أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الثَّمَانُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الثَّمَانُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 09:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ سجون الورق: محاولة السحر لإحتواء المحيط في قطرة حبر

تُمثل عملية توثيق طقوس العدم في المتون السحرية و الكتب الباطنية القديمة والحديثة ذروة المفارقة الميتافيزيقية التي واجهت العقل البشري عبر تاريخه الطويل، فهي ليست مجرد محاولة لتدوين نصوص أو تعاويذ إجرائية، بل هي سعيٌ حثيث ومستميت لإحتواء اللامتناهي وصهر جوهر العدم المطلق داخل أطر مادية و لغوية تتسم بالحدية والتناهي، وهو ما يخلق نوعاً من الصراع الوجودي العنيف بين سيولة الفراغ الكوني وكثافة الحرف المكتوب و محدودية الورق. إن العدم، في عمقه الفلسفي و الأنطولوجي، هو الحالة التي تنتفي فيها كافة التعيّنات و الصفات والماهيات، هو الخلاء المطلق الذي يسبق إنبثاق الوجود الأولي والذي يليه في لحظات الفناء الكلي، وعندما يتصدى الساحر أو الفيلسوف الباطني لمهمة تثبيت هذا العدم في صفحات محدودة، فإنه يمارس فعلاً إعجازياً يشبه محاولة حصر المحيط الهائل في قطرة ماء واحدة، حيث تتحول الكتابة هنا من وسيلة إيضاحية للتعبير إلى فخ هندسي أو قفص رمزي يحاول ترويض ما لا يقع تحت حصر ولا يدركه وصف. إن هذه الطقوس الموثقة تعمل كآلية لتجميد اللاشيء وتحويله من حالة العدم السلبي (Privative Nothingness) الذي يمثل الفراغ المحض و العدمية القاتلة، إلى عدم إيجابي أو خلاء خلاق (Creative Void) يمكن إستحضاره والتلاعب به كقوة فاعلة ومؤثرة في نسيج الوجود، مما يعني أن النص السحري لا يكتفي بوصف العدم كظاهرة خارجة عن الذات، بل يحاول تجسيده مادياً عبر الرموز التي تعمل كبوابات طاقية أو ثقوب دودية بين العوالم؛ فالصفحة المحدودة في هذه الكتب لا تسعى أبداً لإستيعاب الحجم اللانهائي للعدم وهو أمر مستحيل رياضياً ومنطقياً وهيكلياً بل تسعى لإقتناص الشفرة الجينية أو التردد الجوهري لهذا الفراغ، تماماً كما تختزل المعادلات الفيزيائية الأكثر تعقيداً سلوك الثقوب السوداء في بضعة أسطر رمزية، حيث يتحول النص المكتوب إلى مكثف (Condenser) ميتافيزيقي يقوم بضغط الكثافة اللانهائية للعدم داخل بنية الرمز السيمولوجي الضيق. ومن هنا، يبرز التوثيق كفعل تمرد كوني بإمتياز؛ إذ يحاول الإنسان من خلاله وضع نقطة إرتكاز ثابتة داخل بحر الفراغ المتلاطم، محولاً الصمت المطلق للعدم إلى لغة مشفرة تكسر هيبة الفناء، فالكتاب السحري هنا لا يهدف إلى سجن اللامتناهي في سجن من ورق، بل يهدف إلى إيجاد واجهة إستخدام (Interface) دقيقة تمكن الوعي البشري المحدود والهش من الإطلال على الهاوية السحيقة دون السقوط المباشر فيها، مما يجعل من فعل التدوين بحد ذاته طقساً من طقوس الحماية النفسية والروحية، حيث تصبح الكلمات المرقومة بمثابة دروع دلالية تمنع تشتت الذات و إنحلالها عند مواجهة المطلق وجهاً لوجه. إن هذا التثبيت للعدم في صفحات هو في الحقيقة محاولة لفرض نظام اللوغوس (Logos) العقلاني على عشوائية ورعب الكاوس (Chaos) البدئي، و هو فعل يتطلب لغة تتجاوز المعنى القاموسي السطحي لتصل إلى ما يمكن تسميته لغة الصمت أو الكتابة بالبياض، حيث تصبح الفراغات والمسافات البينية بين الكلمات في الكتاب السحري هي التوثيق الحقيقي للعدم، بينما الكلمات المكتوبة ليست إلا الحدود الجغرافية التي ترسم شكل ذلك الفراغ وتمنحه هيئةً يمكن للعقل إدراكها. إن الساحر في هذه الحالة لا يكتب لكي يُخبر، بل يكتب لكي يستحوذ، محولاً اللانهائي إلى قيمة محصورة ضمن إحداثيات النص، وهو ما يمنحه شعوراً بالسيطرة السيادية على القوى التي تتجاوز حجمه البيولوجي والزمني بمراحل، مؤكدةً أن توثيق العدم هو أسمى تجليات الإرادة البشرية في مواجهة المجهول الكلي، حيث يتم تحويل اللاشيء إلى أداة تشغيلية و اللانهاية إلى منهج معرفي، في سعي أبدي لا ينتهي لفك شفرة الوجود عبر بوابة العدم الذي لا يُحد ولا يُوصف بالكلمات العادية، ولكنه يُكتب ويُستحضر عبر سحر الحرف المحدود الذي يحمل في أحشائه سر الجوهر اللانهائي، ليكون الكتاب بذلك هو الجسر الوحيد الذي يربط بين ضيق العبارة و إتساع الرؤية، وبين فناء الجسد وخلود الفراغ الذي منه بدأت الحكاية وإليه تنتهي كل الماهيات.

