حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 11:02
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ ماكدونالدز الروحية: تسليع العدم وإنكسار الرهبة في السحر المعاصر
تُمثل ظاهرة تبسيط السحر (Pop-Magic) أو نزعة الماكدونالدز الروحية في العصر الحديث واحدة من أكثر العمليات الفلسفية خطورة و تسطيحاً في تاريخ الفكر الباطني، حيث يتم إنتزاع السحر من سياقه الأصيل بوصفه مواجهة وجودية كبرى مع العدم، وتحويله إلى مجرد تقنية نفعية أو أداة للدعم النفسي وتحقيق الرغبات المادية الصغيرة. إن هذا التبسيط ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو إنقطاع معرفي (Epistemological Rupture) يُفرغ السحر من جوهره الميتافيزيقي؛ فبينما كان السحر التقليدي يقوم على فكرة الفناء في المطلق أو ترويض الفراغ الكوني الذي يتطلب تفكيك الأنا و مواجهة هول اللاشيء، نجد أن النسخة الحديثة منه تركز على تضخيم الأنا وخدمة الذات الإستهلاكية. إن ربط السحر بالعدم يتطلب وعياً بالهاوية (The Abyss)، وهي منطقة من الوعي لا تقبل التبسيط ولا يمكن إختزالها في خطوات خمس دقائق للشعور بالتحسن؛ فالعدم بطبيعته هو التعقيد المطلق المتخفي في صورة بساطة مطلقة، وعندما يحاول العصر الحديث تسليع هذه التجربة، فإنه يمحو الرهبة (Awe) و القداسة التي هي المحرك الأساسي لأي تماس حقيقي مع الفراغ الكوني. إن العدم في المنظومات القديمة كان يمثل المصدر المظلم الذي يحتاج إلى تضحية بالوعي المحدود من أجل نيل الحكمة اللانهائية، أما التبسيط الحديث فيعامل العدم كأنه صندوق هدايا فارغ ينتظر أن تملأه الرغبات البشرية السطحية، وهو ما يُعد تقليلاً جذرياً من العمق الفلسفي الذي جعل من السحر يوماً ما علماً للمطلق. إن هذا الإختزال المعاصر يعكس أزمة الهروب من الصمت في الحضارة الحديثة؛ فالتعامل مع العدم يتطلب صمتاً طويلاً ومواجهة مع الخلاء الذي لا يعطي إجابات فورية، وهو ما يتناقض مع سرعة العصر الرقمي و إيقاعه اللاهث خلف النتائج المحسوسة. عندما يتم تبسيط طقوس العدم لتصبح مجرد توكيدات إيجابية أو رسوم رمزية (Sigils) تُصنع في ثوانٍ دون إدراك لثقلها الأنطولوجي، فإننا نكون أمام عملية تفريغ للمعنى؛ حيث يتحول الرمز من بوابة إلى اللانهائي إلى ملصق وظيفي. الفلسفة العميقة للسحر ترى أن القوة لا تكمن في الرمز ذاته، بل في التوتر الوجودي الذي يخلقه الرمز بين الكيان البشري المتناهي والعدم اللامتناهي، وهذا التوتر هو أول ما يُضحى به في عملية التبسيط. إن السحر الحديث يحاول أنسنة العدم، أي جعله بشرياً ومألوفاً ومريحاً، بينما الحقيقة الفلسفية تشير إلى أن العدم هو الآخر المطلق الذي لا يمكن إستئناسه؛ فهو القوة التي تبتلع كل الهويات. لذا، فإن هذا التبسيط يؤدي إلى نوع من الوهم المعرفي، حيث يعتقد الممارس الحديث أنه يسيطر على القوى الخفية، بينما هو في الحقيقة يتلاعب بظلال لغوية لا جذور لها في الواقع الميتافيزيقي