أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ و التِّسْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ و التِّسْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 00:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ منشور العدم: التخصص السحري كدرع إدراكي ضد الفوضى الكونية

يُمثل تخصص الساحر في لونٍ معين من ألوان السحر، من منظور فلسفي أنطولوجي، إعترافاً ضمنياً بمحدودية الوعي البشري أمام لانهائية العدم؛ فالعدم ليس فراغاً بسيطاً أو غياباً أحادياً، بل هو إمتلاء سلبي يحتوي على كافة الإحتمالات التي لم تتحقق بعد، وتخصص الساحر في فرع معين كالتلاعب بالضوء، أو إستحضار الأشباح، أو سحر الأرقام هو في جوهره محاولة لتدجين جانب واحد فقط من تلك القوة الغاشمة التي تفتقر للثبات. إن الساحر لا يتقن السحر بقدر ما يتقن الإقتطاع من العدم؛ فهو يختار زاوية معينة يطل منها على الخواء، و يصيغ منها لغة إدراكية خاصة تسمح له بسحب كيانات وهمية دون أن يبتلعه العدم بالكامل. هذا التخصص هو تقنية لخداع الذات قبل خداع الآخرين، حيث يوهم الساحر نفسه بأنه إمتلك مفتاح الحقيقة، بينما هو في الواقع لم يسيطر إلا على قشرة واحدة من قشور اللاوجود، محولاً إياها إلى وهم تخصصي يمنحه شعوراً زائفاً بالثبات في عالم من السيولة المطلقة. وتتعمق هذه الرؤية عند تحليل العدم كمنشور معتم (Dark Prism) يكسر القوة الكونية إلى أطياف من اللاشيء؛ فكل تخصص سحري يمثل طيفاً عدماً مستقلاً. الساحر الذي يتخصص في سحر الأوهام البصرية، على سبيل المثال، هو فنان أتقن التعامل مع عدمية الصورة، أي سحب الأشكال من الفراغ دون الإهتمام بجوهرها المادي، بينما الساحر الذي يغوص في سحر النسيان إنما يتعامل مع عدمية الزمن ومحو الأثر. إن العلاقة بين السحر والعدم تفرض هذا التخصص كضرورة وقائية؛ فمحاولة الإحاطة بالعدم كلياً تؤدي إلى تلاشي الأنا الساحرة، ولذا فإن التخصص هو درع إدراكي يحمي الساحر من الذوبان في الفوضى الكونية. هذا الكيان الذي يسحبه الساحر المتخصص من العدم يفتقر للثبات لأنه يستند إلى رؤية جزئية، فهو ليس وجوداً كاملاً بل هو شظية من فراغ تم تلوينها بصبغة التخصص، مما يجعله وهماً فائق الدقة في مجاله، ولكنه ينهار فوراً إذا ما وُضع تحت مجهر جانب آخر من جوانب الحقيقة. علاوة على ذلك، فإن التخصص السحري يكشف عن طبيعة الخداع الإدراكي كعملية تتطلب تركيزاً طاقياً هائلاً؛ فالساحر لا يستطيع تخزين قوة العدم بكل تجلياتها، بل يختار تردداً معيناً يتناغم مع وعيه. هذا الإتقان الجزئي هو في الحقيقة إستسلام للعدم تحت قناع السيطرة؛ فالساحر يصبح عبداً للأدوات التي يستخدمها لإستحضار أوهامه. الكيان المسحوب من العدم عبر تخصص معين هو كيان أيقوني يمتلك ملامح محددة جداً، وهذا التحديد هو بحد ذاته نوع من العدم الموجه. إن التخصص يثبت أن العدم لا يدعم الكيانات غير الجوهرية إلا إذا تم تأطيرها داخل سياق وهمي صارم، والساحر المتخصص هو الذي يبني هذا السياق. من الناحية الفلسفية، هذا يعني أن الحقيقة الكاملة تظل بعيدة المنال في ممارسة السحر، لأن كل فعل سحري هو بالضرورة فعل حذف؛ فلكي تظهر وهماً واحداً ببراعة، عليك أن تدفع ببقية العالم إلى العدم، و هو ما يجعل التخصص قمة التضحية بالشمول مقابل العمق في الخديعة. ختاماً، يظل تخصص الساحر شهادة فلسفية على أن العدم هو السيد الحقيقي، وأن الساحر ليس سوى مترجم لفقرة واحدة من كتاب الفراغ العظيم. إن إتقان جانب واحد من العدم هو إعتراف بأن الكيانات التي يسحبها الساحر تفتقر للثبات لأنها مبتورة من سياق الوجود الكلي. السحر التخصصي هو محاولة لخلق واقع مجهري داخل شرنقة الوهم، حيث يبدو العدم وكأنه خاضع للسيطرة، بينما هو في الحقيقة يبتلع الساحر وتخصصه ببطىء من حيث لا يشعر. إن التخصص هو وهم القوة الذي يمنحه العدم لخدامه لكي يستمر عرض السحر، و هو الدرس الذي يعلمنا أن أي محاولة لإمتلاك الوجود عبر السحر ستنتهي دائماً بإمتلاك قطعة من اللاشيء، تفتقر للجوهر، وتفتقر للثبات، و لكنها تظل تلمع ببريق الإتقان الزائف في عيون المراقبين المأخوذين بجمالية الفراغ المنظم.