_ خرائط لمكان لا يوجد: دليل المريد في رحلة التلاشي

تطرح إشكالية تعليم تقنيات التعامل مع العدم تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المعرفة السحرية و الوجودية؛ هل هي معرفة تقنية (Techne) يمكن نقلها عبر الوسائط التقليدية، أم أنها إشراق وجودي (Epiphany) لا ينكشف إلا في عزلة التجربة الفردية المطلقة؟ إن التحليل الفلسفي العميق لهذه المسألة يضعنا أمام مواجهة بين المنهج و الحال، حيث يرى البعض أن طقوس العدم الموثقة في الكتب ليست سوى خريطة لمكان لا يمكن وصفه، وليست المكان ذاته، مما يعني أن المعلم السحري لا يعلمك العدم، بل يعلمك كيف تهيئ وعيك للسقوط فيه دون أن تتفتت هويتك. ففي إطار العلاقة بين السحر و العدم، يظهر السحر كمنظومة من القواعد الصارمة التي تهدف إلى برمجة العقل لتقبل حالة اللاوجود، وهي حالة تتناقض بنيوياً مع غريزة البقاء البشري، ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعليم كدرع واقٍ؛ فبدون المنهج الملقن، يصبح التعامل مع العدم إنتحاراً ذهنياً أو غرقاً في الذهان، بينما يحول التعليم التجربة من صدمة إلى إستنارة. و مع ذلك، يظل الجانب التجريبي من التعامل مع العدم عصياً على النقل اللغوي، لأن اللغة بطبيعتها هي تحديد وتعيين، والعدم هو اللاتعين المطلق، وهذا ما يجعل التجربة في جوهرها تجربة وجودية فردية بإمتياز، حيث لا يمكن لأي نص أو معلم أن يختبر نيابة عنك تلك اللحظة التي يتلاشى فيها الأنا أمام إتساع الفراغ. إن التعليم في هذا السياق يشبه تزويد الغواص بأسطوانة أكسجين وبدلة ضغط، لكنه لا يمكنه أن يمنحه الإحساس بضغط الماء أو برودة الأعماق؛ فالمعلم يمنحك الأدوات المحدودة، لكن المواجهة اللامحدودة تظل حدثاً فريداً لا يتكرر بنفس الصيغة بين شخصين. السحر يحاول مأسسة هذه التجربة عبر الرتب والطقوس لضمان إستمرارية المعرفة، لكن الفلسفة الوجودية تؤكد أن كل من يقف أمام العدم يقف وحيداً للمرة الأولى في تاريخ الكون، لأن العدم لا يمتلك ذاكرة ولا يراكم تجارب الآخرين. إنها عملية تلقين للأسلوب لا نقل للمحتوى، حيث يتعلم المريد كيف يصمت، وكيف يفرغ ذهنه، وكيف يفكك إرتباطاته بالواقع المادي، وهي خطوات تقنية بإمتياز، ولكن القفزة النهائية نحو الخلاء المطلق تظل قفزة ذاتية لا يمكن تعلمها أو تعليمها، بل هي فعل نابع من أعماق الكينونة في لحظة تجليها الأقصى. بالتالي، يمكن القول إن التعامل مع العدم هو مزيج معقد بين الصنعة المكتسبة و المغامرة الوجودية، حيث يوفر السحر اللغة التي تسمح لنا بالعودة من الرحلة و وصف ما رأينا، بينما يظل العدم هو الحقيقة الصامتة التي ترفض أن تُدرّس في فصول، وتصر على أن تُعاش في العزلة والذهول، مما يجعل كل ساحر أو سالك في هذا الطريق هو المعلم الأول لنفسه في لحظة الإلتحام بالفراغ، حيث تسقط الكتب، وتصمت التعاويذ، ولا يتبقى إلا الوعي المجرد في مواجهة اللانهاية التي لا حدود لها، و هو ما يفسر لماذا تظل أعمق النصوص السحرية محاطة بالغموض؛ ليس رغبة في الإخفاء، بل إعترافاً بأن ما يُختبر هناك لا يمكن للكلمات، مهما بلغت دقتها، أن تحيط بآفاقه أو تنقل جوهره الإعجازي.