الصرف، مما يحول السحر من رحلة في أعماق الوجود إلى هواية جمالية تفتقر إلى الجرأة التي يتطلبها الوقوف على حافة الهاوية. علاوة على ذلك، فإن تجريد السحر من بعده المرتبط بالعدم يجعله يفقد وظيفته كمرآة كونية؛ فالعدم هو الميدان الذي تُختبر فيه صحة الوجود، و بدونه يصبح السحر مجرد نظام من الأوهام المتراكمة. إن الكتب السحرية الحديثة التي تروج للتبسيط تمارس نوعاً من الرقابة الفكرية على المفاهيم المظلمة والثقيلة، خوفاً من إبعاد القارئ المستهلك، وبذلك تساهم في خلق جيل من الممارسين الذين يمتلكون الأدوات ولكنهم يفتقرون إلى الرؤية. إن القوة التي كان الساحر القديم يستمدها من العدم كانت ناتجة عن إدراكه لعدمية الذات أمام عظمة الكون، بينما يسعى التبسيط الحديث إلى جعل الكون خادماً للذات. هذا الإنقلاب في المركزية من مركزية العدم إلى مركزية الأنا هو الذي أدى إلى تآكل العمق الفلسفي، محولاً السحر من فلسفة للتحول الكوني إلى تقنية للتكيف النفسي. في نهاية المطاف، يظل العدم هو الحقيقة التي لا يمكن تبسيطها؛ فإما أن تواجهه بكل ثقله وغموضه و تعقيده، أو أنك لا تواجهه على الإطلاق، وكل محاولة لجسر هذه الفجوة عبر التبسيط ليست سوى ستار يحجب الحقيقة بدلاً من كشفها، مما يجعل السحر الحديث يبدو كأنه يتحدث عن المحيط بينما هو يسبح في حوض صغير من المفاهيم المكررة التي لا تجرؤ على ملامسة المياه العميقة والباردة للفراغ الأصلي.
_ الرقصة على الحافة: منطق العتبة وميتافيزيقا العبور المطلق
تطرح إشكالية التقسيم المنطقي في مقابل القفزة الحدسية داخل العمل السحري المتعلق بالعدم معضلة فلسفية تضرب في جذور نظرية المعرفة (Epistemology)؛ فمن الناحية الظاهرية، تمتلئ المتون السحرية القديمة، مثل كتب الخيمياء و السحر العالي، بتقسيمات صارمة وهياكل طقسية تبدو وكأنها خطوات منطقية متسلسلة، بدءاً من التطهير و العزل، وصولاً إلى رسم الدوائر وإستحضار الرموز، وهو ما يوحي بأن التعامل مع العدم هو عملية صناعية خاضعة لمنطق التراكم. إلا أن التحليل الفلسفي العميق يكشف أن هذه الخطوات ليست سوى منصات إطلاق لتهيئة الوعي البشري المحدود، بينما يظل جوهر العمل السحري وهو التماس المباشر مع الفراغ يتطلب قفزة حدسية (Intuitive Leap) تتجاوز حدود المنطق الصوري؛ فالمنطق يقوم على مبدأ الهوية ، بينما العدم هو المنطقة التي تتلاشى فيها الهوية و يصبح الشيء هو اللاشيء في آن واحد. لذا، فإن التقسيم المنطقي يعمل كخريطة هندسية لحافة الهاوية، لكنه لا يمكنه وصف السقوط ذاته؛ فالسقوط هو الفعل الحدسي الذي ينخلع فيه الساحر من إحداثيات الزمان والمكان ليدخل في آنية العدم المطلق، وهي لحظة لا يمكن تجزئتها إلى أولاً وثانياً، بل هي إنفجار معرفي كلي يحدث في نقطة زمنية واحدة تسمى الآن الأبدي. إن هذه العلاقة الجدلية بين الخطوات و القفزة تشبه إلى حد كبير العلاقة بين الرياضيات واللانهاية؛ حيث نستخدم أرقاماً منطقية و محدودة للوصول