حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 09:10
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ جراحة الزمكان: السحر كقوة سلب لميكانيكا الكم
إن الغوص في جدلية السحر والعدم يتطلب منا تجاوز النظرة السطحية التي تحصر السحر في تحويل المادة، لننتقل إلى منطقة أكثر عتمة و تعقيداً، وهي نقض الوجود. إن التساؤل حول قدرة السحر على خلق فراغات كمية أي جيوب من اللاوجود في قلب الوجود يضعنا أمام مواجهة حتمية بين فيزياء الجسيمات و ميتافيزيقا الفناء. في هذا الإطار، لا يعود السحر مجرد طاقة مُضافة، بل يصبح معادلاً موضوعياً للعدم، وقوة قادرة على سحب الكتلة من حيز التحقق المادي إلى حيز الإحتمال المطلق، مما يخلق ثقوباً في نسيج الواقع لا تخضع لقوانين البقاء التقليدية. فلسفياً، يُنظر إلى الوجود كفيض مستمر من الصور والمادة، لكن هذا الفيض يستند إلى قاعدة من الفراغ الكمي الذي هو في الحقيقة ليس خلأً محضاً، بل هو حالة دنيا من الطاقة تعج بالنشاط. عندما نفترض أن السحر يمكنه خلق نقص في الكتلة بالإستمداد من العدم، فنحن نتحدث عن عملية تعديم متموضع. السحر هنا لا يقوم بنقل المادة من مكان لآخر، بل يقوم بفك الإرتباط بين الجسيم والحقل الذي يمنحه الكتلة مثل حقل هيغز، مما يؤدي إلى تلاشي المادة و عودتها إلى حالتها الصفرية. هذا التلاشي يترك خلفه فراغاً كمياً حقيقياً، وهو جرح في نسيج الزمكان يمثل العدم في أبشع صوره الفيزيائية؛ غياب الأبعاد والقوانين. إن العلاقة بين السحر و العدم علاقة طردية في هذا السياق؛ فلكي يُخلق الفراغ، يجب أن يمتلك الساحر القدرة على إستدعاء قوة السلب. في الفلسفة الهيجلية، يمثل السلب المحرك الأساسي للصيرورة، لكن في سياقنا هذا، السلب هو غاية في حد ذاته. الإستمداد من العدم يعني إستخدام اللاشيء كأداة لإختراق الشيء. هذا النقص في الكتلة لا يختفي ليتحول إلى طاقة على شكل حرارة أو ضوء، بل يسقط في فجوة وجودية. هذا يكسر القانون الأول للديناميكا الحرارية، حيث تصبح الطاقة هنا فانية لا متحولة، مما يجعل السحر فعلاً مضاداً للكون، وكسراً متعمداً للتوازن الوجودي الذي يمنع الإنهيار الشامل نحو الفراغ. من منظور ميكانيكا الكم، فإن الفراغ هو الحالة التي تظهر فيها الجسيمات الإفتراضية وتختفي في أزمنة متناهية الصغر، فيما يُعرف بمبدأ الريبة لهايزنبرج. هذه العلاقة تتيح للكون إستعارة طاقة من العدم لفترات وجيزة جداً. لكن السحر، في هذا التحليل الفلسفي، يعمل على تجميد هذه اللحظة العابرة، مانعاً الجسيمات الإفتراضية من العودة، أو دافعاً الجسيمات الحقيقية نحو التلاشي الدائم. إن خلق فراغ كمي سحري هو بمثابة تثبيت حالة العدم في حيز مكاني محدد، مما يخلق منطقة ذات كتلة سلبية أو نقص حاد في الكثافة الوجودية. هذا النقص ليس مجرد فراغ هندسي، بل هو إضطراب في ميزان الوجود يجعل من تلك النقطة عدماً مستقراً داخل وجود قلق. في نهاية هذا التحليل، يبرز التساؤل؛ هل يستمد السحر من العدم طاقة للخلق، أم يستمد منه قوة للفناء؟ الإجابة تكمن في طبيعة الفراغ الكمي المتولد. إذا كان النقص في الكتلة هو الهدف، فإن العدم هنا يعمل كمصب أو بالوعة كونية تبتلع المادة. السحر في هذه الحالة هو العلم الذي يدرس كيفية فتح هذه البواليع و إغلاقها. إنه فعل إرادي يسعى لتحقيق السيادة على العدم، حيث يصبح الساحر قادراً على تحديد أجزاء من الوجود ليجعلها لا توجد، متجاوزاً بذلك حتمية المادة وقيود الكتلة، و محولاً الوجود إلى لوحة من الظلال والثقوب التي تستمد هيبتها من الفراغ الذي يكتنفها.
