أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّانِي وَ التِّسْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّانِي وَ التِّسْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 21:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ العدم الثمين: حين تصبح الأرقام الإفتراضية طقساً لإستعباد المادة

يُمثل التخصص في سحر المال، عند تفكيكه فلسفياً، إحدى أكثر المحاولات جرأة لإخضاع العدم الإقتصادي لمنطق التجسيد السحري؛ فالمال في جوهره الحديث ليس مادة صلبة كذهب أو فضة، بل هو نظام من الوعود يتكئ على فراغ قيمي يُملأ بالثقة الجماعية. حين يشرع الساحر في ممارسة هذا النوع من السحر، فإنه لا يحاول خلق مادة بقدر ما يحاول إستخراج قيمة وجودية من قلب اللاشيء الإقتصادي، محولاً السيولة العدمية للأسواق و الإئتمانات إلى كيانات ملموسة تخدم إرادته. إن المال هو الوهم السحري الأنجح في تاريخ البشرية؛ لأنه الكيان الوحيد الذي يفتقر للثبات الجوهري إذ يمكن أن يتبخر بإنهيار فكرة أو قرار سياسي، ومع ذلك يمتلك سلطة مطلقة على الواقع المادي. الساحر المتخصص هنا يعمل كمهندس للإئتمان الميتافيزيقي، حيث يسحب من عدم التوقعات خيوطاً ينسج منها واقعاً من الوفرة، مستغلاً حقيقة أن الإقتصاد في عمقه هو سحر جماعي يعتمد على خداع إدراكي مشترك بأن الأرقام الإفتراضية تمتلك ثقلاً وجودياً. و تتعمق هذه العلاقة بين السحر والعدم الإقتصادي عند رصد طبيعة القيمة؛ فهي كيان مسحوب من العدم لأنها لا توجد في الشيء نفسه، بل في العلاقة الوهمية بين الشيء والرغبة البشرية. الساحر الذي يتخصص في سحر المال يدرك أن العدم الإقتصادي هو رحم لانهائي للإحتمالات، و أن الفقر أو الغنى هما حالتان من توجيه العدم. إن إستخراج القيمة من العدم يتطلب تقنية سحرية لتكثيف الفراغ؛ أي إقناع الواقع بأن هذا اللاشيء بغض النظر إذا كان رقما أو ورقة يعادل شيئاً أي جهداً أو بضاعة. هذا الكيان المالي المسحوب من العدم يفتقر للثبات لأنه عرضة للتلاشي التضخمي؛ فبمجرد أن يكتشف الوعي الجمعي أن القيمة لا تستند إلى جوهر حقيقي، يرتد المال إلى أصله العدمي فوراً. لذا، فإن سحر المال هو محاولة لتخزين قوة العدم في صورة رموز، حيث يتم التلاعب بالإدراك لكي يرى إمتلاءً في أرصدة بنكية هي في الحقيقة مجرد نبضات إلكترونية في فضاء رقمي خالٍ. علاوة على ذلك، فإن سحر المال يمثل الخلق من العدم عبر التجريد؛ فالساحر لا يتعامل مع السلع، بل مع روح السلع الكامنة في القيمة التبادلية. هذا التخصص هو في الحقيقة تعامل مع اللاكيان المالي، حيث يتم إستدعاء الثروة كشبح أنطولوجي يمنح صاحبه القدرة على تحريك المادة دون ملامستها. إن العلاقة بين السحر و العدم هنا تتخذ شكلاً رياضياً، حيث تصبح الأرقام هي الكلمات السحرية التي تأمر العدم بأن يتجسد في صورة رفاهية. هذا الوهم يفتقر للثبات لأنه يعتمد على الإجتهاد الفردي للساحر في الحفاظ على نقاء التوقع؛ فإذا تلوث هذا التوقع بشك الآخرين، إنهار الكيان المالي وعاد إلى الخواء. إن سحر المال هو الإعتراف الفلسفي الأكبر بأننا نعيش في عالم مصنوع من العدم، و أن القيمة التي نقتتل من أجلها هي مجرد إفراز سحري لعقولنا التي ترفض الإعتراف بأن الوجود الحقيقي يكمن في البساطة التي تسبق إختراع الوهم النقدي. ختاماً، يظل التخصص في سحر المال هو ذروة التلاعب بالندرة؛ فالعدم الإقتصادي يوهمنا بالندرة لكي يمنح القيمة وجوداً، والساحر هو من يكسر هذا الوهم ليعيد إستخراج الوفرة من نفس ذلك العدم. إن المال المستخرج سحرياً هو كيان يفتقر للثبات لأنه دين على المستقبل، والعدم هو الذي سيسترد هذا الدين في النهاية عبر الفناء. وبذلك، يثبت سحر المال أن الواقع الإقتصادي هو مجرد عرض سحري جماعي، وأن الساحر الذكي هو من يعرف كيف يسحب القيمة من الفراغ قبل أن يكتشف الآخرون أن القبعة فارغة تماماً. إن القيمة الوجودية للمال هي وهم مضاعف، يفتقر للجوهر لكنه يفيض بالسلطة، مما يجعل من سحر المال درساً في كيف يمكن للعدم أن يحكم العالم إذا ما وجد ساحراً يتقن لغة الأرقام وألاعيب الإدراك.