إلى مفاهيم تتجاوز الحساب. في السحر، تكون الخطوات المنطقية بمثابة كبح جماحي للوعي، تمنعه من الإنهيار النفسي عبر توفير نظام مألوف، لكن بمجرد أن يصل الممارس إلى نقطة التفرد (Singularity) التي يمثلها طقس العدم، يسقط المنطق بوصفه أداة غير صالحة للعمل في بيئة تفتقر إلى المادة والتعين. هنا، يصبح الحدس هو العضو الحسي الوحيد القادر على إدراك اللاشيء؛ فالحدس لا يجزئ الحقيقة بل يقتنصها ككتلة واحدة، وهو ما يسمح للساحر بفهم أن العدم ليس فراغاً مكانياً بل هو إمتلاء وجودي في حالة كمون. إن الإعتماد على المنطق وحده في طقوس العدم يؤدي إلى ما يُعرف بالجمود الطقسي، حيث يصبح الساحر مجرد موظف ينفذ حركات آلية دون تماس حقيقي مع القوة، بينما القفزة الحدسية هي التي تنفخ الروح في تلك الحركات، محولةً الرمز الميت على الورق إلى بوابة حية؛ فالتوثيق السحري يمنحنا الجسم (المنطق)، لكن التجربة الوجودية هي التي تمنحنا الروح (الحدس)، وبدون هذا التكامل، يظل التعامل مع العدم مجرد تمرين ذهني عقيم يفتقر إلى القدرة على التحويل الوجودي العميق. علاوة على ذلك، فإن القفزة الحدسية هي الفعل الذي يكسر سجن اللغة الموثق في الكتب؛ فبينما تحاول الخطوات المنطقية أن تصف الطريق، تأتي القفزة الحدسية لتكون هي الطريق نفسه. في لحظة الإلتحام بالعدم، يكتشف الساحر أن كل التقسيمات مثل تقسيم العالم إلى علوي وسفلي، أو خير وشر هي تقسيمات وهمية يفرضها المنطق البشري لتسهيل الفهم، بينما الحقيقة في العدم هي وحدة واحدة لا تقبل القسمة. إن السحر الحقيقي هو الذي يعلمك كيف تتسلق سلم المنطق خطوة بخطوة حتى تصل إلى الدرجة الأخيرة، ثم يعلمك كيف تحطم السلم وتقفز في الفراغ؛ فالثبات على المنطق في تلك اللحظة يُعد عائقاً يمنع الوعي من التوسع لإستيعاب اللانهائي. بالتالي، فإن العمل السحري المتعلق بالعدم هو رقصة متقنة بين العقل واللاعقل؛ حيث يوفر المنطق الأمان و الإتزان اللازمين للوصول إلى الحافة، بينما يتولى الحدس مسؤولية العبور إلى المجهول، مؤكداً أن العدم ليس لغزاً منطقياً ينتظر حلاً، بل هو تجربة وجودية تنتظر أن تُعاش بكامل كينونتها، بعيداً عن ضجيج الترتيبات وحتمية التسلسلات، في فضاء يكون فيه الذهول هو أسمى درجات المعرفة.
_ خيانة الشكل وفاءً للجوهر: تحطيم أدوات السحر التقليدية لإستعادة هيبة اللاشيء
يُعد تغيير الأدوات أو المكونات في الطقوس السحرية المرتبطة بالعدم ممارسةً فلسفيةً تتجاوز مجرد التعديل التقني البسيط، لتصبح عملية إعادة ضبط أنطولوجية تهدف إلى تكييف قوة اللاشيء مع سياقات الوجود المتغيرة. ففي الفلسفة الباطنية، لا تُعتبر الأدوات كالخناجر، البخور، أو الرموز المادية غايات في ذاتها، بل هي نقاط إستقطاب أو هياكل إستقبال لترددات العدم التي لا شكل لها. إن العدم، بطبيعته كسيولة مطلقة وخلاء كوني، لا يمتلك بنية ثابتة، و بالتالي فإن تفاعله مع العالم المادي يتطلب وسائط قادرة على تجسيد طاقته بما