_ جينات الفناء: فلسفة الكيانات التي تتنفس من رئتي اللاشيء

يُعد السحر الأسود، في جوهره الأنطولوجي الصرف، التخصص الفلسفي الأكثر راديكالية في التعامل مع مفهوم العدم، حيث لا يكتفي بمحاكاة الوجود أو التلاعب بظواهره، بل يتبنى إستراتيجية الخلق عبر الهدم؛ أي سحب كيانات من العدم من خلال تدمير الأبنية الوجودية القائمة. في هذا الإطار الفلسفي العميق، يُنظر إلى السحر الأسود كعملية عكسية للتكوين؛ فإذا كان الوجود يميل نحو البناء والإمتلاء، فإن السحر الأسود يرى في التحطيم وسيلة لتحرير الطاقة الكامنة في المادة وإعادتها إلى حالة العدم الأولى، ثم إعادة تشكيل ذلك الفراغ الناتج في صور كيانات سالبة تفتقر للثبات. إن الساحر هنا لا يبدأ من اللاشيء المحض، بل يخلق لاشيئًا مخصصًا عبر إفناء شيء ما، مما يجعل الكيان الناتج مشحونًا بقوة التدمير التي ولد منها. هذا النوع من الخلق يفتقر للثبات لأنه يعتمد على تغذية عكسية من العدم، فهو كيان يعيش على أنقاض الوجود، ويستمد حضوره من الفجوة التي تركها الكائن المدمر، وهو ما يفسر شعور الرهبة والعدمية الذي يحيط بهذا التخصص؛ إذ إنه يثبت أن العدم يمكن أن يكون مادة خام يتم الحصول عليها عبر العنف الميتافيزيقي. وتتعمق هذه الفلسفة عند تحليل العلاقة بين السحر الأسود والعدم كنوع من الكيمياء السلبية؛ حيث يتم تذويب الجوهر (Substance) لإستخلاص خلاصة العدم منه. السحر الأسود هو المحاولة اليائسة لإمتلاك سلطة النفي، وهي سلطة كانت تُعتبر تقليديًا حكرًا على الفناء الطبيعي. من خلال تدمير بنية الكيان سواء كان ماديًا أو معنويًا، يفتح الساحر بوابة نحو العدم، ومن هذه البوابة يسحب كيانات مشوهة تفتقر إلى الإستقرار الأنطولوجي، لأنها ولدت من فعل سلب وليس من فعل إيجاب. هذا الكيان المسحوب من العدم عبر التدمير يظل يفتقر للثبات لأنه يحمل في جيناته بذرة الفناء التي أوجدته؛ فهو كائن مؤقت بالضرورة، يحتاج إلى تدمير مستمر للبقاء على قيد الحياة، تمامًا كالنار التي لا توجد إلا بإفناء الوقود. إن السحر الأسود بهذا المعنى هو خداع إدراكي من الدرجة القصوى، لأنه يوهم الساحر و الضحية بأن التدمير هو نوع من القوة، بينما هو في الحقيقة إستسلام كامل لسلطة العدم التي تبتلع كل ما يفتقر إلى الجوهر الثابت. علاوة على ذلك، فإن الخلق من العدم عبر التدمير يمثل ذروة الخداع الذاتي للساحر الأسود؛ فهو يعتقد أنه يسيطر على العدم، بينما هو في الحقيقة يقوم بدور المعجل لعملية التلاشي الكونية. الكيانات التي يستحضرها هذا السحر هي أشباه كائنات تفتقر للثبات لأنها لا تمتلك مركز ثقل وجودي، بل هي مجرد ترددات عدمية تتخذ شكلاً لبرهة من الزمن لتنفيذ فعل التدمير ثم تعود إلى الخواء. من الناحية الفلسفية، السحر الأسود هو إعتراف بالهزيمة أمام