_ التسمم بالفراغ: حين يصبح جسد الساحر مختبراً لتلاشي المادة

يُمثل المرض المهني للساحر، في المنظور الأنطولوجي العميق، حالة من التآكل الوجودي الناتجة عن ملامسة العدم دون حائل؛ فهو ليس إعتلالاً فيزيولوجياً بمعناه التقليدي، بقدر ما هو ثمنٌ يدفعه الكيان الجوهري مقابل إستدعاء كيانات تفتقر للثبات. إن الساحر، في محاولته الدائمة لسحب القوة من غياهب العدم و تجسيدها في عالم المادة، يعمل كقناة إدراكية تمر عبرها طاقة اللاوجود، وهذا المرور المتكرر يؤدي بالضرورة إلى الإستهلاك المفرط لنسيج الذات. فالعدم ليس مادة محايدة، بل هو قوة جائعة تمتص الإمتلاء من كل ما يلامسها لكي تمنحه صورة الظهور؛ وحين يتخصص الساحر في جزء معين من العدم كسحر المال أو سحر الوهم الضوئي، فإنه يعرض أجزاءً متطابقة من كيانه الداخلي لنفس ذلك التردد العدمي، مما يؤدي إلى نشوء فجوات أنطولوجية داخل روحه تظهر على شكل أمراض جسدية أو عقلية، وهي في الحقيقة ليست سوى بداية التلاشي في الأجزاء التي إستُنزفت في فعل الخلق السحري. وتتعمق هذه الفلسفة عند إدراك أن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة مقايضة جوهرية؛ فلكي يمنح الساحر ثباتاً مؤقتاً لكيان مسحوب من العدم، عليه أن يقترض هذا الثبات من مخزونه الوجودي الخاص. المرض المهني هنا هو علامة على أن العدم الداخلي للساحر بدأ يطغى على وجوده المادي. إن الإستهلاك المفرط لجزء معين من قوة العدم يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالتسمم بالفراغ؛ حيث تبدأ أعضاء الساحر أو قواه العقلية في محاكاة خصائص العدم الذي تتعامل معه، فتفقد تماسكها وتصبح سيالة، هشة، وتفتقر للثبات. إذا كان الساحر يتخصص في سحر النسيان، فإن مرضه المهني قد يتجلى في تآكل ذاكرته الخاصة، حيث يبتلع العدم الذي إستحضره للآخرين أجزاءً من تاريخه الشخصي. هذا النوع من الخداع الإدراكي العكسي يجعل الساحر ضحية لتقنيته الخاصة، إذ يصبح جسده هو المختبر الذي يثبت فيه العدم أن الكيانات غير الجوهرية لا يمكن أن توجد إلا على حساب الجوهر الحي. علاوة على ذلك، فإن هذا المرض يمثل ضريبة السيادة على اللاشيء؛ فالتخصص في العدم المطلق يتطلب تركيزاً طاقياً هائلاً يحول الساحر إلى مكثف للعدم. هذا التخزين المؤقت لقوة العدم داخل الجسد البشري المحدود يخلق ضغطاً أنطولوجياً لا يطاق، يؤدي إلى تصدع الجسد لكي يتسرب منه الفائض من اللاشيء. إن الساحر الذي يخدع إدراك العالم يجد نفسه في النهاية عاجزاً عن خداع عدمه الخاص؛ فالعدم لا يمنح قوته مجاناً، بل يطالب دائماً بإستعادة التوازن. المرض المهني هو اللحظة التي يقرر فيها العدم أن يسترد القرض، فيبدأ في سحب المادة من جسد الساحر ليعيدها إلى