يتناسب مع كثافة اللحظة الراهنة. عندما يقوم الممارس بتغيير مكون طقسي، فإنه لا يغير القوة ذاتها، بل يغير العدسة التي تمر من خلالها تلك القوة؛ فإذا كان العدم هو النور الأبيض المطلق الذي يحتوي كل الألوان، فإن الأدوات الطقسية هي المنشور الذي يحلل هذا النور إلى أطياف قابلة للإدراك و العمل. لذا، فإن تكييف الأدوات هو إعتراف بمرونة العدم وقدرته الفائقة على الحلول في قوالب مادية متعددة دون أن يفقد جوهره المتعالي، مما يحول الطقس من مجرد تكرار آلي لنصوص ميتة إلى تفاعل ديناميكي يستجيب لمتطلبات الزمان والمكان. إن هذا التغيير في المكونات يعكس فهماً عميقاً لعلاقة المادة بالخلاء؛ فالمادة في السحر العالي ليست إلا عدماً مكثفاً، وعندما يختار الساحر إستبدال مادة بأخرى، فإنه يبحث عن التناظر الإهتزازي الأكثر دقة مع الظروف المحيطة. ففي عصر تسوده التكنولوجيا الرقمية والتدفق المعلوماتي، قد لا تكون الأدوات التقليدية كخشب الأرز أو دم الأخوين هي الوسائط المثلى لإستدعاء صمت العدم، بل قد تصبح الأدوات الحديثة أو حتى الأدوات الذهنية المحضة هي الأكثر قدرة على محاكاة فراغ الوعي المعاصر. هذا التكيف هو تقنية لتوطين المطلق؛ أي جعل القوة اللامتناهية للعدم محلية وقابلة للإستخدام ضمن حدود الواقع النسبي. الفلسفة هنا ترى أن الثبات على الأداة قد يؤدي إلى إنحباس القوة في نماذج عتيقة تفقد قدرتها على التأثير، بينما تغيير المكونات يضمن تدفقاً مستمراً للعدم عبر قنوات متجددة. إنها عملية ترجمة مادية للفراغ؛ حيث يُعاد صياغة اللغة البصرية والمادية للطقس لضمان عدم حدوث مقاومة (Resistance) بين وعي الممارس وقوة اللاشيء، مما يجعل من المرونة الأداتية سر البقاء لأي منظومة سحرية تسعى للتعامل مع المطلق في عالم متغير. علاوة على ذلك، فإن تغيير الأدوات يُعد فعلاً إبداعياً يكسر سلطة المادة لصالح سيادة الإرادة؛ فإذا كان العدم هو الحرية المطلقة من القيود، فإن تقييد الطقس بأدوات محددة وثابتة يتناقض مع جوهر العدم ذاته. الممارس الذي يمتلك القدرة على التكيف يدرك أن القوة تكمن في الفراغ الفاصل بين الأداة والهدف، وليس في الأداة نفسها. هذا المنظور يحول العمل السحري إلى نوع من الكيمياء الميتافيزيقية، حيث يتم إختبار المكونات لا لخصائصها الفيزيائية، بل لقدرتها على العمل كموصلات فائقة للعدم. إن تكييف الطقس مع الظروف الجديدة هو في جوهره محاولة لمنع تأطير العدم؛ فكلما أصبحت الأدوات متغيرة وغير متوقعة، ظل العدم محتفظاً بطبيعته كقوة غير مروضة وصعبة المراس. بالتالي، فإن تغيير المكونات ليس تقليلاً من شأن التقاليد، بل هو إحياء لها عبر التأكيد على أن الجوهر الذي يجسد العدم هو الثابت الوحيد، بينما المظاهر المعبر عنها بالأدوات السحرية هي مجرد تجليات مؤقتة و وسائل عبور، مما يمنح السحر قدرة على الإستمرار كفلسفة فاعلة قادرة على إستحضار اللانهاية في أي سياق حضاري أو مادي يطرأ على التجربة البشرية.