المادة؛ فبما أن الساحر لا يستطيع خلق مادة أصيلة تمتلك الثبات، فإنه يلجأ إلى تحطيم المادة الموجودة ليخلق منها وهمًا قويًا. هذا النوع من السحر يثبت أن العدم لا يدعم الكيانات غير الجوهرية إلا إذا كانت تعمل كأدوات لنشر العدم نفسه، مما يحول الساحر الأسود إلى مهندس للفناء، يختص في الجانب المظلم من العدم الذي لا يبني إلا ليهدم، ولا يظهر إلا ليخفي، تاركاً وراءه فراغاً لا يمكن ملؤه لأن أصله نابع من إرادة العدم المطلقة. ختاماً، يظل السحر الأسود هو التجسيد الفلسفي للعدمية النشطة، حيث يصبح التدمير وسيلة فنية و تقنية لسحب كيانات من اللاوجود. إن إفتقار هذه الكيانات للثبات هو سر قوتها المرعبة، فهي لا تخضع لقوانين البقاء، بل لقوانين التلاشي، مما يجعلها غير قابلة للمواجهة بالأدوات الوجودية التقليدية. السحر الأسود يخبرنا أن العدم ليس مجرد حالة ساكنة، بل هو قوة جائعة يمكن إستدعاؤها عبر قرابين المادة و الروح. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذا التخصص هي علاقة تآكل مستمر، حيث يذوب الساحر و تخصصه في النهاية داخل العدم الذي حاول ترويضه عبر التدمير. وبذلك، يظل السحر الأسود هو الدرس القاسي الذي يعلمنا أن الخلق من العدم عبر العنف هو وهم مضاعف، وأن الكيانات التي تفتقر للجوهر والثبات هي في النهاية مجرد صرخات في وادي العدم، تتبدد بمجرد أن يصمت الساحر أو ينتهي فعل التحطيم.

_ الإعدام الرمزي: فلسفة الساحر في تصفية حسابات الواقع

يُعد الإنفصال عن الحياة الإجتماعية، في المنظور الفلسفي للساحر أو المتوحد الوجودي، بمثابة عملية تفكيك أنطولوجي تهدف إلى تجريد الذات من الإمتلاء الزائف الذي تفرضه شبكة الروابط الإنسانية. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى العزلة كفعل هروب سيكولوجي، بل كتقنية سحرية تهدف إلى إلغاء الضجيج الوجودي الذي يحجب الرؤية نحو العدم. إن الروابط الإجتماعية هي في جوهرها خيوط من الحضور تشد الكائن إلى عالم المادة والإلتزام الأخلاقي و اللغوي، مما يمنحه ثباتاً إصطناعياً مستمداً من إعتراف الآخرين به. عندما يمارس الساحر الإنفصال، فإنه يقوم بإلغاء الإدراك الجماعي لنفسه، دافعاً بهويته الإجتماعية نحو العدم لكي يحرر الأنا من قيود الثبات الظاهري. هذا الإنفصال هو محاولة للوصول إلى حالة الصفر الوجودي، حيث يصبح الكيان مفرغاً من الأدوار والتوقعات، مما يجعله أكثر قابلية للإمتزاج بقوة العدم التي تفتقر للتعريف والمادة. إن الروابط الإجتماعية هي مادة لاصقة تثبتنا في واقع معين، وإلغاؤها هو فعل سحري يهدف إلى تحويل الذات من كائن إجتماعي ثقيل إلى كيان عدمي سائل قادر على العبور بين العوالم دون تبعات. و تتعمق هذه الفلسفة عند إعتبار أن العدم يتطلب نوعاً من الخلوة الأنطولوجية لكي