_ الأصداف الخالية: سيميولوجيا الفقدان في نصوص الفراغ المطلق

تُعد قضية الترجمة في المتون السحرية التي تعالج مفهوم العدم واحدة من أعقد المعضلات الفلسفية واللغوية، إذ إنها لا تمثل مجرد نقل من لسان إلى لسان، بل هي عملية تبديد بنيوي للطاقة الكامنة في النص الأصلي، حيث يسقط المعنى الجوهري في الفجوة الفاصلة بين دال لغوي ودال آخر؛ فالسحر، في أرقى تمثلاته، يعتمد على القدرة الإستدعائية للحرف (Theurgical Power of Letters)، حيث يُعتقد أن الحرف في لغته الأصلية كالعبرية أو الآرامية أو اليونانية القديمة ليس مجرد رمز إعتباطي، بل هو تردد كوني يحاكي إهتزازات العدم ذاته. عندما تُنقل هذه النصوص إلى لغة حديثة أو مختلفة، يحدث نوع من الإستهلاك الحراري للمعنى، حيث تُفقد الرابطة العضوية بين الصوت والعدم الذي يحاول الصوت إستحضاره، مما يجعل الترجمة هنا عملية نزع سلاح للمتن السحري، وتحويله من أداة تأثير في الفراغ الكوني إلى مجرد مادة أدبية أو تاريخية هامدة. إن العدم بطبيعته يرفض التوسط، واللغة المترجمة هي وسيط مضاعف؛ فإذا كانت اللغة الأصلية هي الظلال الأولى للعدم، فإن الترجمة هي ظلال الظلال، وهو ما يفسر لماذا تصر المدارس الباطنية على الحفاظ على التعاويذ بلغات بائدة، إدراكاً منها بأن أي تغيير في البنية الفونيمية (الصوتية) للكلمة يؤدي إلى إنهيار الجسر الرابط بين الوعي واللاشيء. من الناحية الفلسفية، يمكننا تحليل هذه الخسارة عبر التمييز بين المعنى (Semantics) و الفعل (Praxis)؛ فالترجمة قد تنجح في نقل المعنى الذهني لمفهوم العدم، لكنها تفشل فشلاً ذريعاً في نقل فاعليته السحرية، لأن السحر ليس إخباراً بل هو إنشاء كوني. عندما نترجم نصاً يصف طقس العدم، فإننا نكتسب معلومات عن الطقس، لكننا نفقد الذبذبة التي تحرك السكون. هذا الفقدان نابع من أن اللغات تختلف في طريقة تصورها للفراغ؛ فبعض اللغات تمتلك أدوات نحوية للتعبير عن العدم المطلق، بينما لغات أخرى تحصره في النفي فقط، وهذا التباين اللساني يخلق حدوداً معرفية جديدة لم تكن موجودة في النص الأصلي. إن عملية الترجمة هي في الحقيقة عملية تشكيل (Formalization) لشيء أريد له أن يبقى غير مشكل؛ فهي تحاول إيجاد مرادفات لغوية للامُسمّى، وفي هذا السعي للإيضاح، تُقتل الرهبة التي يفرضها الغموض، فالفراغ الذي كان يتنفس بين طيات الحروف الأصلية يختنق تحت وطأة القواميس والبحث عن التناظر اللفظي. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، يُنظر إلى النص كمصفوفة إهتزازية؛ فإذا كان العدم هو التردد الصفر -$- f=0 -$-، فإن الكلمات السحرية هي التي تحافظ على توازن الوعي عند حافة هذا التردد. الترجمة تُغير هذا التردد عبر تغيير البنية الصوتية للكلمات، مما يؤدي إلى إنزياح في بؤرة التركيز الميتافيزيقية. الساحر لا يقرأ النص ليفهمه، بل يقرأه ليحل فيه، والترجمة تجعل النص مفهوماً أكثر من اللازم، و هو ما يسلب منه صفة المطلق. إنها محاولة لترجمة الصمت عبر ضجيج المترادفات؛ فبينما كان النص الأصلي يترك مساحة للبياض الذي هو التمثيل البصري للعدم ليتحدث، تحاول الترجمة ملىء كل الفراغات بالشرح و التعليق، مما