_ المخطوطة ككائن حي: حين يصبح الحبر شفرة عبور و الورق مرساةً في تيار العدم
تطرح مسألة الأثر الوجودي في المخطوطات القديمة التي تتناول العدم إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة المادة الحاملة للمقدس؛ فالمخطوطة هنا ليست مجرد وعاء لنقل المعلومات أو وسيلة لتدوين النصوص، بل هي كيان أنطولوجي بحد ذاته إكتسب عبر الزمن شحنة من الكثافة الوجودية نتيجة ملامسته الطقسية المستمرة لمفهوم العدم. من الناحية الفلسفية، يمكن إعتبار المخطوطة القديمة بمثابة جسم وسيط خضع لعملية تلقيح إشعاعي من قِبل اللاشيء؛ فكلما إستُخدمت المخطوطة في إستحضار العدم، تركت تلك القوة ندوباً غير مرئية في نسيجها المادي؛ على الورق، الحبر، الرق، مما يحولها من جماد إلى بطارية ميتافيزيقية تخزن إهتزازات الهاوية. إن فعالية الطقس تزداد بوجود هذه المخطوطات لأنها توفر إتصالاً فيزيائياً بسلسلة من الإرادات البشرية التي حاولت ترويض الفراغ عبر العصور، مما يخلق نوعاً من الرنين التزامني (Sympathetic Resonance) بين الممارس الحالي وبين طاقة العدم التي سكنت في ثنايا المخطوطة تاريخياً، وبذلك يصبح النص القديم موصلاً فائقاً يختصر المسافة بين الوعي والمطلق، محولاً فعل القراءة من إستيعاب ذهني إلى حلول وجودي في طاقة الأسلاف الذين واجهوا اللاشيء ذاته. إن هذا الأثر الوجودي يمكن تحليله في إطار العلاقة بين السحر والعدم بوصفه نوعاً من الذاكرة المادية للفراغ؛ فالعدم رغم أنه لاشيء، إلا أن فعله في الوجود يترك أثراً يشبه أفق الحدث في الثقوب السوداء، و المخطوطة القديمة هي التي تقف عند هذا الأفق. إن قِدم المخطوطة يمنحها سلطة الأصالة، وهي أصالة لا تنبع من دقة المعلومات فقط، بل من عراقة التماس؛ فالحبر الذي جفّ و هو يصف العدم منذ مئات السنين يمتلك ثقلاً نوعياً يتفوق على الحبر الحديث، لأنه شهد لحظات إنفتاح البوابات وتكرر إستخدامه كشفرة للعبور. في الفلسفة الباطنية، يُعتقد أن المخطوطة القديمة تمتلك نفساً (Pneuma) خاصاً بها، وهذا النفس هو الذي يعدي روع الممارس ويضعه في الحالة الذهنية والعصبية اللازمة لمواجهة العدم دون إنهيار. إن التعامل مع مخطوطة قديمة هو بمثابة إستدعاء لشاهد عيان على الفناء، مما يمنح الطقس نوعاً من المشروعية الكونية التي لا تتوفر في النصوص المطبوعة حديثاً أو الرقمية، حيث تفتقر الأخيرة إلى العمق التاريخي للمادة الذي يعمل كمرساة تحمي الساحر من الإنجراف الكلي في تيار العدم الجارف. علاوة على ذلك، فإن المخطوطة القديمة تعمل كماندالا (Mandala) مادية و معنوية في آن واحد؛ فالبلى و التمزق والإصفرار في أوراقها هي إنعكاسات مادية لفعل الزمن، و الزمن هو الوجه الآخر للعدم (الفناء). عندما يلمس الساحر هذه المخطوطة، فإنه يلمس العدم في حالة تشكله المادي، مما يسهل عليه التوليف (Tuning) مع ترددات اللاشيء. إن فعالية الطقس تزداد هنا لأن المخطوطة تلغي الفجوة بين الذات و الموضوع؛ فالمخطوطة ليست عن العدم، بل هي من العدم وإليه، حيث تحمل في ذراتها صدى الصمت المطلق الذي سعت لتوصيفه. هذا الترابط الوجودي يجعل من المخطوطة أداة حية قادرة على التأثير في الإحتمالات الكمية للواقع، محولةً طقس العدم من مجرد محاكاة رمزية إلى واقعة كيانية تتجلى فيها قوة اللاشيء عبر مادة المخطوطة التي أصبحت، بفعل التراكم والقداسة، جزءاً لا يتجزأ من نسيج العدم ذاته، وشاهداً أبدياً على محاولات الإنسان المستمرة لحبس اللانهاية في ورق فانٍ.