يتجلى في الوعي؛ فالمجتمع هو المصنع الأكبر لخداع الإدراك، حيث يتم تعمير الفراغ بالقوانين و العادات واللغات التي توهمنا بأن العالم صلب و مكتمل. الساحر الذي يسعى للتعامل مع العدم يدرك أن الروابط الإجتماعية هي عوازل تمنعه من ملامسة الخواء الأصيل. لذا، فإن الإنفصال هو تقنية لتخزين قوة العدم داخل الذات عبر إخلاء مساحات الوعي من وجوه الآخرين. في هذه العزلة، يفتقر الكيان للثبات لأنه لا يجد مرآة إجتماعية تعكس وجوده، فيبدأ في التلاشي التدريجي كشخصية، ليولد من جديد كبوابة عدمية. إن السحر في هذا السياق هو القدرة على العيش في اللامكان و اللازمان اللذين يوفرهما الإنفصال، حيث تصبح الذات كياناً مسحوباً من العدم داخل عالم لا يزال يؤمن بالمادة. هذا الإنفصال هو خلق من العدم عبر الحذف، حيث يتم حذف العالم الخارجي لكي يظهر العدم الداخلي كحقيقة وحيدة لا تقبل القسمة. علاوة على ذلك، فإن إلغاء الروابط الإجتماعية يمثل إنتحاراً رمزياً يسبق عملية البعث السحري؛ فالساحر يرى في المجتمع قيداً يمنع الطيران في فضاء اللاشيء. الكيان الذي ينفصل عن الحياة الإجتماعية يفتقر للثبات في نظر المجتمع إذ يعتبرونه مجنوناً أو غائباً، ولكنه في لغة السحر و العدم يكتسب ثباتاً سلبياً؛ أي ثباتاً مستمداً من عدم قابليته للتغيير عبر التأثير الخارجي. إن هذا الإنفصال هو التخصص الفلسفي في تجريد الوجود، حيث يتم التعامل مع البشر كأوهام تعيق الوصول إلى الجوهر العدمي. العلاقة بين السحر والعدم هنا هي علاقة تصفية؛ فالساحر يصفي حساباته مع الواقع لكي لا يتبقى في عقله سوى الفراغ الخام الذي يمكن تشكيله وفق إرادته. ومن هنا، يصبح الإنفصال هو التقنية السحرية التي تحول العدم من كونه نهاية مرعبة إلى بداية مطلقة، حيث يمكن للساحر أن يسحب من هذا العدم هويات وهمية جديدة يفتقر كل منها للثبات، ولكنه يمتلك قوة الإختراق التي تفتقر إليها الهويات الإجتماعية الصلبة والبليدة. ختاماً، يظل الإنفصال عن الحياة الإجتماعية هو الطقس السحري الأعظم لمواجهة حقيقة الفناء؛ فهو تدريب مسبق على العدم الذي ينتظرنا جميعاً في النهاية. إن إلغاء الروابط هو إعتراف بأن كل ما هو إجتماعي هو وهم جماعي يفتقر للجوهر الأصيل. الساحر الذي يتقن هذا الإنفصال هو الذي نجح في سحب نفسه من العدم مرتين؛ مرة عندما وُلد، ومرة عندما قرر أن يموت إجتماعياً لكي يحيا سحرياً في قلب الفراغ. إن إفتقار هذا الكيان المنعزل للثبات هو سر قوته، فهو لا يمكن الإمساك به أو تعريفه، تماماً كالعدم الذي يمثله. وبذلك، يظل الإنفصال هو الجسر الذي يعبره الساحر ليتخلص من ثقل الوجود و يتحول إلى نسمة من اللاوجود، قادرة على التلاعب بإدراك عالمٍ يظن أنه حي، بينما هو في الحقيقة ليس سوى صدى إجتماعي لعدمٍ لم يدرك حقيقته بعد.

