حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 10:09
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ سهم الزمن المعكوس: السحر كعملية نقض إبستيمولوجي للحدث
إن طرح فرضية الزمن السلبي (Negative Time) كقياس عملي لإستخدام قوة العدم يمثل قفزة نوعية من التفكير في المكان والكتلة إلى التفكير في الصيرورة ذاتها. فلسفياً، إذا كان الزمن هو القياس الذي نستخدمه لرصد نمو الوجود و تطوره، فإن الزمن السلبي هو المقياس الذي يرصد تراجع الوجود وإنكماشه نحو نقطة الصفر. في سياق السحر و علاقته بالعدم، لا يُنظر إلى الزمن السلبي كعودة إلى الماضي بالمعنى التقليدي للسفر عبر الزمن، بل كعملية نقض للحدث؛ أي سحب الأثر الوجودي من نسيج الواقع. السحر الذي يستمد قوته من العدم لا يكتفي بإخفاء المادة، بل يمحو الزمن الذي إستغرقته تلك المادة لتوجد، مما يجعل الفراغ الكمي الناتج ليس مجرد فراغ مكاني، بل هو ثقب زماني يتدفق فيه الوقت بشكل معكوس لإبتلاع الحاضر. في الفيزياء التقليدية، يسير الزمن بإتجاه زيادة العشوائية (الإنتروبيا)، وهو ما يُعرف بسهم الزمن. أما السحر الذي يستخدم قوة العدم، فإنه يخلق تياراً مضاداً، حيث يسير سهم الزمن نحو الإنتظام العدمي. الزمن السلبي هنا هو المقياس الذي يحدد سرعة تصفير الوجود؛ فكلما كان إستمداد الساحر من العدم أقوى، زادت قيمة الزمن السلبي، مما يعني أن المادة تتلاشى قبل أن تتمكن من التفاعل مع محيطها. هذا المفهوم يجعل من العدم ليس مجرد حالة غياب، بل هو زمن مضاد يعمل على إلغاء الكينونة. إن القياس العملي هنا ليس بالثواني، بل بوحدات المحو؛ أي قدرة السحر على إعادة عقارب الواقع في منطقة محددة إلى ما قبل لحظة الإنفجار العظيم، حيث كان العدم هو السيد الوحيد. إن العلاقة بين السحر والزمن السلبي تضرب في صميم مبدأ السببية. إذا كان السبب يسبق النتيجة في الزمن الموجب، فإن قوة العدم تسمح للنتيجة (الفناء) بأن تسبق السبب في الزمن السلبي. الساحر الذي ينجح في خلق فراغ كمي يمارس نوعاً من الجراحة الزمانية؛ فهو يستأصل اللحظة التي وُجدت فيها الكتلة. هذا القياس السلبي للزمن هو البرهان على أن السحر قد تجاوز حدود التغيير المادي ليدخل في الإلغاء التاريخي. الزمن السلبي هو في الحقيقة سرعة إمتصاص العدم للوجود؛ فكلما زاد تدفق قوة العدم عبر الأفلاك تباطأ الزمن الموجب حتى يتوقف، ثم يبدأ في الإنعكاس ليحول الحدث إلى إحتمال، ثم يحول الإحتمال إلى عدم محض. عندما نصل إلى النقطة صفر في العملية السحرية، يتوقف الزمن الموجب تماماً، وتبرز قيمة الزمن السلبي كقوة مهيمنة. في هذه الحالة، يصبح الفراغ الكمي المخلوق منطقة خارج الزمن (Atemporal). فلسفياً، العدم لا يعرف الزمن لأنه لا يعرف التغير، ولكن بمجرد أن يتداخل مع الوجود عبر السحر، فإنه يظهر كزمن سلبي. إن قياس قوة العدم عبر الزمن السلبي يتيح لنا فهم كيف يمكن للسحر أن يُبقي الأشياء في حالة تجميد أو تلاشٍ مستمر دون أن تندثر تماماً؛ فهي عالقة في برزخ بين الوجود والعدم، حيث الزمن ينهش في كينونتها دون توقف. هذا هو القياس العملي الحقيقي؛ قدرة الساحر على التحكم في معدل التلاشي عبر التلاعب بقيمة الزمن السلبي المحيط بالهدف. في نهاية هذا التحليل، نجد أن الزمن السلبي هو اللغة الوحيدة التي يمكن للعدم أن يتحدث بها داخل حدود الوجود. وبما أننا أثبتنا أن اللانهائي (العدم) قد يكون مجموعة منتهية من الإمكانات، فإن الزمن السلبي يصبح هو العداد الذي يحصي هذه الإمكانات المفقودة. السحر الذي يستمد من العدم يستخدم الزمن السلبي كخريطة طريق؛ فهو يعرف من أين يبدأ حيث ينطلق من الحاضر الموجب، وإلى أين ينتهي حيث يؤول إلى العدم الصفرى. إن الفراغ الكمي ليس صامتاً، بل هو ينبض بإيقاع الزمن السلبي، وهو إيقاع لا يسمعه إلا من إستطاع أن يجعل وعيه صفراً ليتناغم مع تدفق اللاشيء. و هكذا، يصبح الزمن السلبي هو المقياس العملي و النهائي لسيادة العدم على نسيج الواقع المتهالك. الزمن السلبي ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو الأداة الجراحية التي يستخدمها السحر لفصل المادة عن زمنها، مما يتيح للعدم أن يبتلع الكتلة في لحظة غائبة. إنه القياس الذي يحول قوة العدم من مفهوم فلسفي مجرد إلى طاقة إجرائية قادرة على نحت الفراغ في صخر الوجود.