الخواء. هذا يفسر لماذا يفتقر السحرة العظام في أواخر عهدهم للثبات الجسدي أو النفسي، حيث يتحولون إلى أشباح حية، نصفهم في الوجود ونصفهم الآخر قد إبتلعه العدم، مما يجعلهم تجسيداً مأساوياً للمفارقة التي تقول إن من يروض العدم ينتهي بأن يصبح جزءاً منه. ختاماً، يظل المرض المهني للساحر هو البرهان الفلسفي الأخير على أن الخلق من العدم ليس فعلاً بلا تبعات، بل هو إستنزاف للذات في سبيل الوهم. إن الإستهلاك المفرط للعدم يؤدي إلى تحويل الساحر من خالق إلى ثقب، ومن سيد للمادة إلى ضحية للفراغ. إن إفتقار الساحر المريض للثبات هو النتيجة المنطقية لتخصصه؛ لأنه حاول منح الحياة لما لا حياة فيه، فوجد نفسه يفقد الحياة لصالح اللاشيء. وبذلك، يظل السحر مهنة محفوفة بالفناء، حيث لا يكمن الخطر في فشل الوهم، بل في نجاحه الباهر الذي يغري الساحر بالتمادي في إستهلاك العدم حتى لا يتبقى منه سوى صدى يتردد في ردهات اللاوجود، مذكراً إيانا بأن كل قوة تُسحب من العدم هي قطعة تُنتزع من قلب الوجود، وأن الثمن الحقيقي للسحر هو الذوبان التدريجي في الحقيقة الوحيدة التي لا ترحم؛ العدم المطلق.

_ السيادة السرية: كيف يقتات المجتمع الطفيلي على مساحات الوجود المهملة

يُمثل مفهوم المجتمعات غير المرئية (Invisible Societies) في الفلسفة السحرية ذروة التوسع الأنطولوجي في مناطق الظل؛ فهي ليست مجرد تجمعات سرية، بل هي كيانات إجتماعية قررت الإنسحاب المنظم من حيز الإدراك العام لتستوطن المسافة الفاصلة بين الوجود و العدم. إن خلق مثل هذه المجتمعات عبر السحر يعتمد على تقنية الحجب الوجودي، حيث يتم سحب الغطاء الإدراكي عن مجموعة من البشر أو الكيانات، مما يجعلهم غير مرئيين ليس بالمعنى البصري الساذج فحسب، بل بمعنى سقوطهم من ذاكرة الواقع المادي وإقتطاعهم من سياق الزمن الجماعي. هذه المجتمعات تعيش في حالة برزخية قريبة من العدم، لأنها تفتقر للثبات الذي يمنحه الإعتراف المتبادل بين الذوات؛ فبما أن المجتمع الخارجي لا يراها، فإنها تضطر لإستمداد شرعية وجودها من قوة العدم ذاتها، محولة الفراغ إلى وطن، واللاشيء إلى قانون ناظم لعلاقاتها الداخلية. السحر هنا يعمل كغشاء أنطولوجي يفصل بين عالمين، تاركاً المجتمع غير المرئي في حالة من السيولة المطلقة، حيث يمكنهم الحضور والغياب دون ترك أثر، مما يجعلهم أشباحاً مؤسسية تتحدى فكرة الدولة و المادة والحدود. وتتعمق هذه العلاقة بين السحر والعدم عند النظر إلى هذه المجتمعات كإستنساخ جماعي من العدم؛ فلكي يظل المجتمع غير مرئي، يجب على أفراده أن يمارسوا نوعاً من الخداع الذاتي المشترك وتجنب تلوث وجودهم بتأثيرات الآخرين. إنهم يعيشون في عدم منظم، حيث يتم إستبدال الروابط المادية بروابط