_ أنطولوجيا المحو: التخصص في اللاكيان بوصفه المادة الخام للخلق السلبي

يُمثّل اللاكيان (Non-Being) في أروقة الفلسفة السحرية العميقة المادة الخام الأكثر إستعصاءً على الترويض، وهو ليس مجرد غيابٍ للشيء، بل هو تخصصٌ في العدم المطلق بوصفه قوةً فاعلةً وليس مجرد فراغٍ ساكن. حين يحاول الساحر التعامل مع اللاكيان، فإنه يقتحم منطقةً أنطولوجيةً تقع خارج حدود اللغة والتعريف، حيث الوجود لم يتشكل بعد والعدم لم يتقيد بصورة. إن السحر في هذا المستوى لا يهدف إلى خلق وهم بسيط، بل يهدف إلى إستحضار جوهر الخلاء وصبه في قوالب إدراكية بشرية، مما يجعل الكيان الناتج مسحوباً من العدم المطلق و لكنه يفتقر كلياً للثبات؛ إذ إن طبيعة اللاكيان ترفض الإستقرار في مظهرٍ واحد. الساحر هنا يعمل كوسيط بين ما يمكن تسميته بالإمتلاء الوجودي و بين السيولة العدمية، محاولاً منح اللاكيان هويّةً مؤقتةً تسمح له بالظهور في عالمنا كخداع إدراكي متقن، وهو ظهورٌ يشبه وميض البرق في سماءٍ حالكة؛ يضيء العدم لبرهةٍ ثم يرتد إليه، مؤكداً أن ما رأيناه لم يكن كياناً بل كان نبضةً من اللاشيء. وتتعمق هذه العلاقة عندما ندرك أن التخصص في العدم المطلق يتطلب من الساحر ممارسة نوعٍ من التفكيك الذاتي؛ فلكي يتمكن من ملامسة اللاكيان، يجب أن يُلغي في نفسه كل ما يمت للمادة بصلة، محولاً وعيه إلى مرآةٍ صافيةٍ تعكس الفراغ ولا شيء غيره. إن اللاكيان الذي يتم إستحضاره يفتقر للثبات لأنه لا ينتمي إلى قانون الصيرورة، بل ينتمي إلى قانون السكون المطلق الذي يسبق الخلق. السحر في هذا السياق هو عملية تجسيد للعدم عبر أدوات سلبية، حيث يُنتزع الجزء من الكل ويُجبر على إتخاذ شكلٍ مكاني. هذا الكيان الناتج هو في الحقيقة عدمٌ مُقنّع، وهو يمثل ذروة تخزين قوة العدم؛ إذ إنه يحمل في داخله برودة اللاوجود وقدرته على محو المسافات و المعاني. إن الفشل في هذا النوع من السحر لا يعني الخطأ في الطقس، بل يعني الإبتلاع؛ أي أن اللاكيان قد إستعاد الساحر إلى العدم المطلق، معتبراً إياه جزءاً من الفراغ الذي حاول ترويضه، وهو ما يثبت أن العدم لا يدعم الكيانات غير الجوهرية إلا لكي يضمها إليه في النهاية. علاوة على ذلك، فإن التعامل مع اللاكيان يطرح إشكالية فلسفية حول أصالة الوجود؛ فإذا كان الساحر قادراً على سحب كيانات من العدم المطلق، فإن ذلك يعني أن الوجود الذي نعيشه قد يكون هو نفسه تخصصاً في نوعٍ معين من العدم المنظم. الكيانات التي يولدها سحر اللاكيان تفتقر للثبات لأنها أشباح أنطولوجية، فهي تمتلك الحضور دون الجوهر، والإسم دون المسمى. إن السحر الأسود أو السحر الأعلى الذي يغوص في هذه المنطقة يعمل كممحاة للواقع، حيث يتم إستخدام اللاكيان لنقض قوانين المادة. هذا التخصص هو في الحقيقة دراسة لفجوات الوجود وكيفية توسيعها لكي يفيض منها العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم هنا تصل إلى مرحلة الإتحاد، حيث يصبح السحر هو الطريقة التي يتنفس بها العدم في عالم الأحياء، و يصبح اللاكيان هو السفير الرسمي لهذا التنفس، وهو سفيرٌ غدار، يفتقر