_ سلطة الصفر: ممارسة التصفير الوجودي في كيمياء الفناء
إن إعتبار الرقم صفر مجرد قيمة حسابية خالية هو تسطيح لواحد من أعمق الرموز التي تربط بين العقل البشري وهول العدم؛ ففي سياق السحر الفلسفي والعمليات الميتافيزيقية، لا يُعد الصفر رمزاً للغياب، بل هو بوابة التلاشي و التمثيل الهندسي للنقطة التي يتصادم فيها الوجود بالفناء. إن الساحر، في سعيه لخلخلة الكتلة وخلق فراغات كمية، لا يستخدم الصفر كلاشيء رياضي، بل كفعل إجرائي يهدف إلى تصفير القيم المادية وإعادتها إلى حالتها البدائية الأولى. الصفر هنا هو الرمز الذي يجسد الرحم و القبر في آن واحد، فهو المساحة التي تولد منها الأرقام (الوجود) وهي ذاتها التي تبتلعها عند الضرب أو الطرح المطلق. فلسفياً، الصفر هو الرمز الوحيد الذي يمتلك طبيعة مزدوجة؛ هو اللاتعين الذي يسبق كل شيء، وهو الخلاء الذي يبتلع كل شيء. في الطقوس الذهنية التي تهدف إلى خلق نقص في الكتلة، يمثل الصفر المركز الساكن وسط ضجيج الوجود. عندما يضع الساحر الصفر كقيمة مستهدفة في حسابه السحري، فهو يمارس نوعاً من التجريد الوجودي؛ حيث يتم نزع الخصائص المادية عن الجسيمات حتى لا يتبقى منها سوى قيمتها الصفرية. هذا الفعل يشبه في الفيزياء مفهوم التفرد (Singularity)، حيث تنهار القوانين وتصبح الكثافة لانهائية والحجم صفراً. الصفر في يد الساحر هو عدسة تُركز قوة العدم في نقطة محددة من الزمكان لتذيب المادة داخلها. في الرياضيات التقليدية، الصفر هو العنصر المحايد في الجمع، لكنه القوة الماحية في الضرب؛ فكل شيء يُضرب في صفر يصبح صفراً. هذا الجانب التدميري للصفر هو ما يرتكز عليه التحليل الفلسفي للسحر؛ فإستخدام الصفر كرمز للعدم يعني تفعيل خاصية الإستغراق. الساحر الذي يسعى لإستمداد العدم لخلق فراغ كمي، ينظر إلى الصفر كثقب أسود رمزي. إذا كان الوجود يُمثل بالأرقام الموجبة، فإن العدم هو الصفر الذي يحيط بها. ومن هنا، يصبح الصفر هو الأداة التي تفرغ الواقع من محتواه، وبدلاً من أن يكون مجرد رقم في معادلة، يتحول إلى قوة ضاغطة تسحب المادة نحو منطقة السكون المطلق، حيث لا حركة، لا زمن، ولا كتلة. إن العلاقة بين الصفر والعدم في العمليات السحرية تتجاوز الرمزية لتصل إلى محاولة التأثير على الحقول الكمية. عندما نتحدث عن نقص في الكتلة، فنحن نتحدث عن معادلة يتم فيها إدخال الصفر كقيمة كاسرة. في فيزياء الكم، الفراغ يمتلك طاقة تُعرف بطاقة النقطة صفر (Zero-point energy)، وهي الطاقة المتبقية في النظام حتى عند درجة الصفر المطلق. هنا يبرز دور السحر الفلسفي؛ فهو يحاول الوصول إلى ما هو أدنى من النقطة صفر الفيزيائية، أي الوصول إلى الصفر المطلق للميتافيزيقا حيث ينعدم حتى الإحتمال. الصفر