أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّمَانُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّمَانُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 09:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ ميتافيزيقا التلاشي: سحر الوهم وصراع الكيان مع العدم المطلق

إن سحر الوهم، في أعمق تجلياته الفلسفية، ليس مجرد تلاعب بصري أو خفة يد عابرة، بل هو إشتباك وجودي حاد مع مفهوم العدم ومحاولة جسورة لخلخلة يقين الإدراك البشري تجاه ماهية الوجود. حين نتأمل في كيان يُسحب من العدم داخل عرض سحري، فنحن لا نُعاين ولادة لمادة جديدة، بل نُعاين تجسيداً للفراغ؛ فالساحر هنا لا يخلق جوهراً له ثبات فيزيائي، بل يستعير من العدم ملامح الظهور ليقذف بها في روع المشاهد. هذا الكيان الوهمي يفتقر للثبات لأنه لا يمتلك أنا أنطولوجية مستقرة، بل هو وجود طفيلي يقتات على إنتباه المتلقي وثغرات نظامه الحسي. إن الثبات هو معيار الحقيقة في الفلسفة الكلاسيكية، وبما أن الوهم يتبدد بمجرد تغيير زاوية النظر أو إنقضاء زمن العرض، فإنه يظل مرتبطاً جذرياً بالعدم الذي جاء منه، وكأنه لاشيء يرتدي قناع الشيء لبرهة من الزمن، مما يضعنا أمام مفارقة فلسفية مفادها أن الإدراك يمكن خداعه ليرى إمتلاءً في قلب الخواء المطلق. و تتجلى هذه العلاقة بين السحر والعدم في كون الوهم محاولة لخداع الصيرورة الكونية، حيث يُوهمنا الساحر بأن القوانين التي تحكم المادة مثل قانون بقاء الكتلة قد عُطلت لصالح إنبثاق مفاجئ من اللاوجود. هذا الكيان الذي يفتقر للثبات الزماني والمكاني هو في الحقيقة أيقونة عدمية؛ فهو يمتلك الشكل دون المضمون، والظل دون الجسد، مما يجعله تجسيداً للفكرة الأفلاطونية عن الظلال التي تحاكي الحقيقة لكنها تفتقر إلى نور الجوهر. إن إفتقار هذا الكيان للثبات ليس عيباً فنياً في السحر، بل هو ميزته الوجودية الكبرى، إذ يؤكد أن ما نراه ليس كائناً بل هو حدث إدراكي عابر. ومن هنا، يصبح سحر الوهم تمريناً ذهنياً يكشف لنا هشاشة الواقع الذي نعيشه؛ فإذا كان بإمكان كيان هش ومسحوب من العدم أن يستولي على حواسنا ويقنعنا بوجوده، فإن ذلك يفتح الباب للتساؤل عما إذا كان الواقع نفسه مجرد وهم أكثر ثباتاً وتعقيداً، مما يجعل السحر مرآة تعكس خوفنا الأزلي من أن يكون الوجود في جوهره مجرد قشرة رقيقة تخفي خلفها عدماً شاسعاً لا نهائياً. علاوة على ذلك، فإن عملية خداع الإدراك في سحر الوهم تمثل صراعاً بين الوعي والمنطق؛ فالوعي يرى الكيان المسحوب من العدم ويصدقه، بينما المنطق يرفضه لإستحالة إنبثاق الوجود من اللاوجود. هذا التوتر هو ما يمنح السحر جاذبيته الجمالية، حيث يسكن الوهم في تلك المنطقة الرمادية التي