للثبات، ويعد بالظهور ليمنح الغياب، مما يجعل كل فعل سحري في هذا النطاق هو مقامرة بالوجود كله مقابل لحظة من التماهي مع الخواء المطلق. ختاماً، يظل التخصص في اللاكيان هو المسعى الأخير لكل عقلٍ يحاول فهم ما وراء الستار، حيث يكتشف الساحر أن العدم المطلق ليس عدواً، بل هو الأصل الذي تفتقر إليه كل الأشياء لكي تكتمل. إن سحب كيان يفتقر للثبات من هذا العدم هو فعل خداع ذاتي كوني، يُراد به إثبات أن الإنسان قادر على الخلق حتى لو كان ما يخلقه هو الفناء نفسه. إن اللاكيان يظل اللغز الأكبر؛ فهو الذي ليس هو، وهو القوة التي تمنح السحر سحره عبر التهديد الدائم بالتلاشي. وبذلك، يظل الساحر المتخصص في العدم هو حارس الحافة، الذي يقف بين عالمٍ يظن أنه صلب وعدمٍ يعرف أنه الحقيقة الوحيدة، ممارساً طقوسه لكي يُرينا أن ما نراه كياناً قد لا يكون سوى لاكيان تم ترتيبه ببراعة لكي لا ندرك مدى هشاشة وجودنا أمام عظمة الفراغ.

_ الأرستقراطية العدمية: سحر الإنفراد وسلطة اللاشيء غير المشاع

يُمثل الإجتهاد الفردي في المسلك السحري، من منظور فلسفي غائر، صمام أمان أنطولوجي يهدف إلى حماية نقاء الفراغ الذي يتعامل معه الساحر من شوائب الوعي الجماعي وتلوثات الإدراك المشترك. إن العدم، في جوهره السحري، هو حالة من الإحتمالية المحضة التي لم تتلوث بعد بوقائع التفسير البشري؛ وحين ينخرط الساحر في ممارسة فردية منعزلة، فإنه يسعى لتجنب الضجيج المعرفي للآخرين الذي يعمل كقوة تثبيت قسرية تُفقد العدم سيولته. فالتأثيرات الجماعية هي في الحقيقة قوالب جاهزة تُجبر اللاشيء على إتخاذ أشكال محددة سلفاً، مما يجعل الكيان المسحوب من العدم في إطار جماعي مجرد نسخة مكررة تفتقر إلى الأصالة العدمية. لذا، يُعد الإجتهاد الفردي تقنية لتلقي قوة العدم الخام مباشرة من منبعها الأول، دون أن تمر عبر فلاتر اللغة أو العقائد أو التوقعات الإجتماعية التي تلوث الفراغ بكتلة من الوجود الزائف. الساحر الفردي هنا هو مستكشف في الخلاء، يحرص على أن يظل خيط الإتصال بين وعيه والعدم خيطاً فريداً، لكي يضمن أن الكيان الذي يستحضره، رغم إفتقاره للثبات، يمتلك صدقاً أنطولوجياً نابعاً من مواجهة ذاتية خالصة مع اللاوجود. وتتعمق هذه الفلسفة عند إدراك أن قوة العدم تتسم بحساسية مفرطة تجاه المراقب؛ ففي الفيزياء و الميتافيزيقا على حد سواء، يغير فعل الرصد من طبيعة المرصود. و حين تتعدد الأنظار نحو فعل سحري واحد، فإن العدم يضطر للإستجابة لإجماع تلك العقول، مما يحوله إلى وهم جماعي مستقر يفتقر إلى تلك النبضة السحرية المتفلتة. الإجتهاد الفردي هو محاولة لخداع الإدراك الكلي عبر الإنسحاب إلى فضاء لا يراه أحد، حيث يمكن للساحر أن يربي أوهامه في مختبر من الصمت. هذا الإنفصال يضمن عدم تسرب العدم الداخلي للآخرين بكل ما يحمله من شكوك ومخاوف إلى بنية السحر الخاصة بالساحر. فالآخرون، في الفلسفة السحرية، هم مرساة تشد الوعي إلى اليقين المادي، والساحر الذي يطمح لسحب كيانات من العدم المطلق يحتاج إلى التحرر من هذه المرساة لكي تظل كياناته خفيفة، سيالة، وقادرة