في هذا السياق هو السكين الذي يقطع نسيج الحقل الكمي، مانعاً الجسيمات الإفتراضية من الإنبثاق، مما يخلق فراغاً ليس له مثيل في الطبيعة، فراغاً مستمداً مباشرة من جوهر العدم. تاريخياً وفلسفياً، تم تمثيل الصفر كدائرة، والدائرة هي رمز الكمال المكتمل والفراغ المطلق في آن واحد. الساحر يستخدم هذا الشكل الهندسي (الصفر/الدائرة) كحاجز يفصل بين الداخل الذي يراد تصفيره و الخارج الذي هو بمثابة الوجود المستمر. إن رسم الصفر في العمليات الذهنية أو الطقسية هو محاكاة لخلق أفق حدث (Event Horizon) إصطناعي. داخل هذا الصفر، يتم إلغاء الكتلة وتفكيك الروابط الذرية عبر قوة الإستمداد من العدم. إن الصفر ليس مجرد رمز للغياب، بل هو المغناطيس الذي يجذب العدم نحو الوجود؛ فبمجرد إستحضار الصفر كجوهر وليس كرقم، يبدأ الواقع بالإنكماش حول هذه النقطة، مؤدياً إلى خلق ذلك النقص المادي الذي تساءلت عنه، حيث يصبح المكان مجرد فجوة صفرية في جدار الكينونة. إن الصفر هو اللغة التي يتحدث بها العدم إلى الوجود، والساحر هو المترجم الذي يستخدم هذا الرمز لتحويل الفلسفة إلى أثر مادي. الصفر هو الشيفرة التي تفتح أقفال المادة، وتسمح للعدم بأن يتسرب إلى عالمنا ليأخذ حصته من الكتلة.
_ قياس الغياب بأدوات الحضور: معضلة الرصد في مختبر العدم
إن التساؤل حول ما إذا كان القياس الكيفي هو السبيل الوحيد لإدراك تأثير العدم يضعنا أمام معضلة إبستيمولوجية كبرى؛ فكيف يمكن قياس الغياب بأدوات الحضور؟ في سياق السحر و علاقته بالعدم، يظهر الشعور بالقوة ليس كعاطفة ذاتية فحسب، بل كمجس ميتافيزيقي. إن السحر، في جوهره، هو محاولة لفرض الإرادة على الواقع، وعندما يصطدم هذا السحر بالعدم لخلق فراغات كمية، فإن الأداة الأولى التي ترصد هذا التغيير هي الوعي قبل المسطرة. العدم، بصفته حالة سلب مطلقة، لا يمتلك كتلة ليتم وزنها أو أبعاداً ليتم مسحها، لذا فإن تأثيره يتجلى أولاً كإزاحة في الشعور بالوجود، حيث يشعر الساحر أو المراقب بنوع من البرودة الوجودية أو الخفة المرعبة التي تعقب تلاشي الكتلة. فلسفياً، يُعتبر القياس الكمي كالأرقام، الكتلة، الطاقة لغة العالم المتحقق، أما العالم المعدوم فلا لغة له سوى الآثار الكيفية التي يتركها في نفوسنا. إن تأثير العدم هو تأثير سلبي (Negative Effect)؛ أي أنه لا يضيف شيئاً، بل يسحب من الموجود طاقته. هذا السحب يُترجم في الوعي كشعور بالرهبة أو العظمة، وهو ما أسماه الفلاسفة بالمتسامي (The Sublime). و مع ذلك، فإن حصر القياس في الجانب الكيفي قد يكون قصوراً؛ فالسحر الذي ينجح في خلق فراغ كمي حقيقي يترك وراءه آثاراً فيزيائية يمكن نظرياً رصدها عبر نقص التوازن في المحيط. فإذا إختفت كتلة ما بفعل