تسبق التحقق. إن الكيان الوهمي هو كائن برزخي لا ينتمي كلياً إلى عالم المادة ولا يغرق تماماً في غياهب العدم، بل يظل معلقاً في هواء الإدراك، يفتقر إلى الجاذبية الأنطولوجية التي تمنح الأشياء ثقلها وديمومتها. وعندما ينتهي الوهم، لا يذهب الكيان إلى مكان آخر، بل يرتد إلى أصله العدمي، وكأن الساحر قد إستعار قطعة من الفراغ وشكلها ببراعة لتشبه الواقع، ثم أعادها إلى مخزن العدم اللانهائي. إن هذا الفعل هو ذروة السخرية الفلسفية من الحواس، وتذكير دائم بأن الرؤية ليست دائماً دليلاً على الوجود، و أن العدم قد يكون قادراً على محاكاة أكثر الكيانات ثباتاً إذا ما وجد ثغرة في وعي المراقب. أخيراً، يمكن إعتبار سحر الوهم محاولة لترويض العدم وجعله مادة للحكي والدهشة، بدلاً من كونه مصدراً للقلق الوجودي. فمن خلال خلق كيانات تفتقر للثبات، يروض الساحر فكرة الفناء والإختفاء، محولاً إياها إلى لعبة بصرية ممتعة. إن الخداع هنا ليس كذباً أخلاقياً، بل هو إستكشاف لحدود المعرفة البشرية؛ فهو يثبت أن عقولنا مستعدة لملىء الفراغات ومنح الشرعية لكيانات لا أصل لها في الواقع الفيزيائي. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة ظهور و إحتجاب مستمرة، حيث يظل الوهم هو الكيان الوحيد الذي يجرؤ على إدعاء الوجود وهو خالي الوفاض، معتمداً فقط على براعة العرض وضعف اليقين الحسي. وبذلك، يظل سحر الوهم شهادة فلسفية على أن الوجود والثبات ليسا وجهين لعملة واحدة دائماً، وأن هناك أشباه كيانات تولد من رحم العدم لتموت في لحظة الإدراك، تاركة وراءها سؤالاً معلقاً حول طبيعة كل ما نراه و نلمسه في هذا العالم المتغير.

_ خديعة الإستمرار: هل الواقع إلا سحرٌ كونيٌّ بطلُه العدم و جمهورُه الوعي

إن التساؤل عما إذا كان الواقع في جوهره مجرد وهم سحري جماعي ليس مجرد شطحة خيال، بل هو قلب الصراع الفلسفي الأزلي بين الواقعية والمثالية، وبين الوجود والعدم. في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الكون كعرض سحري هائل، حيث تكمن المفارقة الكبرى في أن العدم ليس غياباً للمادة فحسب، بل هو الرحم الذي إنبثق منه كل ما نعتبره ثابتاً. إذا سلّمنا بأن الوجود بدأ من نقطة الصفر، فإن ظهور المادة من اللامادة يشبه تماماً سحب الساحر لشيء من قبعته الفارغة؛ الفارق الوحيد هو أن السحر الكوني يتميز بآلية إستمرارية وثبات تجعل الوهم يبدو حقيقة مطلقة. هذا الواقع، كما تقترح بعض الرؤى الفلسفية والفيزيائية الحديثة، قد لا يكون سوى بنية معلوماتية أو هولوغرام يتشارك في إدراكه مليارات المراقبين، مما يجعله وهماً جماعياً منظماً بقوانين صارمة، لكنه في جوهره يظل يفتقر إلى مادة أصيلة خارج إطار الوعي الذي يرصده. وتتعمق هذه