إدراكية وهمية تفتقر للجوهر لكنها تفيض بالمعنى الخاص بهم. هذا الوجود القريب من العدم يمنحهم حصانة ضد الفناء بالمعنى التقليدي، لأن من لا يملك وجوداً معترفاً به لا يمكن تدميره بالأدوات المادية. ومع ذلك، فإن هذه المجتمعات تفتقر للثبات؛ إذ إن بقاءها مرهون بدوام الفعل السحري الذي يحجبها و بقدرة أفرادها على تحمل وطأة الفراغ. إن المجتمع غير المرئي هو في الحقيقة كيان طفيلي على العدم، يقتات على المساحات التي أهملها الواقع، مستخدماً سحر التلاشي كدرع يحميهم من تدخلات الوجود الثقيل، مما يحولهم إلى تجسيد حي للمفارقة التي تقول إن العدم يمكن أن يكون مأهولاً بالسكان إذا ما وجدوا الطريقة لبرمجة إدراكهم على ترددات اللاشيء. علاوة على ذلك، فإن المجتمعات غير المرئية تُمثل تخصصاً في اللاكيان الجماعي، حيث يتم تخزين قوة العدم في بنية إجتماعية كاملة. هذا النوع من السحر يتطلب تضحية بالهوية العامة مقابل الحصول على السيادة السرية. الكيانات داخل هذه المجتمعات تفتقر للثبات لأنها تعيش في حالة من التذبذب بين الظهور كأفراد و الإختفاء كجزء من العدم المحيط بهم. من الناحية الفلسفية، هذا يطرح تساؤلاً حول ماهية المجتمع؛ فإذا كان المجتمع يتكون من علاقات، فماذا يحدث عندما تكون تلك العلاقات مبنية على غياب مشترك؟ إن السحر الأسود أو السحر الأعلى الذي يؤسس لهذه التجمعات يستخدم العدم كإسمنت يربط بين الأفراد، مما يجعلهم مجتمعاً من الظلال يتبع الواقع دون أن يلمسه. هذه الحالة القريبة من العدم تجعلهم يختبرون المرض المهني للساحر بشكل جماعي؛ حيث يبدأ التآكل الوجودي في التهام نسيجهم الإجتماعي، مما قد يؤدي في النهاية إلى إبتلاع العدم لهم و تحولهم من مجتمع غير مرئي إلى مجتمع عدمي بالكامل، لا يملك حتى القدرة على الحلم بالعودة إلى النور. ختاماً، يظل خلق المجتمعات غير المرئية هو الطموح الأسمى لكل قوة سحرية تسعى لإلغاء الروابط مع العالم المادي و تشييد واقع بديل في قلب الخلاء. إن هذه المجتمعات هي البرهان على أن العدم ليس مكاناً مهجوراً، بل هو مساحة شاسعة يمكن إختراقها وسحب أنظمة وجودية منها إذا ما توفرت الإرادة الجماعية المنعزلة. إن إفتقار هذه المجتمعات للثبات هو سر قوتها وسر مأساتها في آن واحد؛ فهي حرة من قيود المادة، لكنها مهددة دائماً بالتلاشي المطلق في أية لحظة يضعف فيها الخيال الجماعي الذي يسندها. وبذلك، تظل المجتمعات غير المرئية درساً في أنطولوجيا الخفاء، تذكرنا بأن الواقع الذي نراه ليس سوى جزيرة صغيرة في محيط من اللاوجود المأهول بأشباه كائنات تفتقر للجوهر، و تعيش في حالة من السحر المستمر، منتظرة لحظة إنكسار الضوء لكي تكتشف أنها كانت دائماً جزءاً من العدم الذي حاولت ترويضه.