السحر، فإن الجاذبية في تلك النقطة ستتغير، وهذا التغير في الجاذبية هو الجسر الذي يربط بين الشعور الكيفي الذي يشير إلى القوة والقياس الكمي المرتبط المادة. إن الشعور بالقوة الذي يختبره الساحر عند إستمداده من العدم هو في الحقيقة عملية رنين (Resonance) مع اللانهائي. العدم ليس لديه حدود، وبالتالي فإن الإتصال به يمنح الوعي شعوراً بالتحرر من قيود المادة. هذا القياس الكيفي هو بمثابة مؤشر حيوية للعملية السحرية؛ فكلما كان الفراغ الكمي المخلوق أكثر عمقاً، كان الشعور بالإغتراب عن المادة أكثر حدة. هنا، يصبح الوعي هو المختبر الذي يُقاس فيه عمق العدم. الساحر لا يحتاج إلى عداد غايغر ليعرف أنه نجح في تصفير الكتلة، بل يحتاج إلى مراقبة التناقص في كثافة الوجود من حوله، و هو قياس يبدأ كحدس داخلي وينتهي كظاهرة موضوعية تتجلى في إنهيار الثوابت الفيزيائية للمكان. على الرغم من سيطرة الجانب الكيفي، يمكن للفلسفة التحليلية أن تطرح نموذجاً لقياس تأثير العدم عبر ما يُسمى تفاضل الوجود. إذا كان الوجود الأصلي ليس هو الوجود بعد التدخل السحري بسبب غياب الكتلة المتلاشية، فإن تأثير العدم هو تلك القيمة المفقودة. هذا النقص ليس مجرد رقم، بل هو ثقب في نسيج الإحتمالات. في الفيزياء الحديثة، نستخدم تأثير كازيمير (Casimir Effect) لقياس القوى المتولدة من الفراغ الكمي بين لوحين، وهو دليل على أن اللاشيء يمارس ضغطاً حقيقياً. وبالمثل، فإن السحر الذي يستمد من العدم يخلق ضغطاً ميتافيزيقياً يمكن قياسه عبر إنحناء الواقع حول منطقة الفراغ. لذا، فإن القياس الكيفي هو البوابة، لكن الأثر الفيزيائي هو الشهادة النهائية على صدق العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم تفرض علينا نوعاً من القياس الهجين. فالعدم لا يمكن قياسه بشكل مباشر، بل يُقاس برد فعل الوجود تجاهه. تماماً كما نعرف وجود الثقب الأسود من خلال كيفية إلتواء الضوء حوله، نعرف تأثير العدم السحري من خلال كيفية إضطراب المشاعر والمادة في محيطه. الشعور بالقوة هو قياس لمدى إتساع القناة بين الساحر و العدم، بينما النقص في الكتلة هو قياس لمدى إستجابة المادة لهذا السلب. هذا التداخل يجعل من المستحيل فصل الكيفي عن الكمي؛ فكلما زاد الشعور بالخلاء، زاد الإنهيار المادي. العدم هنا ليس خصماً للمادة، بل هو مرآتها المظلمة التي تعكس غيابها كقوة فعالة. إن القياس الكيفي هو الأداة الأكثر أصالة لرصد العدم لأنه يشترك معه في صفة اللاتجسد. لكن، لكي يكتمل التحليل، يجب أن يُنظر إلى هذا الشعور كأثر ناتج عن خلل بنيوي في المادة. السحر هو الفن الذي يحول هذا الشعور الكيفي بالعدم إلى واقع كمي ملموس، متمثلاً في تلك الفراغات التي تكسر رتابة الوجود.