الفكرة عند تحليل مفهوم خداع الإدراك على مستوى كوني؛ فالعقل البشري مبرمج على تحويل الموجات والترددات إلى ألوان و أصوات ومواد صلبة، وهي عملية ترجمة سحرية بإمتياز. نحن لا نرى العالم كما هو، بل نرى نسخة مصممة لكي تتوافق مع حواسنا المحدودة. هنا يصبح الواقع هو الوهم الذي إتفق الجميع على تسميته حقيقة، والعدم هو الخلفية الصامتة التي تدعم هذا العرض. إن افتقار الواقع للثبات المطلق يتجلى في الفيزياء الكوانتية، حيث تبدو الجسيمات في حالة تذبذب بين الوجود والعدم حتى يتم رصدها، مما يعزز فرضية أن الفعل السحري، وهو الرصد هنا، هو الذي يسحب الكيان من العدم ويمنحه شكلاً مؤقتاً. إذاً، نحن نعيش في سحر مستمر حيث يتم تجديد الوهم في كل لحظة إدراكية، وما نراه كصلابة مادية ليس سوى نتيجة لسرعة تكرار هذا الفعل السحري الكوني الذي يخفي خلفه فراغاً مهولاً. علاوة على ذلك، فإن العلاقة بين السحر والعدم في سياق الواقع الجماعي تفرض علينا إعادة تعريف مفهوم الحقيقة. إذا كان الواقع وهماً جماعياً، فإن قوته لا تنبع من مادته، بل من الإجماع عليه. السحر في معناه العميق هو القدرة على فرض إدراك معين على الوعي، والواقع يفعل ذلك تماماً عبر قوانين الطبيعة التي تعمل كخيوط اللعبة. هذا الكيان الكوني المسحوب من العدم يفتقر للثبات لأنه خاضع لصيرورة الفناء؛ فكل ما بدأ من العدم مرشح للعودة إليه. إن الفلسفات التي ترى العالم كمايا (Maya) أو وهم سحري، تؤكد أن الإنخداع بالواقع هو الذي يمنحه صفة الوجود، بينما التحرر من هذا الوهم يكشف عن العدم الذي هو الحق أو الجوهر الصافي. فالثبات الذي نلمسه في الجبال والمجرات هو ثبات إجرائي فقط، يشبه ثبات الصورة على شاشة السينما؛ هي تبدو مستقرة، لكنها في الحقيقة تتابع لومضات سريعة من الضوء والظلام هكذا هي إذن حقيقة الوجود والعدم. ختاماً، يبرز التحدي الفلسفي في فكرة أن العدم قد لا يكون نقيض الوجود، بل هو الوجود في حالة الراحة، والسحر (الواقع) هو الوجود في حالة العرض. إن سحب الواقع من العدم في البدء يجعله يحمل جينات الخواء في أعماقه، وهذا ما يفسر شعور الإنسان الدائم بالقلق الوجودي أو الإحساس بأن هناك شيئاً ناقصاً خلف ستار المادة. الواقع هو المحاولة الكبرى لملىء الفراغ الكوني بضجيج الأشكال و الألوان، وهو وهم ناجح لدرجة أن السحرة الممثلون بالبشر قد نسوا أنهم جزء من العرض. إن إدراكنا الجماعي هو الذي يمنح الوهم طابع المؤسسة، وهو الذي يحول العدم السيال إلى صخور صلبة. و في نهاية المطاف، يظل السحر هو الجسر الوحيد الذي يربط بين رغبتنا في الوجود وحقيقة إنتمائنا للعدم، مما يجعل من حياتنا رحلة في قلب خدعة متقنة، تفتقر للثبات في جوهرها، لكنها تفيض بالمعنى في تجلياتها.