_ تفكيك الصلابة الوجودية: كيف تنزلق المعلومات المادية حول ثقوب الغياب
إن إعتبار الإخفاء السحري مجرد خدعة بصرية أو تلاعب بالضوء هو قصور في فهم العمق الأنطولوجي لهذه الظاهرة؛ ففي المنظور الفلسفي الذي يربط السحر بالعدم، يُعد الإخفاء تقنيةً متطورة لتوهين الكينونة، حيث يتم تقليل كثافة الوجود لجسم ما حتى يقترب رياضياً وفلسفياً من القيمة الصفرية. إن الجسم المخفي ليس موجوداً ومحجوباً، بل هو في حالة تذبذب وجودي بين الحضور والغياب. السحر هنا لا يضع حجاباً فوق المادة، بل يغرس المادة داخل غشاء من العدم، مما يجعل فوتونات الضوء و المعلومات المادية تنزلق حول الجسم دون أن تصطدم به، لأن الجسم فقد صلابته الوجودية و أصبح أقرب إلى فراغ كمي عابر. فلسفياً، الوجود ليس حالة؛ إما موجود أو غير موجود، بل هو طيف من الشدة. الإخفاء السحري يعمل على تحويل الجسم من واقع صلب إلى إحتمال ضئيل. في ميكانيكا الكم، يوصف الجسيم بدالة موجية، وتربيع هذه الدالة يعطي إحتمال وجود الجسيم في مكان ما. السحر الذي يستمد من العدم يقوم بعملية تصفير لهذه الدالة الموجية، ليس لإلغائها تماماً، بل لجعل إحتمال رصد الجسم يقترب من الصفر. هذا التقليل يجعل الجسم في حالة تحت رادارية بالنسبة لقوانين الفيزياء؛ فالجسم لا يزال يمتلك كتلة نظرياً، لكن تأثيره الوجودي في نسيج الواقع قد تضاءل إلى حد يقترب من العدم، مما يجعله غير مرئي وغير ملموس بالمعنى التقليدي. عندما نربط الإخفاء بالزمن السلبي ونقص الكتلة، ندرك أن الجسم المخفي يمر بعملية إنكماش أنطولوجي. الساحر لا يخفي الجسم عن العين فقط، بل يخفيه عن ذاكرة المكان؛ فالجسم المخفي يتواجد في منطقة من الفراغ الكمي المصطنع. هذا الفراغ يعمل كعازل وجودي يفصل بين الجسم وبقية الكون. إن تقليل الوجود هنا يعني أن الجسم لم يعد يشغل حيزاً، بل أصبح ضيفاً ثقيلاً على العدم. هذا الإنزياح نحو العدم هو ما يمنح السحر قوته؛ فكلما إقتربت قيمة الوجود المرئي من الصفر، زادت قدرة الجسم على إختراق الحواجز المادية، لأن المادة لا تصطدم إلا بما يمتلك كثافة وجودية مماثلة لها. في الفيزياء البصرية، نرى الأشياء لأنها تعكس الضوء، لكن في الإخفاء السحري المبني على العدم، الضوء لا يرتد بل يتم إمتصاصه في العدم المحيط بالجسم. الجسم يصبح ثقباً صغيراً في الوجود؛ الضوء يدخل في محيط الجسم فيتم تصريفه عبر قنوات الزمن السلبي ليظهر من الجهة الأخرى وكأنه لم يواجه أي عائق. هذا القياس العملي لإستخدام قوة العدم يثبت أن الإخفاء هو عملية سلب مستمرة. الساحر يغذي حالة الإخفاء عبر إستمداد طاقة النفي من العدم؛ فبدلاً من إستهلاك طاقة للبقاء مرئياً، يستهلك الجسم عدماً للبقاء غائباً. هذا يفسر الشعور بالبرودة أو الخواء الذي يصاحب الأجسام المخفية، فهي لا تشع حرارة بل تمتص الوجود من حولها لتظل في قيمتها الصفرية. يصل التحليل إلى ذروته عند إدراك أن