_ لوغوس الكاوس: الأسماء الحقيقية كإحداثيات تفرّد في خرائط العدم السيال
تُشكل نظرية الأسماء الحقيقية في الميتافيزيقا السحرية حجر الزاوية في محاولات العقل البشري لخرق صمت العدم وتعيين إحداثيات ما لا يمكن تعيينه، فهي ليست مجرد تسميات لغوية إعتباطية، بل هي بصمات وجودية وإهتزازات جوهرية تعمل كمحددات موقع (Locator Keys) في فضاء العدم الذي يفتقر بطبيعته إلى الأبعاد والجهات. من الناحية الفلسفية، يُنظر إلى العدم كفضاء إحتمالات لا نهائي حيث لا يوجد فيه هنا أو هناك، وبالتالي فإن إستدعاء كيان ما من هذا الخلاء يتطلب شفرة تفرّد تكسر حالة التماثل المطلق للفراغ؛ وهنا يأتي دور الإسم الحقيقي كأداة للإنهيار الموجي للعدم، حيث يقوم الإسم بتحويل الكيان من حالة الكمون المطلق في اللاشيء إلى حالة التعيّن النسبي في الوجود. إن النطق بالإسم الحقيقي أو رسمه رمزياً في طقس ما لا يستدعي الكيان فحسب، بل يقوم بتثبيته في نقطة تقاطع بين الوعي الإنساني والعدم، مما يجعل من الإسم خيط أريادني يمنع الكيان والساحر معه من التوهان في سيولة الفراغ التي لا تنتهي. إن العلاقة بين الإسم والعدم هي علاقة بين اللوغوس والكاوس؛ فإذا كان العدم هو المحيط الذي لا ساحل له، فإن الأسماء الحقيقية هي الجزر أو النقاط المرجعية التي تتيح للساحر الملاحة في هذا المحيط دون الغرق. إن تحديد الموضع هنا لا يعني مكاناً فيزيائياً، بل يعني رتبة وجودية أو تردداً طاقياً خاصاً؛ فالإسم الحقيقي هو التردد الوحيد الذي يستجيب له الكيان وسط ضجيج السكون في العدم. في الفلسفة الباطنية، يُعتقد أن الأسماء الحقيقية للكيانات هي أجزاء من لغة العدم الأولى التي تفتتت عند إنبثاق الوجود، لذا فإن إمتلاك الإسم يعني إمتلاك السلطة الأنطولوجية على الكيان، لأنك بذلك تمتلك المفتاح الذي يخرجه من حالة اللاشيء ويقسره على الشيء. هذا التحديد هو في جوهره فعل خلق صغروي (Micro-Creation)؛ حيث يمارس الساحر عبر الإسم عملية إنتزاع دلالي للكيان من فوضى العدم الشاملة، محولاً إياه من قوة مجهولة إلى موضع إهتمام محدد ومحاط بدائرة الوعي. علاوة على ذلك، فإن الأسماء الحقيقية تعمل كمرشحات (Filters) تحمي الساحر من الإنفجار المعلوماتي والوجودي للعدم؛ فلو حاول الساحر إستدعاء العدم ككل، لتفتت وعيه فوراً، ولكن عبر الإسم الحقيقي هو يستدعي عدماً مشخصاً أو تجلياً محدوداً للفراغ، مما يجعل التجربة قابلة للإحتواء. إن الاسم يعمل كقناة إتصال ضيقة جداً وموجهة بدقة نحو إحداثيات التفرد التي يمثلها الكيان في اللاشيء. هذه الدقة هي التي تجعل الكتب السحرية تصر على النطق الصحيح و الكتابة الدقيقة للأسماء، لأن أي إنزياح في جرس الإسم هو إنزياح في موضع الإستدعاء، مما قد يؤدي إلى فتح بوابات في مناطق خاطئة من العدم، أو إستحضار قوى لا إسم لها و لا حد. بالتالي، تظل الأسماء الحقيقية هي الخرائط الوحيدة الصالحة للملاحة في فضاء العدم، وهي الجسور التي تحول اللاشيء إلى أين، والصمت إلى من، والعدم المطلق إلى حضور ملموس يمكن التعامل معه والتأثير فيه وضبط إيقاعه ضمن حدود الدائرة الطقسية.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