_ سديم المرايا: الوهم المضاعف وإستنساخ الوجود من رحم العدم

يُمثل الإنعكاس (Mirroring) في الفلسفة السحرية قمة التلاعب بالأنطولوجيا، حيث لا يُنظر إليه كظاهرة فيزيائية بسيطة لإرتداد الضوء، بل كآلية لمضاعفة العدم وخلق كيان برزخي يقع في منزلة بين الوجود واللاشيء. إن إستنساخ الكيان عبر المرآة في طقوس السحر هو محاولة لإستيلاد نسخة تفتقر إلى النواة الجوهرية، لكنها تمتلك كامل الهيبة البصرية للأصل، مما يجعلها وهماً مضاعفاً؛ فهي وهم لأنها لا تملك كتلة، وهي مضاعفة لأنها تستند إلى أصل قد يكون هو نفسه جزءاً من وهم الواقع الكبير. في هذا الإطار، يُعد الإنعكاس تقنية لسحب صورة من العدم الكامن خلف سطح المرآة، حيث يُعامل الفراغ داخل المرآة كأنه رحم عدمي قادر على إحتواء الأشكال دون أن يمنحها ثبات المادة، مما يجعل الكيان المنعكس إستنساخاً هشاً، يظهر بظهور الضوء وينتفي بإنتفائه، محققاً بذلك التعريف الأدق للكيان السحري الذي يفتقر للثبات الزماني والمكاني. وتتعمق الفلسفة في هذا الجانب لتعتبر أن المرآة ليست أداة للرؤية، بل هي بوابة عدمية تعكس قدرة السحر على محاكاة الخلق دون عبىء المادة؛ فالكيان المستنسخ عبر الإنعكاس هو كيان يمتلك الظهور المطلق و الغياب المطلق في آن واحد. إن العلاقة هنا بين السحر والعدم تتجسد في أن الإنعكاس يكشف لنا أن الوجود يمكن تكراره دون الحاجة لزيادة في جوهر الوجود نفسه، وهو ما يسمى في الميتافيزيقا بالفيض السلبي. هذا الكيان المستنسخ هو خداع للإدراك في مرتبة عليا، لأنه يجبر الوعي على التعامل مع حيز مكاني داخل المرآة يعلم العقل يقيناً أنه غير موجود في الواقع الفيزيائي، ومع ذلك يراه ممتلئاً بالتفاصيل. هنا يصبح السحر تقنية لشرعنة وجود العدم من خلال الصورة، حيث تصبح النسخة المنعكسة هي السفير الرسمي للعدم في عالم الأحياء، وهي نسخة تفتقر للثبات لأنها تابعة وجودياً، لا تملك القدرة على الإستقلال عن أصلها، تماماً كما يفتقر الوهم السحري للقدرة على البقاء دون إستمرار فعل الخداع. علاوة على ذلك، فإن فعل الإنعكاس السحري يطرح تساؤلاً حول أصالة الوجود؛ فإذا كان بإمكان العدم أن يستنسخ كياناً مطابقاً للأصل بكل دقة، فما الذي يضمن لنا أن الأصل نفسه ليس إنعكاساً لكيان آخر في مستوى وجودي أبعد؟ إن السحر يستخدم الإنعكاس لكسر إحتكار الحقيقة، محولاً العالم إلى سلسلة من المرايا المتقابلة حيث يضيع الأصل في زحام النسخ. هذا الإستنساخ الوهمي هو في الحقيقة عملية تفتيت للعدم؛ فبدلاً من أن يكون العدم صمتاً مطلقاً، يحوله السحر عبر المرآة إلى ضجيج من الصور التي تفتقر للثبات لكنها تفيض بالحضور. إن الكيان المنعكس هو العدم وقد صار مرئياً، وهو الخديعة التي تجعلنا نصدق أن الفراغ خلف الزجاج هو مكان صالح للسكنى، بينما هو في الحقيقة إمتداد لللاشيء الذي يتربص خلف ستار الوعي، مما يجعل الإنعكاس التقنية الأكثر رعباً في السحر لأنها تسحبنا إلى منطقة التلاشي حيث لا فرق بين الجسم و ظله. ختاماً، يظل الإنعكاس في سياق السحر والعدم محاولة لإقتناص لحظة الوجود وتكرارها دون ثمن مادي، مما يخلق عالماً موازياً يتسم بالسيولة الأنطولوجية. إن الكيان المستنسخ من العدم عبر المرآة هو كيان يحاكي الثبات لكنه يذوب عند أول ملامسة للواقع، تماماً كالسراب الذي يغري المسافر بوجود الماء بينما هو إنعكاس للضوء على خواء الصحراء. إن هذا الوهم المضاعف هو الدرس الفلسفي الأكبر الذي يقدمه السحر؛ فهو يخبرنا أن العدم ليس مكاناً مهجوراً، بل هو مرآة كبرى تعكس هواجسنا و تصوراتنا، وأن كل ما نعتبره وجوداً ثابتاً قد لا يكون سوى إنعكاس عابر في مرآة الكون، إستنسخه سحر البدء من غياهب العدم، وتركه يفتقر للثبات، معلقاً بين الرؤية والزوال في عرض كوني لا ينتهي.