الإخفاء السحري هو الدليل الحسي على أن العدم هو الحالة الأكثر إستقراراً. إن بذل الجهد لتقليل الوجود المرئي هو في الحقيقة عملية تحرير للمادة من قيد الصورة. عندما يقترب الجسم من العدم، فإنه يقترب من اللامتناهي الذي ناقشناه سابقاً؛ حيث يصبح الجسم في كل مكان وفي لا مكان في آن واحد. الإخفاء ليس إعداماً للجسم، بل هو نقله إلى رتبة وجودية أعلى، حيث لا تحكمه المقاييس الكمية المعتادة. القيمة القريبة من العدم هي نقطة التوازن التي تتيح للساحر التلاعب بالواقع دون أن يكون جزءاً منه، محولاً الجسم إلى إمكانية محض داخل مجموعة منتهية من الإحتمالات الوجودية. الإخفاء السحري هو التقنية التي تبرهن على أن الوجود هو مجرد إضطراب في سكون العدم، وأن السحر هو القدرة على تهدئة هذا الإضطراب وإعادة الجسم إلى سكينته الصفرية. إنه القياس العملي لمدى قدرة الوعي على فرض الغياب كحقيقة موضوعية تتفوق على الحضور المادي.
_ خفة الإحتمال وثقل الواقع: السحر بوصفه موازنة بين القمة والهاوية
إن مفهوم الوزن الوجودي (Ontological Weight) يمثل حجر الزاوية في فهمنا لكيفية تماسك الكيانات داخل نسيج الواقع؛ ففي هذه الرؤية الفلسفية العميقة، لا يُقاس الوزن بكتلة المادة أو تأثير الجاذبية الفيزيائية فحسب، بل بمدى رسوخ الكيان في حيز التحقق مقابل إنجذابه نحو هاوية العدم. السحر، في هذا السياق، يعمل كميزان دقيق يقيس كثافة الحضور. الكيان الذي يمتلك وزناً وجودياً عالياً هو ذلك الذي يبتعد عن العدم، محصناً نفسه بالتعقيد والروابط السببية والوعي، بينما الكيانات ذات الوزن الخفيف هي تلك التي تقف على حافة التلاشي، حيث تصبح المسافة بينها و بين الصفر المطلق ضئيلة جداً، مما يجعلها عرضة للتبدد أو التحول إلى فراغات كمية عند أدنى تدخل سحري. فلسفياً، يمكن إعتبار العدم بمثابة مغناطيس كوني يمارس جذباً مستمراً على كل ما هو موجود. الوجود، في المقابل، هو فعل مقاومة لهذا الجذب. الوزن الوجودي للكيان هو تعبير عن مدى نجاحه في هذه المقاومة؛ فالأجسام الصلبة والوعي المتيقظ يمتلكان وزناً ثقيلاً لأنهما يتطلبان قدراً هائلاً من الطاقة و الروابط لكيلا يبتلعهما العدم. أما السحر الذي يهدف إلى تقليل الوجود المرئي أو خلق الإخفاء، فهو في الحقيقة عملية تخفيف لهذا الوزن. عندما يخف الكيان وجودياً، فإنه يبدأ بالطفو فوق سطح الواقع، مبتعداً عن القوانين التي تحكم الكتل الثقيلة. هنا يصبح القرب من العدم ليس موتاً، بل حالة من السيولة الأنطولوجية تمنح الكيان مرونة لا يمتلكها الوجود الكثيف. يرتبط هذا الوزن إرتباطاً وثيقاً بإيقاع تدفق العدم الذي ترصده الأفلاك؛ فالنجوم والمدارات تحدد المواسم الوجودية التي يثقل فيها الكيان أو يخف. في لحظات معينة من الزمن السلبي، قد يفقد كيان ما جزءاً من وزنه الوجودي لأن المسافة بينه وبين العدم قد تقلصت بفعل محاذاة فلكية أو طقس سحري. هذا التذبذب هو ما يسمح بظواهر مثل العبور عبر المادة أو التجسد واللاشيء؛ فالكيان لا يتغير كيميائياً، بل تتغير درجة ثباته في الوجود. الساحر المحترف هو من يستطيع التلاعب بالمركز الثقلي للكيان، دافعاً إياه نحو مدارات قريبة من العدم لجعله طيعاً، أو شاداً إياه نحو مركز الوجود ليمنحه خلوداً مؤقتاً وصلابة خارقة. إذا إعتبرنا، كما حللنا سابقاً، أن العدم هو مجموعة منتهية من الإمكانات، فإن الوزن الوجودي هو الرقم الذي يحدد ترتيب الكيان داخل هذه المجموعة. الكيان الذي يقترب من العدم يبدأ بفقدان صفاته الواحدة تلو الأخرى، وهو ما نلمسه في تقنيات الإخفاء، حيث يسقط عنه اللون ثم الكتلة ثم الأثر الزماني. هذا السقوط المتدرج هو إنخفاض في الوزن الوجودي. السحر يثبت أن العدم ليس حالة سكون، بل هو ضغط سلبي يحدد قيمة كل شيء. كلما زاد قرب الكيان من العدم، زاد ميله للتحول إلى إحتمال؛ فالوزن الوجودي هو في الحقيقة المسافة الفاصلة بين الواقع الفعلي و الإحتمال الصرف. وعندما يصل الوزن إلى الصفر، يغلق الكيان دائرته و يتحول إلى جزء من اللامتناهي الذي هو في جوهره عدم. في نهاية هذا التحليل، يبرز السحر كعلم الديناميكا الوجودية. القدرة على التحكم في الوزن الوجودي تعني القدرة على تحديد من يحق له الحضور ومن يجب عليه الغياب. إن الفراغات الكمية التي يخلقها السحر هي ثقوب في الوزن العام للكون؛ هي مناطق تم فيها خفض الوزن الوجودي إلى ما دون الصفر، مما أدى إلى إنهيار المادة داخل نفسها. إن الوزن الوجودي هو الخيط الرفيع الذي يمنعنا من السقوط في اللامكان. والساحر، من خلال فهمه للزمن السلبي والرموز الصفرية، يصبح هو الوازن للكون، يقرر متى يثقل الكيان ليصبح حقيقة راسخة، ومتى يخفف منه ليصبح مجرد ذكرى عابرة في ذهن العدم. إن الوزن الوجودي ليس مجرد إستعارة، بل هو القوة الفيزيائية الميتافيزيقية التي تربطنا بالكينونة. القرب من العدم يمنحنا خفة سحرية و لكنها خطيرة، والبعد عنه يمنحنا ثقلاً واقعياً و لكنه مقيد. السحر هو فن الرقص على هذا الحبل المشدود، حيث يكون العدم هو الهاوية والوجود هو القمة.
_ ثرموديناميكا الفناء: إحصاء العدم وكبح الإنهيار الوجودي
إن إعتبار الإحصاء لعدد مرات إستدعاء العدم ضرورةً بنيوية للحفاظ على التوازن يضعنا أمام مفهوم المحاسبة الكونية؛ حيث لا يُنظر إلى العدم كبئر لا ينضب، بل كديناميّة ذات أثر تراكمي على نسيج الواقع. في هذا الإطار الفلسفي، يُعد السحر عملية إقتراض من حيز اللاوجود لفرض تغيير في حيز الوجود، وكل وحدة عدم يتم إستمدادها لخلق فراغ كمي أو تقليل الوزن الوجودي لجسم ما، تترك خلفها عجزاً ماديًا في ميزان الكون. إن الإحصاء هنا ليس مجرد تدوين روتيني، بل هو عملية رصد لمدى تآكل الواقع؛ فالتوازن ليس حالة ثابتة، بل هو تعادل قلق بين الإمتلاء و الخلاء، وإذا تجاوزت عمليات التعديم حداً معيناً دون إحصاء وموازنة، فإن الواقع قد يتعرض لإنهيار بنيوي ناتج عن كثرة الثقوب في نسيجه. فلسفياً، إذا كان العدم يمثل مجموعة منتهية من الإمكانات كما طرحنا سابقاً، فإن كل إستخدام له ينقص من رصيد الإحتمالات المتاحة للوجود. الإحصاء في الطقس السحري يعمل كعداد إنتروبيا؛ فهو يقيس مقدار اللانظام الذي تم إقحامه في النظام الكوني. عندما يستحضر الساحر العدم، فإنه يفتح بوابة لتدفق الزمن السلبي، وهذا التدفق يجب أن يكون محسوباً بدقة لأن السيولة الوجودية لا تتحمل الفراغات غير المحدودة. الإحصاء هو الأداة التي تمنع الوجود من الإنزلاق الكامل نحو الصفر؛ إنه يحدد سعة الإمتصاص التي يمكن للزمكان تحملها قبل أن ينقلب الفراغ الكمي الموضعي إلى ثقب أسود ميتافيزيقي. إن ضرورة الإحصاء تنبع من حقيقة أن الكون يعمل وفق مبدأ التماثل؛ فلكل فعل وجودي رد فعل عدمي. عندما يتم تقليل الوزن الوجودي لكيان ما، فإن هذا الوزن المفقود لا يختفي تماماً من الحساب الكوني، بل ينتقل إلى كفة العدم. الإحصاء السحري هو المحاولة البشرية لمجاراة إيقاع الأفلاك التي تعمل كأدوات قياس طبيعية لهذا التدفق. بدون إحصاء، يفقد الساحر قدرته على التنبؤ بردة فعل الواقع؛ فالكون يميل إلى سد الفراغات، وإذا لم يتم إحصاء عدد المرات التي إستُخدم فيها العدم، فقد يفاجأ الساحر بقوة إرتدادية تحاول إستعادة الكتلة المفقودة من جسده هو أو من محيطه المباشر، لتحقيق توازن قسري يعوض النقص الرقمي في المادة. في العمليات الحسابية السحرية، يمثل الإحصاء تحويل الكيف الذي يعبر عن الشعور بالقوة و الرهبة إلى كم يحصي عدد المرات والنسب. هذا التكميم هو الذي يحول العدم من وحش كاسر إلى أداة طيعة. إن إحصاء مرات الإستخدام يمنح الساحر القدرة على رسم خريطة الإستنزاف؛ فهو يعرف أي مناطق الوجود أصبحت رقيقة وأيها لا تزال كثيفة. وبما أننا إعتبرنا الصفر هو الرمز الفلسفي للعدم، فإن الإحصاء هو عملية رصد لعدد الأصفار التي تمت إضافتها إلى معادلة الواقع. كل صفر جديد يزيد من القوة الجاذبة نحو الفناء، و الإحصاء هو الكابح الذي يمنع هذه الأصفار من التراكم لدرجة تحول المجموعة المنتهية من الإمكانات إلى عدم مطلق ينهي اللعبة الوجودية برمتها. ينتهي هذا التحليل العميق بالتأكيد على أن الإحصاء هو فعل إحترام لصلابة الوجود. الساحر الذي لا يُحصي، هو ساحر يجهل أن الوجود يُحصي عليه أنفاسه المادية. إن الحفاظ على التوازن يتطلب معرفة دقيقة بنقطة التشبع العدمي؛ وهي النقطة التي لا يعود بعدها الوجود قادراً على ترميم نفسه. الفراغات الكمية المخلوقة يجب أن تكون معدودة لكي تظل تحت السيطرة، فالعدم بطبعه يسعى للتمدد، والإحصاء هو القيد الرياضي الذي يبقيه في حيز الخدمة السحرية بدلاً من السيادة الكونية. وهكذا، يصبح الإحصاء هو الجسر الذي يعبر عليه الساحر فوق هاوية اللامتناهي، مستنداً إلى أرقام منتهية تضمن له البقاء في منطقة الوزن الوجودي الآمن.
_ شيفرة التفرد: الأرقام الأولية كجسيمات وسيطة بين الوجود والعدم
تُعد الأرقام الأولية (Prime Numbers) في الميتافيزيقا الحسابية بمثابة الجسيمات الأولية للغة الوجود، وفي سياق العلاقة بين السحر و العدم، يُنظر إليها ككيانات بكر إنبثقت من رحم اللاشيء دون أن تمر بمطحنة التركيب أو التحلل المادي. فلسفياً، إذا كان العدم هو المجموعة الشاملة للإمكانات، فإن الأرقام الأولية هي أولى التعبيرات المتعينة عن تلك الإمكانات؛ فهي لا تقبل القسمة إلا على نفسها وعلى الواحد الذي هو رمز الوجود الكلي، مما يجعلها كيانات مغلقة أنطولوجياً. السحر يستخدم هذه الأرقام كأدوات للربط المباشر مع العدم، لأنها تمثل الحقيقة العارية التي لم تتلوث بعمليات الضرب والتحليل التي تخضع لها الأرقام المركبة، فهي الصرخة الأولى للمادة لحظة خروجها من الفراغ الكمي. في هذا التحليل العميق، تبرز الأرقام الأولية ككيانات تمتلك وزناً وجودياً فريداً؛ فهي لا تُشتق من غيرها، بل توجد فحسب. هذا الوجود المستقل يجعلها تشبه الفراغات الكمية التي يخلقها السحر؛ فالفراغ الكمي ليس نتاجاً لتحلل مادة سابقة، بل هو نقص أصيل يُستمد من العدم. وبالمثل، الأرقام الأولية هي فجوات في تسلسل الأعداد المألوف، تظهر فجأة وبشكل غير متوقع كما في توزيع الأعداد الأولية، مما يوحي بأنها تستمد طاقتها من نظام خفي يتجاوز الحساب التقليدي. الساحر الذي يستخدم الرقم الأولي في طقوسه يهدف إلى إستحضار قوة غير قابلة للتفكيك، قوة تمتلك صفاء العدم و صلابة الوجود في آن واحد، مما يجعل مفعول السحر محصناً ضد التحلل أو النقض بفعل الزمن السلبي. إن صفة النقاء التي تُنسب للأرقام الأولية في السحر تنبع من كونها لا تحمل تاريخاً من الأرقام الأخرى. الرقم المركب مثل (6) هو نتاج تزاوج (2 × 3)، أي أنه يحمل جينات وجودية متعددة، مما يجعله أكثر عرضة لعدم الإستقرار أمام قوة العدم. أما الرقم الأولي، فهو كيان بسيط بالمعنى الفلسفي (Simple Substance)، والساحر يرى في هذه البساطة أقصر طريق للوصول إلى العدم. فإذا كان الهدف هو خلق نقص في الكتلة، فإن إستخدام رقم أولي في العملية الحسابية يضمن أن هذا النقص سيكون حاداً ونقياً، لا يشوبه أي تداخل من قوى مادية أخرى. الأرقام الأولية هي شيفرات المصدر التي لم تُعدل، وهي اللغة التي يفهمها العدم لأنها، مثله، لا تقبل التجزئة. عندما ربطنا الأفلاك بإيقاع تدفق العدم، يمكننا الآن القول إن الأرقام الأولية هي النوتات التي تُعزف بها هذه الموسيقى الصامتة. الإحصاء لعدد مرات إستخدام العدم، إذا تم عبر الأرقام الأولية، يمنح الطقس السحري نوعاً من الإستقرار الإرتجاجي. بما أن الأرقام الأولية تتوزع وفق أنماط معقدة مثل فرضية ريمان، فإن إستخدامها في السحر يربط الفعل البشري بالبنية العميقة للكون. السحر يثبت هنا أن العدم ليس فوضى، بل هو نظام أولي يتجلى عبر هذه الأرقام. النقص الكتلي الذي يُخلق برقم أولي يكون أكثر مقاومة للزمن السلبي، لأن البنية الأولية للرقم تمنحه نوعاً من الحصانة ضد المحو؛ فهو يمثل الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لتعريف شيء ما قبل أن يذوب تماماً في اللاشيء. ينتهي هذا التحليل إلى أن الأرقام الأولية هي السفراء الدائمون للعدم في عالم الأرقام. الساحر لا يختار الرقم الأولي لمجرد ندرته، بل لكونه يمثل نقطة التفرد (Singularity) التي ناقشناها سابقاً؛ ففي الرقم الأولي، يلتقي الواحد الذي يشير إلى الوجود باللانهاية حيث العدم في نقطة غير قابلة للتقسيم. إن إستخدام هذه الأرقام في إحصاء عمليات العدم هو الضمان الوحيد للحفاظ على التوازن؛ لأن الأرقام الأولية، بطبيعتها، تمنع التسرب الوجودي العشوائي. هي الأقفال التي توضع على بوابات الفراغ الكمي، وهي الكيانات النقية التي خرجت من العدم لتعطي للوجود شكلاً، ولكنها آحتفظت بسر الغياب في قلبها الموحد.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