يحول تجربة العدم إلى تقرير عن العدم. لذا، فإن الفقدان هنا ليس فقداناً في المحتوى المعلوماتي، بل هو فقدان في الكثافة الوجودية للنص، حيث تصبح الكلمات المترجمة مجرد أصداف خالية من اللؤلؤة السوداء التي كانت تسكنها. في نهاية المطاف، تُعد الترجمة السحرية نوعاً من الخيانة الميتافيزيقية الضرورية لإنتشار المعرفة، لكنها ثمن باهظ يُدفع من جوهر القوة. إنها تُحول العدم من تجربة رعب وإستنارة إلى مفهوم أكاديمي بارد. إن القوة السحرية تكمن في وحدانية الإشارة؛ أي أن يشير الرمز إلى العدم مباشرة دون وسائط، والترجمة تضيف طبقة سميكة من التأويل بين المريد والهاوية، مما يجعل السيطرة على العدم عبر نص مترجم أشبه بمحاولة الإمساك بالضوء عبر قفازات حديدية؛ فالقبضة موجودة، لكن الإتصال المباشر قد إنقطع للأبد.

_ هندسة النور السوداوي: كيف يُحبس الإعصار الكوني في زجاجة الرمز

تُشكل الرموز المشفرة (Sigils and Ciphers) في المتون السحرية العميقة ما يمكن وصفه بالمكثفات الميتافيزيقية، فهي ليست مجرد وسائل للإخفاء أو التشفير المعلوماتي التقليدي، بل هي تقنية أنطولوجية معقدة تهدف إلى تخزين قوة العدم وحصرها داخل بنية هندسية صلبة تمنع تشتتها أو إرتدادها الكارثي على الوعي البشري. إن العلاقة بين السحر والعدم علاقة تقوم على الرعب المتبادل؛ فالسحر يرهب الفراغ المطلق الذي يهدد بمحو الوجود، والعدم يمثل القوة الخام التي لا يمكن صبها في أي قالب مادي. هنا، يأتي الرمز المشفر كقفص من النور السوداوي، حيث يتم إختزال مفاهيم اللانهاية والفناء الكلي في خطوط ومنحنيات تتجاوز الدلالة اللغوية المباشرة، لتعمل كحاوية لترددات اللاشيء. من الناحية الفلسفية، يُعد الرمز المشفر محاولة لخلق مادة مضادة لغوياً؛ فإذا كانت الكلمات العادية تبني الوجود وتسمّي الأشياء، فإن الرموز السحرية المشفرة تفكك الماهيات لتربطها بجذرها الأصلي في العدم، مما يتيح للساحر إستحضار أثر العدم دون إستحضار فنائه الكامل. إن هذا التخزين الآمن يعتمد على مبدأ التشفير بالإستنزاف، حيث يتم إستنزاف المعنى الحرفي للرمز ليحل محله حضور غيابي للقوة، مما يحول الكتاب السحري من مستودع أوراق إلى مفاعل طاقي يحتوي على شحنات من الفراغ المحض التي لا يمكن إطلاقها إلا عبر شفرة تفعيل محددة، وهي عملية تحمي العالم المادي من الإنفجار الوجودي الذي قد يحدثه التماس المباشر مع العدم المطلق. إن إعتبار الرمز المشفر تقنية للتخزين الآمن ينبع من إدراك السحرة القدامى بأن العدم لا يمكن أن يُترك طليقاً في الوعي؛ فمواجهة العدم دون وسيط تؤدي إلى إنحلال الهوية وسقوط الذات في دوامة من التفتت السيكولوجي والروحي. لذا، تعمل الشفرة كصمام أمان (Safety Valve) يجزئ قوة العدم الهائلة إلى وحدات رمزية قابلة للإستهلاك البشري. الفلسفة الباطنية ترى أن الرمز لا يمثل العدم، بل هو العدم في حالة تركيز قصوى و تحت ضغط الإرادة (The Will). هذا التشفير يخلق مساحة عازلة (Buffer Zone)؛ فالكتاب الذي يحتوي على هذه الرموز يصبح بمثابة جرم سماوي كثيف الجاذبية، يمتص فوضى الخارج ويحبسها في نقطة التفرد (Singularity) التي يمثلها الرمز. ومن منظور