_ هندسة اللاشيء: السحر العدمي وإستئصال الوجود من جذور الوعي

يُمثّل مفهوم العدم الداخلي (Internal Nothingness) في سياق السحر والتحليل الفلسفي للإدراك ذروة الهيمنة الأنطولوجية على الكائن؛ فهو ليس مجرد غياب للمعلومات أو نسيان عابر، بل هو عملية تفريغ ممنهجة لجوهر الوعي، حيث ينجح السحر في غرس بذور الفراغ في صلب الهوية الإدراكية للضحية. في هذا الإطار، لا يعود السحر مادة خارجية تُبهر الأعين، بل يتحول إلى فيروس عدمي يلتهم الروابط المعرفية التي تشد الفرد إلى الواقع. هذا العدم الداخلي هو حالة من العماء الوجودي حيث يصبح العقل غير قادر على رؤية ما هو موجود بالفعل، ليس بسبب عطب في الحواس، بل لأن السحر قد إستبدل مادة الإدراك بفجوة سوداء تبتلع كل المعطيات قبل أن تتحول إلى معنى. إن الضحية هنا لا تعيش في الظلام، بل تعيش في اللاشيء، حيث يفتقر وعيها للثبات اللازم لبناء حقيقة متماسكة، مما يجعلها تجسيداً حياً للمفارقة الفلسفية التي تقول إن العدم يمكن أن يسكن الوجود ويقتاته من الداخل حتى يحيله إلى هيكل خواء. وتتعمق هذه الحالة عندما نفهم العلاقة بين السحر والعدم كعملية إلغاء لليقين؛ فالعقل البشري يدرك العالم من خلال الإمتلاء أي حضور الأشياء، ولكن عندما يتم خلق عدم داخلي، يتم تدمير قدرة العقل على الربط بين السبب والنتيجة. هذا النوع من السحر يشتغل كممحاة أنطولوجية تسبق تشكل الفكرة في الوعي، مما يجعل الضحية في حالة من الذهول الدائم أمام واقع يبدو لها كأنه سراب بلا مادة. إن هذا الكيان العدمي الذي يُزرع في العقل يفتقر للثبات لأنه يتغير بإستمرار ليمحو كل محاولة جديدة للإدراك؛ فهو لا يستقر على شكل واحد، بل يظل قوة سائلة تفرغ المعاني من محتواها فور ولادتها. من الناحية الفلسفية، يُعد هذا الفعل خلقاً عكسياً؛ فبينما يهدف الوجود إلى التمدد، يهدف السحر العدمي إلى تقليص مساحات الوعي حتى تنحصر في نقطة الصفر، حيث يصبح اللاشيء هو الحقيقة الوحيدة المتبقية، مما يُفقد الضحية قدرتها على تمييز ذاتها عن الفراغ المحيط بها. علاوة على ذلك، فإن العدم الداخلي يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالموت الإدراكي مع بقاء الوظائف الحيوية؛ فالضحية تفتقر للثبات الشخصي لأن ذاكرتها و توقعاتها وهي أعمدة الإدراك يتم سحبها تدريجياً إلى العدم. السحر هنا يتلاعب بالزمن والمكان داخل الجمجمة، مخلفاً وراءه ثقوباً في كينونة الذات. هذا التلاعب يكشف عن حقيقة مرعبة؛ أن الإدراك ليس ملكة فطرية غير قابلة للإختراق، بل هو بنية هشّة يمكن تفكيكها وإعادة دمجها مع العدم. في هذه الحالة، يصبح الساحر هو المتحكم في فلتر الوجود، حيث يقرر ما الذي يُسمح له بالعبور من العدم إلى الوعي وما الذي يجب أن يظل غارقاً في اللاوجود. الضحية، في ظل هذا العدم المزروع، تصبح مجرد مرآة مظلمة