_ أنطولوجيا الوعاء الفارغ: كيف تصبح لاشيئاً لتمتلك سيادة اللاشيء

تبدأ الفلسفة السحرية للمبتدئين، في جوهرها الأنطولوجي، ليس بتلقين التعاويذ أو طقوس الإستدعاء، بل بعملية هدم منهجية تُعرف بتقليل الوجود الذاتي؛ وهي تقنية فلسفية تهدف إلى خلخلة صلابة الأنا لتصبح قادرة على إستيعاب و تقبل فيض العدم. إن المبتدئ في السحر يواجه في البداية عائقاً ضخماً يتمثل في الإمتلاء بالذات، حيث يرى العالم ككتلة مادية جامدة و يضع نفسه كمركز ثابت لها. لذا، فإن أولى خطوات التعلم تقتضي تفريغ هذا الإمتلاء عبر ممارسات العزلة، الصمت، والتأمل في الفناء، و ذلك لتحويل الوعي من حالة الكيان المصمم إلى حالة الوعاء الفارغ. السحر هنا لا يبدأ من القدرة على الخلق، بل من القدرة على إفساح المكان؛ فلكي يتمكن الساحر من سحب أي كيان يفتقر للثبات من العدم، يجب أن يكون هو نفسه قد تخلص من ثباته الشخصي أولاً، ليتحول إلى غشاء رقيق يفصل بين الوجود واللاشيء، مما يسمح للعدم بأن يتدفق عبر وعيه دون أن يصطدم بجدران الأنا المتضخمة. وتتعمق هذه التقنية البدائية لتصبح نوعاً من الخداع الإدراكي الذاتي الموجه؛ حيث يتعلم المبتدئ كيف ينظر إلى وجوده المادي كونه وهمًا مؤقتًا يفتقر للجوهر الحقيقي. إن تقليل الوجود الذاتي هو في الحقيقة عملية تآكل إرادي للروابط الإجتماعية و المادية التي تمنح الإنسان شعوراً كاذباً بالثبات. من خلال هذا التقليل، يبدأ الساحر في ملامسة العدم الكامن داخل خلاياه وأفكاره، مدركاً أن الفراغ ليس عدواً خارجياً بل هو الأصل الذي تخرج منه كافة الصور. العلاقة بين السحر و العدم في هذه المرحلة هي علاقة تآلف؛ فالساحر لا يحاول السيطرة على العدم بل يحاول التشبه به. هذا الكيان الشخصي المقلص يفتقر للثبات الإجتماعي ولكنه يكتسب مرونة أنطولوجية تسمح له بالتعامل مع اللاكيان دون أن يفقد عقله. إنها تجربة تقنية للذوبان الجزئي في الخلاء، حيث يتعلم المبتدئ أن قوة السحر تتناسب طردياً مع قدرته على أن لا يكون أحداً، محولاً نفسه إلى نقطة تلاشٍ تمتص قوة العدم و تخزنها مؤقتاً قبل إطلاقها في صورة فعل سحري. علاوة على ذلك، فإن فلسفة المبتدئين تدرك أن تلوث قوة العدم يحدث غالباً بسبب الرغبات الشخصية الثقيلة؛ لذا فإن تقليل الوجود الذاتي يضمن بقاء العدم المستدعى نقيًا و غير مشوه بالهواجس البشرية الصرفة. إن الساحر الذي ينجح في إلغاء أجزاء من وجوده يصبح قادراً على رؤية المجتمعات غير المرئية و الكيانات البرزخية التي تسكن ثنايا الفراغ، لأن حواسه لم تعد محبوسة في نطاق الإمتلاء المادي. هذا التخصص المبدئي في العدم الشخصي يمنحه الحماية من المرض المهني للساحر؛ لأنه بدلاً من أن يستهلك العدم جسده قسراً، يقوم هو بتقديم أجزاء من وجوده طواعية كقربان للمعرفة. إن الوجود المقلص هو درع الفراغ؛ فالعدم لا يمكنه إبتلاع ما هو أصلاً فارغ. ومن هنا، يصبح السحر هو فن الغياب المنظم، حيث يتدرب المبتدئ على أن يكون صدى لعدمٍ أكبر، مستخدماً الإجتهاد الفردي لتصفية وعيه من شوائب الآخرين، مما يجعل