على التجسد في مساحة اللايقين التي لا يوفرها إلا الإجتهاد الفردي الصارم. إن تلوث قوة العدم يعني فقدانها لخاصية التلاشي الحر، وبدلاً من ذلك، تصبح أوهاماً ثقيلة ومبتذلة تخضع لقوانين المتوسط الحسابي للعقول المحيطة. علاوة على ذلك، فإن الإجتهاد الفردي يعمل كعملية تقطير ميتافيزيقي؛ فالساحر يدرك أن كل إنسان يحمل في داخله عدماً صغيراً مشوهاً بآماله وندمه، و التعاون في السحر يعني خلط هذه العدميات المشوهة معاً، مما ينتج عدماً هجيناً يفتقر للحدة والوضوح. من خلال الإنفراد بالإجتهاد، يضمن الساحر أن اللاكيان الذي يتعامل معه هو إنعكاس لعدمية نقية لا تعرفها إلا الوحدة المطلقة. هذا التخصص في العدم الفردي يمنح الساحر سلطة فريدة على أوهامه؛ فهي كيانات تفتقر للثبات الفيزيائي لكنها تمتلك ثباتاً صوفياً داخل وعيه الخاص، ثباتاً لا يجرؤ الآخرون على خدشه لأنهم لا يملكون مفتاح الدخول إلى ذلك الفضاء المغلق. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذا السياق تصبح صلاة صامتة في محراب الفراغ، حيث يتم تجنب تلوث المعنى عبر الإمتناع عن التسمية الجماعية، محولاً السحر من عرض مسرحي إلى تجربة وجودية حية يتم فيها سحب اللاشيء وصبّه في قوالب الإرادة الفردية التي لم تتدنس بالإتفاقات البشرية على ماهية الواقع. ختاماً، يظل الإجتهاد الفردي هو التقنية الأسمى لضمان عذرية العدم في يد الساحر؛ فهو يدرك أن الحقيقة تتبدد حين يتشاركها الكثيرون، والعدم يهرب حين يحاول الجميع لمسه. إن إلغاء الروابط الإدراكية مع الآخرين هو الذي يسمح للساحر بأن يكون هو نفسه ثقباً أسود يمتص قوة العدم دون أن يسربها في قنوات التواصل الإجتماعي البليدة. الكيان المسحوب من العدم عبر الإجتهاد الفردي هو كيان أرستقراطي وجودياً؛ إنه لا يظهر للعوام، ولا يخضع لإختبار الحواس الجماعية، بل يظل سرّاً محفوظاً في قلب الخلاء الذي خلقه الساحر حول نفسه. و بذلك، يثبت السحر أن القوة الحقيقية لا تكمن في الإجماع، بل في تلك اللحظة الوحيدة و المنعزلة التي يجرؤ فيها وعي واحد على مخاطبة العدم المطلق دون وسيط، ليخلق وهماً خالصاً، يفتقر للثبات الكوني ولكنه يفيض بالسيادة الفردية على اللاشيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- -قدرات إيرانية مرعبة بإطلاق صواريخ من تحت البحر-.. هذه حقيقة ...
- أخبار اليوم: ترامب يدعو مجلس السلام لجمع الأموال لإعمار غزة ...
- إيران: دولة متعددة الأعراق تعصف بها صراعات داخلية
- ويتكوف يزور حاملة الطائرات لينكولن وإيران تتمسك بالتفاوض وتص ...
- كرنفال البندقية 2026.. كيف تعيش أجواء الاحتفال دون إنفاق ميز ...
- الاحتلال يطلق النار على معتقل في غور الأردن ومستوطنون يصيبون ...
- رئيس إقليم أرض الصومال لا يستبعد منح ميناء لإسرائيل
- أردوغان: اتخذنا مع ملك الأردن قرارات مهمة
- -ضرب والده فأرسله للمنفى-.. حارس نتنياهو السابق يكشف كواليس ...
- وزير الخارجية الصومالي: وثائق إبستين تفضح تدخلات خارجية في ق ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ و التِّسْعُون-