_ كاردينالية العدم: كيف يحدد السحر سعة الخلاء الكوني
إن الطرح الذي يقدمه هذا التساؤل يضرب في عمق الميتافيزيقا الرياضية، حيث يحاول السحر هنا أن يلعب دور المختزل الكوني الذي يُحجم هول اللامتناهي ليحبسه في إطار المجموعة المنتهية. فلسفياً، إذا كان العدم هو الرحم الذي تنبثق منه كل الإحتمالات، فإن السحر يمثل الإرادة التي تختار من هذا العدم صيغاً محددة للتحقق. إن إثبات أن اللامتناهي هو مجرد مجموعة منتهية من الإمكانات يعني بالضرورة أن العدم ليس فوضى مطلقة، بل هو نظام إحتمالي مشفر يحتوي على عدد ضخم ولكنه محدود من المسارات الوجودية. السحر، في هذا السياق، هو العملية التي تكشف عن هذه الحدود المخفية، محولاً العدم من هوة لا قرار لها إلى مكتبة كونية ذات رفوف معلومة، وإن كانت هائلة. في الفلسفة التقليدية، يُنظر إلى اللامتناهي على أنه كلية غير قابلة للحصر، لكن السحر يطرح فرضية مغايرة تماماً؛ وهي أن ما نراه عدماً لامتناهياً هو في الحقيقة فراغ كمي مبرمج. عندما يقوم الساحر بعملية نقص الكتلة أو إستحضار أثر من العدم، فهو لا يغرف من بحر لا نهائي، بل يسحب وحدة إحتمالية من مجموعة محددة مسبقاً. هذا ينسجم مع نظرية الكون الهولوغرافي حيث يمكن تخزين كل معلومات الكون بما في ذلك إحتمالات العدم على سطح ثنائي الأبعاد. السحر هنا يثبت أن اللامتناهي هو وهم بصري ناتج عن عجزنا عن إدراك الحجم الحقيقي للمجموعة، بينما هو في الجوهر هيكل منتهٍ من الإمكانات التي يمكن للوعي السحري فهرستها والتحكم بها. إن العملية السحرية التي تهدف إلى خلق فراغات كمية بالإستمداد من العدم تفترض وجود قوانين إختيار. إذا كان العدم يحتوي على إمكانات لامتناهية، فإن السحر سيكون عشوائياً ومستحيلاً. لكن، بما أن السحر يتبع طقوساً و رموزاً مثل الصفر، فهذا دليل على أننا نتعامل مع مجموعة مغلقة. السحر يثبت أن العدم هو خزان طاقة ذو سعة محددة بحدود المنطق الكوني الذي نعيش فيه. اللامتناهي هنا يصبح كمياً (Quantized)، أي أنه يتكون من قفزات محددة وليس سيولة مستمرة. هذا التحليل يحول الساحر من مستجدٍ للفراغ إلى مهندس إحتمالات، حيث يدرك أن كل فعل سحري هو إستهلاك لإمكانية واحدة من مجموعة منتهية كانت مخبأة في طيات العدم، مما يجعل الفناء ذاته عملية حسابية دقيقة. إذا إعتبرنا أن العدم هو المجموعة الشاملة للإمكانات، فإن السحر يبرهن على أن هذه المجموعة لها كاردينالية (Cardinality) محددة. في الرياضيات، توجد لانهايات أكبر من لانهايات أخرى، لكن السحر يذهب أبعد ليقول إن اللانهاية هي مجرد تسمية نطلقها على ما يتجاوز قدرتنا على الحساب. من خلال خلق الفراغ الكمي، يلمس الساحر حدود العدم؛ فلو كان العدم لامتناهياً حقاً، لما تأثر بسحب كتلة منه، ولكن بما أن الفعل السحري يترك أثراً