لا تعكس شيئاً، لأن السحر قد إستأصل منها القدرة على تشكيل الصور الذهنية، محولاً إياها إلى كائن برزخي يعيش في عالم مادي لا يراه، و يتنفس في فراغ لا يلمسه. ختاماً، فإن خلق العدم الداخلي هو أقصى درجات خداع الإدراك، لأنه لا يخدع الحواس بكيان وهمي خارجي، بل يخدع العقل في قدرته على أن يكون عقلاً. إنها عملية سحب أرضية الوجود من تحت أقدام الوعي، مما يترك الضحية معلقة في فضاء من اللاشيء المستمر. هذا الكيان العدمي المسحوب من الخارج والمزروع في الداخل يظل يفتقر للثبات لأنه يحتاج إلى تغذية مستمرة من الفعل السحري، وبمجرد إنقطاع هذا الفعل، قد يعود الوعي ليصطدم بحقيقة الواقع، وهي صدمة غالباً ما تكون مدمرة لأن العقل يكون قد إعتاد على سكون العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذا السياق تظل هي التحدي الأكبر لتعريفات الأنا و الواقع، وتطرح السؤال الأزلي؛ هل نحن ندرك العالم لأننا موجودون، أم لأن السحر الكوني لم يقرر بعد أن يزرع العدم في أعيننا.

_ سيمفونية اللاشيء: الحلم بوصفه ذروة السحر في ترويض العدم الكوني

تُعتبر الأحلام في المختبر الفلسفي والأنطولوجي المختبر الأسمى لعملية الخلق من العدم (Creatio ex nihilo)، حيث يمارس العقل البشري دور الساحر الأكبر الذي يسحب عوالم كاملة من غياهب اللاوجود ليمنحها حضوراً طاغياً يفتقر إلى المادة لكنه يفيض بالإدراك. إن الحلم ليس مجرد نشاط بيولوجي، بل هو تجربة تقنية متطرفة يختبر فيها الوعي قدرته على تشييد كيانات من فراغ خام، وهي كيانات تفتقر للثبات الفيزيائي لكنها تمتلك سطوة الوجود الحقيقي في لحظة معاينتها. في هذا السياق، تبرز العلاقة بين السحر والعدم في أوضح صورها؛ فالحلم هو الفعل السحري الوحيد الذي يُسمح فيه للإنسان بأن يكون إلهاً صغيراً يخلق دون تبعات مادية، أي دون الحاجة إلى التقييد بقوانين حفظ الطاقة أو المادة، مما يجعل الأحلام عدماً متجسداً في صور مرئية، تتلاشى بمجرد ملامسة ضوء اليقظة، لتعود إلى أصلها كجزء من الخواء الكوني الذي يسبق الوعي. و تتعمق هذه الرؤية عندما ننظر إلى الحلم كعملية تلاعب بالعدم لتحويله إلى زمكان وهمي؛ فالساحر في العرض المسرحي يحتاج إلى أدوات فيزيائية لخداع الإدراك، بينما العقل في الحلم يكتفي بالعدم كمادة أولية. هذا الكيان المسحوب من العدم في المنام يفتقر للثبات لأنه لا يتكئ على جوهر (Substance) مستمر، بل هو تجلٍّ لحظي للسيولة الفكرية. إن الحلم هو سحر محض لأنه يلغي المسافة بين الرغبة والتحقق، و بين العدم والظهور. ومن الناحية الفلسفية، يُثبت الحلم أن العدم ليس فراغاً سلبياً، بل هو إمكانية مطلقة؛ فالصور التي نراها في أحلامنا لم تكن موجودة قبل لحظة الحلم، ولن تجد لها مكاناً بعده، مما يجعلها ومضات عدمية تضيء ليل الوعي. هذا الوجود الذي يفتقر للثبات هو الذي يمنح