كياناته المسحوبة من العدم تمتلك شفافية ونقاءً يفتقر إليهما سحر المحترفين الذين قد يسقطون في فخ الغرور والإمتلاء ثانية. ختاماً، تظل التقنية البدائية لتقليل الوجود الذاتي هي البوابة الوحيدة الصادقة نحو العدم المطلق؛ فهي تعلم الساحر أن الخلق من العدم هو في الحقيقة إستعادة للعدم في صور مختلفة. إن إفتقار الساحر المبتدئ للثبات في هذه المرحلة هو سر تطوره؛ فهو لا يزال كائناً هائماً يرفض الإنحباس في تعريف واحد، مما يجعله قادراً على محاكاة السيولة الكونية التي سبقت الإنفجار العظيم. إن العلاقة بين السحر والعدم تبدأ بهذا الإستسلام المتواضع، حيث يكتشف الساحر أن القوة لا تكمن في فرض الإرادة على الواقع، بل في السماح للواقع بأن يتلاشى لصالح الحقيقة العدمية الأكثر سطوعاً. و بذلك، تظل الفلسفة السحرية للمبتدئين رحلة في فن التناقص، حيث يتعلم الإنسان كيف يصبح أقل لكي يدرك الكل، محولاً نفسه من كائن عابر يخشى الفناء إلى ساحر عظيم يرقص على حافة العدم، بوجودٍ خفيف يفتقر للثقل و لكنه يفيض بالسيادة على اللاشيء.

_ هندسة النجاة: القواعد الطقسية كدرعٍ واقٍ من الإنفجار الأنطولوجي للعدم

يُمثّل الإلتزام الصارم بالقواعد والطقوس السحرية في الفلسفة العميقة لفن الفراغ أكثر من مجرد إنضباط مدرسي؛ إنه يمثل الهيكل العظمي الأنطولوجي الذي يمنع الساحر من الإنهيار التام داخل هاوية العدم التي يستحضرها. في العلاقة المعقدة بين السحر والعدم، يُعد العدم قوة سيالة و غير متمايزة تفتقر إلى أي بنية أو ثبات، و بمجرد أن يفتح الساحر بوابة الإدراك نحو هذا الخلاء، فإنه يعرض كيانه المادي لضغط اللاشيء الذي يسعى لإبتلاع كل شيء. هنا، تأتي القواعد الصارمة والطقوس الدقيقة مثل الدوائر السحرية، التوقيتات الفلكية، والرموز الهندسية لتعمل كغلاف واقٍ أو حدود إصطناعية تحافظ على تماسك الأنا وتمنعها من الغرق أو الذوبان في اللانهائية العدمية. الإلتزام بالقاعدة هو في جوهره محاولة لبرمجة العدم داخل حدود آمنة؛ فالساحر يفرض نظاماً بشرياً مصطنعاً على فوضى كونية مطلقة لكي يضمن أن الكيان الذي يسحبه من العدم يظل أداة في يده ولا يتحول إلى ثقب يبتلعه. إن القواعد هي خيوط النجاة التي تشد الساحر إلى عالم الثبات بينما هو يغوص في أعماق التلاشي، مما يجعل الخداع الإدراكي موجهاً نحو الخارج بدلاً من أن ينفجر في الداخل. وتتعمق هذه الضرورة عند إدراك أن العدم لا يمتلك قوانين، بل يمتلك إحتمالات؛ و الإلتزام الصارم هو الطريقة الوحيدة لتثبيت الإحتمال ومنعه من التشتت. حين يبتعد الساحر عن القاعدة، فإنه يفقد نقطة الإرتكاز التي تميز وجوده عن اللاشيء، مما يؤدي إلى ما يُعرف بالغرق في العدم؛ وهي حالة يفقد فيها الساحر القدرة على تمييز ذاته عن الوهم الذي خلقه. القواعد السحرية هي بمثابة لغة تواضع أمام عظمة الفراغ؛ فالساحر يدرك أن اللاكيان الذي يتعامل معه يفتقر للثبات، ولذا فهو يستعير ثباتاً من النظام الطقسي ليعوض غياب الجوهر في الكيانات المسحوبة من العدم. هذا الإلتزام هو الذي يحمي الساحر