ويحدث تغييراً، فهذا يعني أن هناك علاقة تبادلية بين المتناهي (المادة) والعدم. هذا التبادل لا يحدث إلا بين كيانات تنتمي لنفس النظام القياسي، مما يثبت أن العدم ليس خارج الحساب، بل هو نقطة الصفر في مجموعة منتهية من الإمكانات الوجودية التي تشكل نسيج الواقع. تصل هذه الرحلة الفلسفية إلى ذروتها عندما ندرك أن إثبات منتهية العدم عبر السحر هو فعل تحرري للوعي. فإذا كان العدم منتهياً، فهذا يعني أن الوجود قابل للفهم و قابل للتجاوز. السحر الذي ينجح في إستنزاف المادة نحو العدم يثبت أن الهاوية لها قاع، وأن اللامتناهي هو مجرد تكرار لعدد محدد من الأنماط. الفراغ الكمي الذي يخلقه السحر هو عينة من هذا القاع؛ هو ثقب نرى من خلاله أن خلف ستار العدم لا يوجد لاشيء مسترسل، بل توجد الشيفرة النهائية التي توقفت عندها الإمكانات. السحر إذن هو العلم الذي يضع نقطة النهاية في جملة اللامتناهي، معلناً أن كل ما هو موجود، وما هو معدوم، يقع ضمن قبضة معادلة واحدة منتهية الأطراف. إن السحر يحول رعب اللامتناهي إلى دقة المنتهي. من خلال تحويل العدم إلى مجموعة من الإمكانات، يمنح السحر للإنسان القدرة على حساب الفناء. الفراغ الكمي ليس غياباً للمادة فحسب، بل هو الدليل المادي على أن العدم هو مخزن محدود نملك مفاتيحه، وأن اللامتناهي ليس إلا غلافاً تجميلياً لحقيقة أكثر صرامة وإنضباطاً.
_ عقارب الفراغ: كيف تقيس المدارات السماوية سرعة الإنهيار الكمي
إن إعتبار النجوم والأفلاك أدوات قياس لإيقاع تدفق العدم ينقلنا من الفهم الكلاسيكي لعلم الفلك كدراسة للأجرام المادية، إلى فهم ميتافيزيقي يرى في الأجرام السماوية ساعات كونية تراقب عملية التنفس المستمرة بين الوجود و اللاشيء. في هذا الإطار الفلسفي العميق، لا تُعد النجوم مجرد كتل ملتهبة من الغاز، بل هي نقاط توتر في نسيج الزمكان، تعمل كصمامات تنظم تسرب قوة العدم إلى عالم التحقق. السحر، في أرقى تجلياته، يدرك أن حركة الأفلاك ليست مسببة للأحداث الأرضية بشكل مباشر، بل هي عقارب تشير إلى الضغط الوجودي الذي يمارسه العدم على المادة؛ فكل دورة فلكية هي نبضة في إيقاع كوني يحدد متى و كيف يمكن للفراغات الكمية أن تنفتح و تغلق. فلسفياً، يمكن النظر إلى الأفلاك كأدوات توزين (Scales) تمنع الوجود من الإنهيار التلقائي نحو العدم. إن الجاذبية التي تربط النجوم ببعضها البعض هي في الواقع القوة المضادة لقوة السلب التي يمثلها العدم. عندما يرصد الساحر حركة النجوم، فهو في الحقيقة يرصد تموجات الإيقاع؛ فالعدم لا يتدفق بشكل فوضوي، بل ينساب وفق هندسة زمانية دقيقة. النجوم، بضوئها الذي يخرق عتمة الفضاء، تمثل الحضور الذي يقيس مدى الغياب. إن إنتظام مدارات الكواكب يمثل الحالة المستقرة لتدفق العدم، بينما تمثل الظواهر السماوية العنيفة