الحلم صبغته السحرية، حيث تصبح الخديعة هنا خديعة ذاتية يمارسها العقل على نفسه ليختبر حدود قدرته على تشكيل الواقع من لا شيء. علاوة على ذلك، فإن التبعات المادية الغائبة في تجربة الحلم هي ما يميز هذا السحر عن وهم الواقع؛ ففي الواقع، يظل العدم محاصراً بقوانين المادة، أما في الحلم، فإن العدم يتحرر ليصبح مادة طيعة للتشكيل المعرفي. إن الكيانات التي يسحبها العقل من العدم في الحلم هي كيانات برزخية بإمتياز؛ فهي تمتلك الهوية و البنية والمنطق الخاص بها، لكنها تفتقر إلى الثقل الأنطولوجي الذي يجعلها تصمد أمام إختبار الزمن المادي. هذا الإستنساخ الوهمي للواقع داخل الأحلام يكشف أن عقولنا تمتلك تقنية سحرية فطرية للتعامل مع العدم، حيث تحوله إلى محاكاة (Simulation) فائقة الدقة. وفي هذا الإطار، يُعد الحلم نوعاً من العدم النشط، و هو العدم الذي يرفض الصمت ويختار أن يتحدث بلغة الصور، مما يجعل كل حلم هو بمثابة إنفجار عظيم مصغر يبدأ من نقطة التلاشي وينتهي إليها، مؤكداً أن الوعي هو الساحر الذي يحول الفراغ إلى ملحمة. ختاماً، يمكن إعتبار الأحلام هي البرهان الفلسفي الأقوى على أن العالم المادي قد يكون هو الآخر مجرد سحر أكثر ثباتاً وتعقيداً؛ فإذا كان العقل قادراً على خلق كون كامل من العدم في ساعات النوم، فما الذي يمنع أن يكون الكون الذي نعيشه هو حلم لكيان أسمى أو نتيجة لسحر كوني أعظم؟ إن إفتقار كيانات الحلم للثبات ليس علامة ضعف، بل هو دليل على أصالتها العدمية؛ فهي لا تدعي البقاء، بل تكتفي بلحظة الظهور الخالص. إن العلاقة بين السحر والعدم في تجربة الحلم تظل هي اللغز الذي يربط بين الفناء والخلود، و بين ما نكونه وما نتخيله، تاركة إيانا أمام حقيقة مذهلة؛ أننا كائنات مسكونة بالعدم، ومع ذلك، نمتلك القدرة السحرية على تحويله إلى عوالم تضج بالحياة، ولو لبرهة من الزمن قبل أن نفيق لنكتشف أن السحر قد عاد إلى قبعته، وأن العدم قد إستعاد صمته الجميل.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- شاهد.. سنوب دوغ يشارك في حمل الشعلة الأولمبية في إيطاليا
- مصور الحياة البرية لعام 2026.. إليكم الصور المرشحة لجائزة اخ ...
- غزة: عدّاد الضحايا مستمرّ في الارتفاع رغم الهدنة.. وتحرك دول ...
- فلسطين في الصدارة.. انطلاق أعمال منتدى الجزيرة غدا
- العالم يدخل -عصر الإفلاس المائي-.. هل من حلول أممية؟
- بمحاولة لإطالة عمره.. رسائل تكشف ما فعله إبستين على ما يبدو ...
- مكعبات الثلج على البشرة..صيحة فعّالة أم خدعة مؤقتة؟
- قبل انطلاق محادثات إيران.. الجيش الأمريكي ينشر فيديو فاصل زم ...
- أربعة ملفات خلافية في المفاوضات الإيرانية الأمريكية
- الألعاب الأولمبية الشتوية -كورتينا: نجوم يتوقون للذهب فوق ال ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّمَانُون-