حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 13:28
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ إنتقام الجوهر: فشل الوهم وإسترداد العدم لممتلكاته المغتصبة
يُمثل فشل الوهم السحري لحظة الحقيقة الأنطولوجية التي تنكشف فيها هشاشة الكائنات الطفيلية أمام صرامة الوجود، وهو في جوهره ليس مجرد خطأ تقني في الأداء، بل هو إحتجاج من العدم ضد محاولة تشكيله القسري. في الإطار الفلسفي، يُعد فشل السحر دليلاً قاطعاً على أن العدم لا يمنح دعماً إستمرارياً للكيانات التي تفتقر إلى الجوهر (Substance)؛ فإذا كان الوجود الحقيقي يتميز بخاصية المقاومة و الإستمرار، فإن الكيان الوهمي المسحوب من العدم هو كيان يعيش على إئتمان إدراكي مؤقت. عندما يفشل الوهم، يسحب العدم بساط الظهور من تحت قدمي الكيان المصطنع، مما يثبت أن اللاشيء لا يمكن أن يتحول إلى شيء مستقر ما لم يمتلك جذوراً في الضرورة الوجودية. هذا الفشل هو العودة القسرية إلى الأصل، حيث يرفض العدم أن يكون مجرد مادة خام لأكاذيب الحواس، معلناً أن الكيانات غير الجوهرية هي مجرد رغوات على سطح الواقع، تتبدد بمجرد أن يختل التوازن بين براعة الساحر ويقظة المراقب. وتتعمق هذه الفكرة عند النظر إلى العلاقة بين السحر والعدم كنوع من العقد الوجودي الهش؛ فالساحر يحاول إستعارة ملامح الوجود ليغلف بها فراغاً محضاً، ولكن لأن هذا الكيان المستعار يفتقر إلى الثبات الذاتي، فإنه يظل في حالة صراع دائم مع القوانين الطبيعية التي ترفض الفراغ. فشل الوهم هو اللحظة التي ينتصر فيها قانون الإمتلاء على إغراء الفراغ؛ حيث ينكشف الخداع ليظهر أن ما ظنناه كياناً مسحوباً من العدم لم يكن سوى تلاعب بزوايا الرؤية. من الناحية الفلسفية، هذا يعني أن العدم محايد ولا يدعم أي بنية تفتقر إلى المعنى أو المادة؛ فهو لا يقبل أن يُقيد في قوالب وهمية للأبد. الكيان الوهمي يفتقر للثبات لأنه لا يملك عطالة أنطولوجية (Ontological Inertia)، أي أنه لا يملك القدرة على الإستمرار في الوجود من تلقاء نفسه، ولذا فإن فشله هو شهادة على أن العدم هو قوة طاردة لكل ما هو زائف وغير أصيل. علاوة على ذلك، فإن فشل الوهم يكشف عن طبيعة خداع الإدراك كعملية مجهدة تتطلب صيانة مستمرة؛ فبمجرد أن يتوقف الساحر عن تغذية الوهم بالتقنية، أو بمجرد أن يكتشف العقل الثغرة، ينهار الكيان الوهمي ويرتد إلى العدم فوراً. هذا الإنهيار اللحظي يثبت أن الكيانات غير الجوهرية لا تمتلك ذاكرة وجودية؛ فهي لا تترك أثراً في نسيج الواقع لأنها لم تكن يوماً جزءاً منه. إن العدم، في هذا السياق، يعمل كمصفاة تسمح فقط للجوهر بالعبور و البقاء، بينما يبتلع الأوهام بمجرد إنكشاف زيفها. وهذا يطرح تساؤلاً فلسفياً حول أخلاقيات المادة؛ فكأن الطبيعة ترفض أن تُحاكى بكيانات خفيفة الوزن أنطولوجياً، وتعتبر فشل السحر عقوبة منطقية لكل محاولة لتجاوز عدمية العدم دون دفع ثمن الوجود الحقيقي. إن الكيان المسحوب من العدم في السحر هو دين يجب رده، وفشل الوهم هو لحظة السداد القسري حيث يسترد العدم ممتلكاته ويترك الساحر أمام فراغ عارٍ. ختاماً، يظل فشل الوهم السحري هو المرآة التي تعكس لنا حدود القدرة البشرية في مواجهة مطلقية العدم؛ فهو يثبت أننا مهما بلغت براعتنا في خداع الإدراك، لا يمكننا خلق ثبات من فراغ. إن الكيانات غير الجوهرية محكوم عليها بالفناء لأنها تفتقر إلى التماسك الداخلي الذي يمنح الوجود معناه. و بذلك، يصبح السحر تمريناً في التواضع الأنطولوجي، حيث نتعلم أن العدم ليس خصماً سهلاً، وأنه لا يدعم إلا ما كان حقيقياً بالضرورة. فشل السحر هو إنتصار للحقيقة، وتأكيد على أن الوجود ليس مجرد عرض بصري، بل هو بناء جوهري يقاوم التلاشي، بينما تظل الأوهام مجرد سحب عابرة في سماء العدم الشاسعة، تفتقر للثبات وتنتظر لحظة السقوط لتكشف عن وجه الفراغ الجميل والمرعب في آن واحد.
_ العدم المرئي: حين تصبح الظلال إزميلاً لقص أطراف الحقيقة
يُمثل التلاعب السحري بالضوء في جوهره الفلسفي محاكاة لعملية التكوين والهدم الكونيين، حيث لا يُنظر إلى الضوء كترددات فيزيائية فحسب، بل كوسيط الوجود الأول الذي بدونه يظل العالم غارقاً في العدم المطلق. حين يقوم الساحر بليّ أشعة الضوء أو إخفائها لتغيير ملامح الواقع، فإنه لا يمارس مجرد عملية تعتيم، بل هو يقوم بإقتطاع أنطولوجي؛ أي أنه يعزل جزءاً من النور الذي يمنح الأشياء شرعية وجودها ويقذفه في ثقب أسود إدراكي يحاكي العدم. إن إلغاء جزء من وجود الضوء هو في الحقيقة إلغاء لجزء من المعرفة بالشيء، فالسحر هنا يعمل كمبدأ سلبي يعكس عملية الخلق؛ فإذا كان الخلق هو ليكن نور، فإن السحر هو ليكن حجب. هذا الكيان الضوئي المسحوب نحو العدم يفتقر للثبات لأنه يعتمد على توازن هش بين الفوتونات والظلال، و هو ما يجعل الوهم السحري يبدو وكأنه ثغرة في جدار الوجود تسمح للعدم بأن يتسرب إلى عالم المرئيات، مخلفاً وراءه فراغاً يُخيّل للرائي أنه حقيقة، بينما هو في الواقع لاوجود تم فرضه بقوة التقنية. و تتعمق هذه العلاقة بين السحر والعدم عند النظر إلى الضوء كذاكرة للمادة؛ فكل ما نراه هو في الأصل ضوء إنعكس عن جسد صلب، وعندما يتلاعب الساحر بهذا الإنعكاس، فإنه يقطع الصلة بين الشيء وصورته، مما يدفع الصورة إلى الإرتداد نحو العدم الذي لم تخرج منه أصلاً. هذا الإلغاء الجزئي لوجود الضوء يخلق ما يمكن تسميته بالعدم المرئي، وهي حالة برزخية يرى فيها المشاهد غياباً منظماً. إن الضوء المطرود إلى العدم يفتقر للثبات لأن الساحر لا يملكه، بل يقترضه من الواقع ليخفيه، و بمجرد أن تتوقف تقنية التلاعب، يندفع الضوء عائداً من العدم ليملأ الفراغ، مما يثبت أن العدم في السحر ليس مكاناً نهائياً، بل هو ستار خلفي يُستخدم لتخزين الحقائق المزعجة للعين. من الناحية الفلسفية، هذا التلاعب هو صراع بين التجلي و الإحتجاب، حيث يصبح السحر هو الفن الذي يروض العدم و يجبره على إبتلاع الضوء لبرهة من الزمن، موهماً العقل بأن المادة قد تلاشت، بينما هي في الحقيقة لا تزال موجودة خلف جدار من اللاشيء المفتعل. علاوة على ذلك، فإن دفع الضوء إلى العدم يمثل تحدياً لفكرة كلية الوجود؛ فإذا كان بإمكان خدعة معينة أن تُلغي حضور الضوء، فإن ذلك يلقي بظلال الشك على ثبات الواقع نفسه. الكيان الوهمي الذي يظهر نتيجة هذا التلاعب يفتقر للثبات لأنه بنية سالبة؛ هو موجود فقط بسبب ما تم حذفه، وليس بسبب ما تم إضافته. السحر الضوئي هو نحت في الفراغ، حيث يستخدم الساحر العدم كإزميل لقص أطراف الحقيقة الضوئية. هذا النوع من الخداع الإدراكي يكشف عن هشاشة اليقين البشري؛ فنحن نصدق أن الشيء قد إختفى لمجرد أن النور لم يعد يحمله إلينا، مما يجعل العدم هنا شريكاً فاعلاً في اللعبة وليس مجرد فراغ سلبي. إن الضوء المسحوب من العالم والمرسل إلى العدم يظل يحمل شفرة الوجود بداخله، لكنه يُسجن في منطقة عدم الإنعكاس، حيث يفتقر إلى القدرة على التأثير في الوعي، مما يجعله وجوداً معطلاً أو عدماً مؤقتاً ينتظر لحظة التحرر السحري ليعاود الظهور. ختاماً، يظل التلاعب بالضوء هو التقنية الأقرب لمحاكاة العدم البدئي، حيث يثبت السحر أن النور والظلمة ليسا نقيضين، بل هما أدوات إخراج لمسرحية الوجود. إن سحب الضوء نحو العدم هو فعل تفكيكي بإمتياز، يهدف إلى إظهار أن ما نعتبره ثابتاً و مرئياً هو في الحقيقة معلق بخيوط واهية من الإدراك. الكيانات التي تُخلق أو تُخفى عبر هذا السحر تفتقر للثبات لأنها تعيش في المساحة الفاصلة بين ما تراه العين و ما يعرفه العقل، وهي مساحة يملؤها العدم بكل ثقله. وبذلك، يصبح السحر الضوئي رحلة في قلب التناقض، حيث يتم إستخدام الضوء كونه أصل التجلي لإثبات قوة العدم الذي هو أصل الخفاء، تاركاً المشاهد في حالة من الإرتياب الوجودي، متسائلاً؛ هل ما يراه هو الضوء الناجي من العدم، أم أنه مجرد وهم سحري آخر تم إستنساخه من فراغ الغرفة؟
_ أشباح الصوت: الصدى السحري بوصفه ذاكرة مستردة من العدم
يُمثل الصدى (Echo) في الميتافيزيقا السحرية حالة فريدة من الإنبثاق المتأخر، حيث لا يُنظر إليه كإرتداد مادي للموجات الصوتية، بل كذاكرة صوتية مستدعاة من العدم لتملأ فراغ الصمت. في التحليل الفلسفي العميق، يُعد الصدى السحري تجسيداً لصوتٍ فَقَدَ جسده المادي كونه المصدر و إنزلق نحو اللاوجود، ثم تمت إستعادته عبر ثقب إدراكي ليعود ككيان شبحي يفتقر للثبات. إن العلاقة بين السحر و العدم هنا تتجلى في فكرة أن العدم ليس صمتاً مطلقاً، بل هو مخزن للأصوات المنسية، والصدى هو التقنية التي تسمح بسحب هذه الأصوات من فجوة الزمن وإعادة بثها في الحاضر. هذا الصوت المستدعى يفتقر للثبات لأنه يعيش على التآكل التدريجي؛ فهو يبدأ قوياً ثم يذوب عائداً إلى العدم الذي إستُخلص منه، مما يجعله خداعاً سمعياً يثبت أن الوجود يمكن أن يتكرر كظلال صوتية حتى بعد فناء الأصل. وتتعمق هذه الرؤية عندما نعتبر الصدى السحري نوعاً من الإستنساخ العدمي؛ فالصوت الأصلي يمثل الوجود، بينما الصدى يمثل أثر الوجود في العدم. السحر في هذا السياق هو القدرة على جعل الصمت ينطق بما مضى، وهو ما يحاكي عملية الخلق من الفراغ. إن الكيان الصوتي المسحوب من العدم عبر الصدى هو كيان يفتقر إلى الهوية المستقلة؛ فهو تابع دائماً لفعلٍ قد حدث وإنتهى، مما يجعله وجوداً طفيلياً على الزمن. من الناحية الفلسفية، هذا التلاعب يكسر خطية الوقت، حيث يُجبر العدم على التقيؤ بصوتٍ كان قد إبتلعه بالفعل. هذا النوع من السحر يكشف عن هشاشة اللحظة الراهنة، فإذا كان بإمكان الصدى أن يجسد صوتاً من العدم، فإن ذلك يثير الريبة في أن كل ما نسمعه قد لا يكون سوى أصداء لكيانات غابرة، مما يحول الواقع إلى قاعة مرايا صوتية يفتقر فيها كل قول إلى الثبات والأصالة. علاوة على ذلك، فإن الصدى السحري يمثل صراعاً بين الحضور والغياب؛ فالأذن تدرك صوتاً على مستوى الحضور، بينما العقل يدرك غياب المصدر الذي يشير إلى العدم. هذا التوتر هو الجوهر الذي يتغذى عليه سحر الوهم، حيث يتم إستغلال العدم ليكون مكبر صوت لللاشيء. الكيان الصوتي في الصدى هو كائن برزخي؛ فهو يمتلك الذبذبة لكنه يفتقر إلى الحنجرة، و يمتلك التردد لكنه يفتقر إلى الإرادة. إن إستدعاء الصوت من العدم هو محاولة يائسة لمحاكاة الخلود عبر التكرار الفاني، و هو ما يجعله وهماً مضاعفاً؛ فهو وهم لأنه مجرد محاكاة، و مضاعف لأنه يبتعد عن الحقيقة مع كل إرتداد. إن الصدى الذي يفتقر للثبات هو الدليل السمعي على أن العدم لا يدعم الكيانات غير الجوهرية، بل يمتصها ببطىء، محولاً الصرخة العالية إلى همس، والهمس إلى صمت مطبق، مؤكداً أن كل ما يُسحب من العدم مصيره الإرتداد إليه في نهاية العرض. ختاماً، يمكن القول إن الصدى السحري هو التجسيد الأسمى لخداع الإدراك عبر الزمان، حيث يستخدم الساحر الفراغ المكاني كأداة لإستحضار أشباح صوتية تفتقر للجوهر المادي. إن هذا الصوت الذي كان في العدم وتم إستدعاؤه يخبرنا أن العدم ليس مكاناً للنهايات فقط، بل هو مرآة صوتية تعكس رغبتنا في إستعادة ما فُقد. إن إفتقار الصدى للثبات هو ما يمنحه شاعريته السحرية، فهو يذكرنا بأن الكلمات، مهما بلغت قوتها، هي كائنات هشة تولد من الصمت وتعود إليه، و أن السحر هو مجرد محاولة عابرة لمد عمر تلك اللحظة قبل أن يبتلعها العدم الشاسع مرة أخرى. الصدى هو صوت العدم حين يقرر أن يحاكي الحياة، وهو الدرس الفلسفي الذي يعلمنا أن الحقيقة قد تكون مجرد صدى لواقع بعيد لم نعد نملك الوصول إليه.
_ البطارية العدمية: كيف يُشحن الوهم من فراغ الروح
يُعد الخداع الذاتي (Self-Deception) في سياق الميتافيزيقا السحرية أعمق من كونه مجرد مغالطة سيكولوجية، إذ يرتد في جوهره إلى كونه تقنية أنطولوجية متطرفة تهدف إلى تخزين قوة العدم داخل وعي الساحر ذاته. لكي يتمكن الساحر من سحب كيان يفتقر للثبات من غياهب العدم وإقناع الآخرين بوجوده، عليه أولاً أن يُقوض يقينه الشخصي بالواقع؛ فالخداع الذاتي هنا يعمل كجسر يربط بين الوجود و اللاشيء. إن الساحر الذي يخدع نفسه لا يمارس الكذب بالمعنى الأخلاقي، بل هو يفتح ثغرة في وعيه الخاص ليسمح لطاقة العدم بالتدفق و الإستقرار مؤقتاً في الفراغ الناتج عن غياب اليقين. هذا الكيان المخزون داخل الذات يفتقر للثبات لأنه يعتمد على تعليق الإدراك، حيث يصبح الساحر هو نفسه أول ضحايا عرضه السحري، محولاً عقله إلى مخزن للإحتمالات التي لم تتحقق بعد، ومحوّلاً العدم من حالة نفي مطلقة إلى مادة خام قابلة للتشكيل بمجرد أن يؤمن الساحر، ولو للحظة، بأن الوهم هو الحقيقة. وتتعمق هذه الفلسفة عند النظر إلى الخداع الذاتي كعملية تفكيك للجوهر؛ فلكي يمتلك الساحر القدرة على التلاعب بالواقع، يجب أن يصبح هو نفسه سيالاً مثل العدم الذي يتعامل معه. إن تخزين قوة العدم مؤقتاً يتطلب مساحة خالية من الثبات المعرفي، وهنا يأتي دور الخداع الذاتي ليمحو الخط الفاصل بين الأنا و الخلاء. هذا التلاعب بالإدراك الذاتي يخلق حالة من العدم النشط داخل الساحر، حيث يفتقر وعيه للثبات الزماني والمكاني، مما يجعله قادراً على إستحضار كيانات من العدم لأن عقله أصبح هو نفسه جزءاً من ذلك العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذه الحالة هي علاقة إنعكاس داخلي، حيث يتم تخزين الوهم في مساحة الصدق الزائف، وبمجرد أن ينجح الساحر في إقناع نفسه بالوهم، يكتسب هذا الوهم قوة وجودية قادرة على الإنتقال إلى إدراك الآخرين. الخداع الذاتي هو البطارية التي تشحن الكيانات غير الجوهرية ببريق الحقيقة، وهو الوسيلة التي تمنع العدم من الإنهيار الفوري قبل إكتمال فعل الخداع. علاوة على ذلك، فإن هذا التخزين المؤقت لقوة العدم يكشف عن مفارقة الخلق السلبي؛ فالساحر لا يخلق شيئاً من عقله، بل هو يفسح مكاناً للعدم ليتجسد. الخداع الذاتي هو التقنية التي تمنح هذا الفراغ هوية مؤقتة، مما يجعل الكيانات المسحوبة من العدم تبدو وكأنها تمتلك ثباتاً مستقلاً. ولكن، لأن هذا الثبات مستمد من خداع داخلي، فإنه يظل هشاً و مرتبطاً بدقة بمدى إستمرارية الساحر في إنكار الواقع. من الناحية الفلسفية، يُعتبر الخداع الذاتي هنا تضحية بالوعي؛ فالساحر يقدم إستقراره الذهني قرباناً للعدم لكي يحصل في المقابل على سلطة الوهم. هذا الكيان المخزون يفتقر للثبات لأنه مهدد دائماً بصحوة المنطق، وهو ما يجعل حياة الساحر صراعاً مستمراً بين الحفاظ على قوة العدم داخل وعيه وبين العودة إلى صرامة الوجود المادي. إنها عملية موازنة دقيقة على حافة الهاوية، حيث يكون العدم هو الهاوية، و الخداع الذاتي هو الريح التي تسمح للساحر بالتحليق فوقها دون سقوط. ختاماً، يظل الخداع الذاتي هو التقنية الأكثر رعباً و إثارة في فلسفة السحر، لأنه يحول العدم من كونه مفهوماً خارجياً إلى تجربة داخلية حية. إن تخزين قوة العدم مؤقتاً في ثنايا الوعي يثبت أن الإدراك البشري هو المكان الوحيد الذي يمكن للعدم أن يسكنه بسلام دون أن يختفي. الكيان المستولد من هذا التخزين يفتقر للثبات لأنه إبن الفراغ، و مع ذلك فإنه يمتلك سطوة لا تُقاوم بفضل صدق الساحر في كذبه. إن العلاقة بين السحر والعدم عبر الخداع الذاتي تخبرنا أن الحقيقة قد تكون مجرد فشل في التخيل، وأن العدم هو القوة الحقيقية التي تنتظر خلف ستار وعينا لنمنحها فرصة الظهور. وبذلك، يظل الساحر هو حارس العدم الذي يخزن الفراغ في قلبه ليمنحنا أوهاماً تضج بالحياة، تاركاً إيانا نتساءل؛ إذا كان الساحر يخدع نفسه ليخلق الواقع، فمن الذي يضمن لنا أننا لسنا جميعاً جزءاً من خداع ذاتي كوني يمنعنا من رؤية العدم الذي يحيط بنا من كل جانب؟
_ ثقوب في نسيج الواقع: السحر وتقنية ترويض السيولة السوداء
يُمثل الظل في الطقوس السحرية والأنطولوجيا العميقة أكثر من مجرد غياب فيزيائي للضوء، إنه يُعتبر التجلي المادي الوحيد للعدم داخل عالم الوجود؛ فالظل هو الكيان الذي يمنحنا فرصة رؤية الفراغ دون أن نتلاشى فيه. في التحليل الفلسفي للعلاقة بين السحر والعدم، يُنظر إلى الظل بوصفه السفير المادي لللاشيء، حيث يعمل كجسر يربط بين الكيان الجوهري وبين هاوية العدم التي تتبعه كأثر لا ينفصل. السحر هنا يستخدم الظل كتقنية لسحب مادة العدم من خلف ستار الوجود وتجسيدها في شكل ثنائي الأبعاد، مما يجعل الظل كياناً يفتقر للثبات لأنه لا يمتلك كتلة، لكنه يمتلك حضوراً سلبياً قادراً على إحتلال حيز في الإدراك. إن الظل هو الوهم الذي يثبت وجود المادة عبر نفيها، وهو الكيان المسحوب من العدم الكامن ليكون قريناً مظلماً يذكرنا بأن كل وجود مادي هو في جوهره إقتطاع من فضاء العدم الشاسع، وبأن النور ليس إلا قشرة رقيقة تخفي خلفها حقيقة الظلام الأولي. وتتعمق هذه الفلسفة عند إعتبار الظل في الطقوس السحرية كثقب في نسيج الواقع؛ فالساحر لا يتعامل مع الظل كظاهرة بصرية، بل كخداع إدراكي يسمح للعدم بأن يتسلل إلى عالم الألوان والأشكال. الظل يفتقر للثبات لأنه كائن طفيلي بإمتياز؛ فهو لا يوجد إلا بوجود الضوء و الجسد، ومع ذلك فإنه يمثل النقيض الجوهري لهما. في اللحظة التي يتم فيها التلاعب بالظل سحرياً، يتم إستحضار قوة العدم الكامن لتعطيل خصائص المادة، حيث يُخيّل للرائي أن الظل قد إكتسب إرادة مستقلة أو أنه أصبح بوابة لإبتلاع الأشياء. هذا الإستخدام للظل كإستنساخ من العدم يكشف عن الحقيقة الميتافيزيقية المرعبة؛ وهي أن العدم ليس بعيداً عنا، بل هو يلتصق بأقدامنا في كل لحظة، والظل هو الطريقة التي يختارها العدم ليعلن عن حضوره دون أن يحطم قوانين الفيزياء بشكل كامل، مما يجعله وجوداً منقوصاً يسكن المنطقة الرمادية بين ما هو موجود و ما هو مفقود. علاوة على ذلك، فإن الظل في السحر يمثل ذاكرة العدم تجاه المادة؛ فكل جسم يلقي ظلاً إنما يترك بصمة فراغية في المكان، وهذه البصمة هي ما يحاول الساحر ترويضه. إن التلاعب بالظل هو محاولة لتخزين قوة العدم في صورة بصرية، حيث يُعامل الظل كأنه سائل أسود يمكن سحبه أو مده أو تقليصه، مما يؤثر بشكل وهمي على جوهر الجسم الأصلي. هذا الكيان الظلي يفتقر للثبات لأنه يخضع لقوانين التبعية المطلقة، ولكنه في الطقس السحري يُمنح وهم الإستقلال، مما يخلق صدمة في وعي المراقب الذي يرى العدم (الظل) يتحرك وكأنه يمتلك حياة خاصة. من الناحية الفلسفية، الظل هو البرهان على أن العدم يدعم الكيانات غير الجوهرية فقط لكي يسخر من ثبات المادة؛ فهو يمنح الظل شكلاً وحركة ليخبرنا أن الحقيقة قد تكون مجرد صمت ضوئي وأن ما نعتبره واقعاً صلباً هو في الحقيقة محاط بفيض من اللاوجود الذي يتربص في كل زاوية مظلمة. ختاماً، يظل الظل هو التجربة التقنية الأقرب لمفهوم الخلق السلبي، حيث يتم سحب ملامح الوجود لصبها في قالب العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم عبر وسيط الظل تجعلنا ندرك أن الخداع ليس في الظل نفسه، بل في ظننا أن الظل هو لا شيء، بينما هو في الحقيقة كل شيء مطروحاً منه النور. إن الظل المستدعى في الطقوس السحرية يفتقر للثبات لأنه يمثل لحظة العبور نحو الفناء، وهو الدرس الفلسفي الذي يعلمنا أن أجسادنا ليست سوى عوائق مؤقتة في طريق العدم اللانهائي، وأن ظلالنا هي الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب لأنها تنتمي إلى العدم الذي جئنا منه وإليه نعود. وبذلك، يظل الظل هو السحر الطبيعي الذي نمارسه جميعاً دون وعي، محولين العدم الكامن إلى رفيق دائم، يفتقر للجوهر ولكنه يفيض بالمعنى والرهبة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