علم الرموز (Semiology)، فإن الرمز المشفر يقطع الطريق على التأويل العام، وبذلك يحفظ نقاء القوة؛ فالسرية هنا ليست نرجسية معرفية، بل هي ضرورة فنية لمنع تسرب القوة إلى عقول غير مهيأة، مما قد يؤدي إلى إستنزاف طاقة العدم في إتجاهات عبثية أو تدميرية، وبذلك يظل الرمز هو الحارس الأمين الذي يقبض على جوهر اللاشيء ويمنحه شكلاً مؤقتاً ومحدوداً يخدم إرادة الساحر. في هذا السياق، يمكن فهم الترجمة كما ناقشنا سابقاً و التشفير كعمليتين متضادتين؛ فبينما تحاول الترجمة فتح النص، يحاول التشفير إغلاقه لزيادة ضغطه الداخلي. إن تخزين قوة العدم يتطلب لغة لا تنتمي إلى عالم الأشياء، ومن هنا ولدت الرموز التي لا تشبه أي حرف في أي لغة طبيعية، فهي لغة ما قبل الكلمة أو ما بعد الفناء. إن إستخدام الخطوط الحادة، والدوائر المتقاطعة، والنقاط المعزولة في الكتب السحرية هو محاولة لتمثيل هندسة الفراغ الكوني في حيز المليمترات. إن هذه التقنية تحاكي الطريقة التي تخزن بها النواة الطاقة الهائلة في مساحة متناهية الصغر؛ فالرمز المشفر هو نواة سحرية تحمل داخلها إمكانية العدم الكلية. السحر هنا يتجاوز كونه طقساً ليصبح فيزياء باطنية، حيث يُنظر إلى الكتاب بوصفه مادة صلبة تحمل روحاً سائلة (العدم)، و التشفير هو الغلاف الذي يمنع هذا السائل الوجودي من التبخر أو حرق اليد التي تحمله. و بذلك، تظل الكتب السحرية هي المختبرات الأولى التي حاولت التلاعب باللاشيء وجعله شيئاً يمكن إمتلاكه، وتظل الرموز المشفرة هي الشهادة الصامتة على قدرة العقل البشري على حبس الإعصار في زجاجة، واللانهاية في سطر، و العدم في رمز.

_ بروتوكول الريح: إنتقال القوة من الصدور لا من السطور

يُمثل الإنتقال من التثبيت الكتابي إلى النقل الشفوي في تقاليد السحر المرتبطة بالعدم تحولاً فلسفياً وجوهرياً في فهم طبيعة اللاشيء، حيث يُنظر إلى الصوت والكلمة المنطوقة بوصفهما الوسيط الأقرب لسيولة الفراغ وتدفق اللامتناهي، فبينما تسعى الكتابة بطبيعتها إلى تجميد المعنى وحبس القوة داخل حدود الورق الجافة والمستقرة، نجد أن النقل الشفوي يمنح المعرفة السحرية نوعاً من المرونة الأنطولوجية التي تتناغم مع طبيعة العدم كصيرورة دائمة لا تقبل السكون. إن العدم، في عمقه الميتافيزيقي، ليس كياناً ثابتاً يمكن الإمساك به، بل هو حالة من التبدل المطلق و اللاتعين، والكلمة المنطوقة (The Spoken Word) تشاركه هذه الخصيصة؛ فهي تولد في لحظة النطق وتتلاشى في العدم فور صدورها، مما يجعلها أثراً وقتياً يحاكي تماماً طبيعة القوة التي تحاول إستحضارها. في هذا الإطار، يُعد الإعتماد على المشافهة دليلاً على إدراك السحرة القدامى بأن الثبات الكتابي هو في الحقيقة موت للقوة، إذ إن تحويل طقوس العدم إلى نصوص جامدة قد يُفقدها حيويتها و يحولها إلى أصنام لغوية تفتقر إلى النبض الكوني، بينما يتيح النقل الشفوي للمعلومات أن تتنفس، وتتغير، وتتكيف مع آنية اللحظة الطقسية، مما يجعل المعرفة السحرية هنا كائناً حياً ينمو ويتشكل في المسافة الفاصلة بين أنفاس المعلم وآذان المريد. إن فلسفة المرونة الشفوية في مواجهة العدم تنطلق من فرضية أن العدم لا