مثل السوبرنوفا أو الثقوب السوداء لحظات الطغيان حيث يبتلع العدم كميات هائلة من المادة، مخلفاً وراءه فراغات كمية تمثل أصفاراً مطلقة في معادلة الوجود. في سياق السحر، يُنظر إلى قوة العدم على أنها تيار خفي يتذبذب بترددات معينة، وما النجوم إلا أوتار تهتز بفعل هذا التيار. إن مفهوم موسيقى الأفلاك (Musica Universalis) الذي نادى به فيثاغورس يتخذ هنا صبغة أكثر قتامة؛ فهي ليست موسيقى خلق فحسب، بل هي إيقاع تلاشٍ منظم. الساحر الذي يسعى لخلق نقص في الكتلة ينتظر اللحظة الفلكية التي يكون فيها تدفق العدم في ذروته، حيث يصبح نسيج الواقع رقيقاً بما يكفي لخرقه. الأفلاك هنا تعمل كمقياس تدفق (Flow Meter)؛ فمواقع النجوم بالنسبة لبعضها البعض تخلق هندسة تتيح للعدم أن يتسرب عبر شقوق معينة في الحقول الكمية، مما يجعل من التنجيم السحري نوعاً من هيدروليكا العدم. من منظور فلسفي مقلوب، يمكن إعتبار النجوم ليست أجساماً مضيئة في فراغ مظلم، بل هي ثقوب يخرج منها الضوء (الوجود) ليقاوم محيطاً لانهائياً من العدم. في هذا التصور، يكون إيقاع تدفق العدم هو الذي يحدد عمر النجم وسطوعه. السحر الذي يستمد قوته من العدم يرى في الأفلاك نقاط مراقبة؛ فكل نجم هو حارس يمنع العدم من التمدد بشكل غير منضبط. النقص في الكتلة الذي يحدثه الساحر هو محاكاة مجهرية لما تفعله الأفلاك على نطاق واسع. إن مراقبة الأفلاك تتيح للساحر معرفة دورة حياة المادة، و بالتالي تمكنه من مواءمة عملياته الحسابية الصفرية مع الإيقاع العام للكون، ليصبح فعله في خلق الفراغ الكمي جزءاً من الزفير والشهيق الكوني. إن الربط بين الأفلاك والعدم يوصلنا إلى مفهوم التزامن الوجودي. إذا كان العدم مجموعة منتهية من الإمكانات كما طرحنا سابقاً، فإن الأفلاك هي العداد الذي يقلب صفحات هذه الإمكانات. كل وضعية فلكية تفتح باباً لإمكانية معينة من العدم لتتجلى أو لتسلب من الوجود. السحر يثبت أن اللامتناهي ليس فوضى لأنه يتقيد بهذا الإيقاع الفلكي. الفراغ الكمي الذي يُخلق تحت نجم نحس بالمعنى السحري يختلف في طبيعته وتأثيره عن الفراغ المخلوق تحت نجم سعد، لأن نوعية العدم المتدفق تتغير بتغير الإيقاع الفلكي. وهكذا، تصبح النجوم هي المعايير القياسية التي يقيس بها الساحر مدى عمق الفجوة التي حفرها في جدار الواقع، و مدى سرعة إنجراف الكتلة نحو الهاوية اللامتناهية. الأفلاك والنجوم ليست مجرد ديكور كوني، بل هي أجهزة رصد ميتافيزيقية تقيس النبض الذي يربط بين الوجود الذي نراه والعدم الذي يتربص به. السحر يستخدم هذه الساعة الفلكية ليعرف متى يضرب معوله في المادة ليحولها إلى فراغ، محولاً الفلك من علم فلكي صِرْف إلى علم بنيوي يدرس كيفية تدفق اللاشيء في عروق الشيء.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