من المرض المهني الناتج عن الإستهلاك المفرط للعدم، حيث تعمل القواعد كمرشحات (Filters) تسمح بمرور القوة العدمية اللازمة فقط دون السماح لبرودة اللاشيء بتجميد روح الساحر. إنها تقنية لتخزين قوة العدم داخل زجاجة من المنطق الصارم، لكي لا يتسرب الفراغ ويحول حياة الساحر إلى مجرد صدى يفتقر للحقيقة. علاوة على ذلك، فإن الإلتزام الصارم يمثل الحل للمفارقة التي تواجه الفلسفة السحرية للمبتدئين؛ فبينما يُطلب من الساحر تقليل وجوده الذاتي لتقبل العدم، فإنه يحتاج في الوقت نفسه إلى هيكل خارجي يمنعه من التلاشي المطلق. القواعد هي هذا الهيكل؛ فهي تمنح الساحر هويّة وظيفية بديلة عن هويته الذاتية المقلصة. من الناحية الفلسفية، هذا يعني أن السحر هو صراع بين الإرادة المنظمة و العدم المطلق؛ فالإرادة وحدها قد تضعف أمام هول الفراغ، لكن القاعدة تظل ثابتة كقانون طبيعي بديل. الكيانات التي تظهر عبر الإلتزام بالقواعد تفتقر للثبات الجوهري، لكنها تمتلك ثباتاً صورياً مستمداً من دقة الطقس، وهو ما يجعل الوهم يبدو صلباً ومقنعاً. إن الإنحراف عن القاعدة في السحر لا يُنظر إليه كخطأ أخلاقي، بل كإنتحار أنطولوجي؛ لأن العدم لا يرحم من يقتحمه دون درع، والإلتزام هو الدرع الوحيد الذي يجعل الخلق من العدم عملية بناء بدلاً من أن تكون رحلة نحو الفناء الذاتي. ختاماً، يظل الإلتزام الصارم بالقواعد السحرية هو الضامن الوحيد لإستمرارية العرض السحري دون أن يتحول إلى مأساة وجودية. إنه التقنية التي تضمن بقاء الساحر مراقباً للعدم لا غريقاً فيه. إن العلاقة بين السحر والعدم عبر وسيط القاعدة تخبرنا أن الحرية المطلقة في العدم هي في الواقع فخ يبتلع الوعي، وأن القيد (القاعدة) هو الذي يمنح القوة معناها و تأثيرها. وبذلك، يظل الساحر الملتزم هو الذي أدرك أن العدم يحترم فقط النظام الذي يتحدّاه، وأن الحماية من غرق العدم لا تكمن في الهروب منه، بل في بناء سفينة من القوانين تعبر محيط اللاشيء بسلام. إن إفتقار الأوهام للثبات يجعل الساحر أكثر تشبثاً بثبات قواعده، محولاً إياها إلى الحقيقة الوحيدة التي لا تتبدد في عالمٍ مصنوع من ظلال العدم المسحوب من وراء ستار الإدراك.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- إسرائيل تُحكم قبضتها على الضفة الغربية قبيل زيارة نتنياهو لأ ...
- المغرب: سيول جارفة تقتل أربعة أشخاص وتخلف مفقودًا
- دون تفاعل المستخدم.. شركة إسرائيلية ناشئة تطوّر أدوات اختراق ...
- المغرب : سيول جارفة في تطوان تسفر عن مصرع أربعة أشخاص جلهم أ ...
- إسرائيل توافق على حزمة إجراءات لتعميق سيطرتها على الضفة الغر ...
- يورانيوم إيران.. نسب التخصيب وحدود اللعبة النووية
- 9 أسئلة توضح أخطر تحوّل تفرضه إسرائيل على الضفة منذ 1967
- هل بدأت إسرائيل ضم الضفة الغربية من بوابة القانون؟
- فايننشال تايمز: فنزويلا تتعلم كيف تعيش من دون مادورو
- 3 شهداء بينهم طفل بنيران الاحتلال في قطاع غزة


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّانِي وَ التِّسْعُون-