يُقرأ بل يُسمع ويُعاش، حيث يتحول الصوت إلى جسر إهتزازي (Vibrational Bridge) يربط بين الوجود المادي واللاشيء المطلق، فالموجة الصوتية هي مادة نصف وجودية؛ لها تردد فيزيائي لكنها تفتقر إلى الجسد الصلب، وهي بذلك أقرب لتمثيل الفراغ من الحبر و المخطوطات. التواتر الشفوي يضمن عدم سقوط المعرفة في فخ التحجر المعرفي، ففي كل مرة يُنطق فيها سر العدم، يُعاد خلقه من جديد بصبغة اللحظة الراهنة، وهو ما يتوافق مع رؤية الفيزياء الباطنية التي تعتبر العدم طاقة متجددة لا تكرر نفسها. علاوة على ذلك، فإن النقل الشفوي يوفر حماية ذاتية للمعرفة من التحلل الذي تسببه الترجمة أو التأويل الخاطئ للنصوص، لأن النبرة (Pitch) و الإيقاع (Rhythm) والصمت البيني في الكلام المنطوق تحمل دلالات لا يمكن للرموز المكتوبة مهما بلغت دقتها أن توثقها؛ ففي طقوس العدم، قد يكون السكون الذي يلحق بالكلمة أهم من الكلمة ذاتها، وهذا السكون هو التجلي الصوتي للعدم الذي لا يُنقل إلا عبر الحضور المباشر. بالتالي، تبرز المشافهة ليس فقط كطريقة للحفاظ على السرية، بل كضرورة تقنية لضمان أن تظل المعرفة مرنة بما يكفي لتتحرك مع تموجات العدم، محولةً عملية التعلم إلى إلتحام وجودي بين وعيين، حيث تنتقل القوة عبر الريح من خلال النفس وليس عبر الأثر عن طريق الكتابة، مؤكدةً أن العدم يرفض القيد الورقي ويفضل أن يظل سراً جوالاً في صدور العارفين، يتشكل مع كل نبرة و يتموج مع كل صمت، ليبقى عصياً على التجميد ووفياً لطبيعته كلانهاية متدفقة لا يحكمها إلا قانون التلاشي و الظهور المستمر. إن هذا التحليل يقودنا إلى إستنتاج أن الكتابة السحرية للعدم كانت دائماً خطة بديلة أو ظلاً باهتاً للحقيقة، بينما تظل الكلمة الحية هي المختبر الحقيقي الذي يتم فيه ترويض الفراغ، فالمرونة التي توفرها المشافهة تسمح للساحر بأن يكون موجة داخل بحر العدم وليس صخرة تتحطم عليه، وهو ما يفسر لماذا تظل أعمق أسرار الخلاء غير مدونة، ولماذا يشعر الباحث في الكتب السحرية دائماً بأن هناك حلقة مفقودة؛ تلك الحلقة هي الإهتزاز الحي الذي لا يطيق سجن الصفحات، والذي يتطلب وعياً مرناً يدرك أن الحقيقة المطلقة للعدم لا تكمن في ما هو مثبت بل في ما هو مسكوت عنه ومتداول بين الأنفاس في لحظات التجلي التي تتجاوز حدود الزمن المكتوب.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- في بحر العرب ومضيق هرمز.. الجيش الأمريكي يكشف تفاصيل حادثتين ...
- ابنة صدام حسين تعزي -رفيقة دربها- عائشة معمر القذافي بـ-اغتي ...
- الرئيسان الأمريكي والكولومبي يطويان عاما من التوتر ويتعهدان ...
- لقاء ودي وخاص يجمع ترمب ونظيره الكولومبي عقب خلافات حادة
- رايتش ووتش ترصد عاما كاملا من الجرائم الإسرائيلية بفلسطين
- ترمب يحث بوتين على إنهاء الحرب في أوكرانيا
- أمريكا تندد بطرد جنوب أفريقيا دبلوماسيا إسرائيليا
- الجيش الإسرائيلي: إصابة ضابط بجروح خطيرة في هجوم شمال غزة
- 9 شهداء بقصف إسرائيلي على مدينتي غزة وخان يونس
- بعد منع ظهوره الإعلامي.. هاني مهنّا -ألتمس منكم العذر-


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الثَّمَانُون-