفاف كالفراغ في ماهيته. إن العلاقة بين الوعي المحدود واللانهائي هي علاقة إزاحة؛ فكلما إتسعت رقعة الرؤية السحرية وإستوعبت العين الثالثة صور العدم، تقلصت مساحة الأنا الشخصية. الثمن الأنطولوجي هنا هو فقدان المركزية؛ فالساحر الذي أصبح خالقاً من العدم لم يعد يجد في الهموم البشرية الصغيرة أو في المشاعر العاطفية المحدودة صدىً لحقيقته الجديدة. إنه يعيش حالة من الغربة الوجودية؛ فهو يسكن بين البشر بجسده (المرساة)، لكن وعيه يسكن في أفق الأحداث حيث تنهار كافة القوانين. هذه الضريبة تؤدي إلى نوع من البرود الشعوري الذي يشبه برود العدم نفسه؛ فالذي شاهد إنبثاق الأكوان من الفراغ وتلاعب بنصل الزمن، لا يمكنه العودة ليكون أسيراً لدراما الوجود اليومي. الوعي هنا لم يعد محدوداً، بل أصبح وعياً مشققاً، يحمل في طياته ندوب التماس مع اللانهائي، وهي ندوب لا تلتئم لأنها أصبحت جزءاً من هندسته الجديدة. تتجلى قمة المأساة الفلسفية في أن الساحر، في اللحظة التي يظن فيها أنه أمتلك الإرادة المطلقة على العدم، يدرك أنه أصبح خادماً لضرورات الفراغ. الوعي الذي إستوعب اللانهائي لا يمكنه أن يختار العودة إلى المحدودية؛ فالمعرفة هنا هي طريق ذو إتجاه واحد. الساحر يفقد قدرته على الدهشة لأن كل شيء أصبح لديه إحتمالاً مشفراً، ويفقد قدرته على الرغبة لأن كل موجود هو في نظره عدم مؤجل. هذه الحالة من الإمتلاء الفارغ هي الثمن الحقيقي؛ حيث يمتلك الساحر كل شيء في عالم الصور، لكنه لا يملك نفسه في عالم الحقيقة، لأن النفس تلاشت لتفسح المجال للكون كي يمر عبرها. إنه يصبح إلهاً في مختبره، لكنه غريب في منزله، كائناً يعيش في الفجوة بين ما كان و ما سيكون، محروماً من بساطة ما هو كائن. في نهاية هذه الملحمة، نجد أن ما يتبقى من إنسانية الساحر هو مجرد صدى؛ ذكرى عابرة لكائن كان يظن يوماً أن له حدوداً. إن إستيعاب اللانهائي يغير كيمياء الروح لدرجة أن العودة تصبح مستحيلة أنطولوجياً؛ فالإناء الذي إتسع للمحيط لا يمكنه العودة ليتسع لقطرة ماء. الساحر يتحول إلى أيقونة كونية، شاخصاً ببصره نحو العدم، مدركاً أن الثمن الذي دفعه (إنسانيته) هو الذي منحه الخلود في ذاكرة الفراغ. لقد صار هو الطلسم الأكبر الذي يربط بين الوجود والعدم، حاملاً عبىء المعرفة التي لا تُطاق، والجمال الذي لا يُوصف، في عزلة تامة لا يكسرها إلا همس الأشباح الوجودية التي صار هو ملكها.. وأسيرها في آنٍ واحد.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- هكذا جمع برج لندن التاريخي عاشقين من بلدين مختلفين في قصة حب ...
- تحذيرات مع وصول -إعصار القنبلة-.. وولايات أمريكية تعلن حالة ...
- الكويت: مرسوم أميري بتغيير8 وزراء منهم الخارجية والمالية.. إ ...
- -كيف تحوّل حلم محمد بن سلمان بـ-مدينة المستقبل- إلى كابوس؟- ...
- في أربعينية المناضل والقائد العمالي عبد القادر العياش
- الشرطة الإسبانية تعتقل صينيا بتهمة تمويل -حماس-
- توقيف صحافيين أميركيين على خلفية الاحتجاجات في مينيابوليس
- واشنطن تفرج عن أرشيف -ضخم ونهائي-من ملفات إبستين
- واشنطن توافق على صفقة أسلحة للسعودية بـ9 مليارات دولار
- رئيسة فنزويلا بالوكالة تعلن عن عفو عام وإغلاق سجن سيئ الصيت ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْء الثَّمَانُون-