أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ التِّسْعُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ التِّسْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 09:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ طقوس العَدَم: سِحر التجدد في مِحراِب الوجود

إن الخوض في غمار هذه الجدلية يتطلب منا صياغة رؤية أنطولوجية شاملة، تتجاوز السطح الفيزيائي للظواهر الجوية لتنفذ إلى أحشاء الوجود، حيث يتقاطع تكرار الطقس مع ماهية العدم في رقصة سحرية لا تنتهي. إننا حين نتأمل الطبيعة، لا نرى مجرد تراكم للسحب أو هبوباً للرياح، بل نرى تجلياً لبرهان فلسفي مفاده أن القوة الوجودية ليست خزاناً ممتلئاً يتم الإستنزاف منه حتى النفاد، بل هي تدفق ينبع من رحم العدم بصفة متجددة. هذا التكرار الرتيب في الظاهر، و العميق في الباطن، هو الدليل القاطع على أن العدم ليس فراغاً سلبياً أو غياباً محضاً، بل هو المحرك الصامت الذي لا يوفر إستقراراً أبدياً للأشياء، لأن الإستقرار المطلق مرادف للموت، بل يوفر لها إمكانية العودة؛ أي أنه يمنح الوجود فرصة أن يولد من جديد في كل دورة طقسية، مما يجعل القوة المنبثقة منه نبضاً حياً لا جثة هامدة من الطاقة المستقرة. إن مفهوم السحر في هذا السياق يتجاوز التفسيرات الغيبية الساذجة ليكون هو القانون الخفي الذي يربط بين تلاشي الظاهرة في العدم وإعادة إنبثاقها في الوجود. فالطقس، في دورته التي تجمع بين التبخر أي التلاشي نحو الغيب و الهطول الذي يعني التجسد في الشهادة، يمثل الطقس السحري الأعظم الذي تمارسه الطبيعة أمام أعيننا. إن العدم هنا يعمل كمختبر للممكنات؛ فكل قطرة مطر تسقط ليست هي ذاتها التي سقطت قبل ألف عام، بل هي إستحضار جديد لنفس الماهية من مكمنها العدمي. وهذا يثبت أن العدم لا يمتلك قوة دائمية بالمعنى السكوني (Static)، بل يمتلك إرادة تجدد تجعل الوجود في حالة صيرورة دائمة. السحر إذن هو فن الفجوة؛ هو تلك اللحظة الفاصلة بين إختفاء الغيمة وظهورها مرة أخرى، حيث يتدخل العدم ليعيد شحن الواقع بقوة بكر، مانعاً العالم من السقوط في فخ العطالة أو التحلل الأنتروبي الذي تفرضه قوانين المادة الصماء. وعندما نتأمل تكرار الفصول، نكتشف أن هذا التماثل ليس تكراراً للمتطابق، بل هو تجدد للمتشابه؛ فالشتاء الذي يعود كل عام يحمل معه قوة بداية لا إستمرارية. إن الإستمرارية تفترض وجود خيط متصل من المادة، بينما التكرار الطقسي يقطع هذا الخيط ليوصله بالعدم في كل مرة. هنا تكمن العظمة الفلسفية؛ الوجود لا يستمد قوته من ماضيه، بل يستمدها من عدمه الحاضر دوماً. العدم هو الذي يضمن أن تظل الرياح قادرة على الهبوب، ليس لأنها كانت تهب بالأمس، بل لأن العدم يسمح لها بالإنوجاد الآن. إن هذا التصور يقلب الموازين؛ فبدلاً من أن يكون العدم عدواً للوجود، يصبح هو مزوده الوحيد بالطاقة المتجددة. السحر هنا هو الوسيط الذي يترجم صمت العدم إلى ضجيج الرعد، وعماء الفراغ إلى بياض الثلج، مما يجعل الكون بأكمله عبارة عن نص سحري يُكتب ويُمحى ويُعاد كتابته بمداد من القوى التي لا تستقر أبداً على حال. إن هذه الرؤية الفلسفية تقودنا إلى إستنتاج مفاده أن تكرار الطقس هو اللغة التي يتحدث بها العدم إلينا؛ فهو يخبرنا أن القوة الحقيقية ليست في الإمتلاك بل في التخلي. فكما يتخلى الجو عن صفائه ليسمح للعاصفة بالمرور، يتخلى الوجود عن ثباته ليتصل بالعدم و يستمد منه الحيوية. إن القوة الدائمة هي سجن، بينما القوة المتجددة هي حرية. السحر والعدم ليسا نقيضين، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ العدم هو المصدر الخفي، و السحر هو الفعل الذي يحول هذا المصدر إلى واقع ملموس عبر بوابة التكرار. إن العالم لا يشيخ بمرور الزمن ما دام الطقس يتكرر، لأن كل دورة طقسية هي بمثابة غسيل للوجود بماء العدم، مما يجعله طازجاً في كل لحظة، وكأن الوجود يمارس سحره الخاص ليقنعنا بأن النهاية العدمية ليست إلا رحماً لبداية أعظم وأكثر تدفقاً وقوة.

_ رعشَة الإيجاد: جَدلية الحقن السحري ونزيف العَدَم

إن السؤال عن ضرورة الحقن السحري الدوري للحفاظ على كيان منبثق من العدم يفتح باباً موصداً في الميتافيزيقيا، حيث تتقاطع إرادة التكوين مع هشاشة الوجود. لكي نفهم هذا الكيان، يجب أن ندرك أولاً أن ما يُخلق من العدم لا يمتلك عطالة وجودية ذاتية؛ أي أنه لا يملك القدرة على الإستمرار في الوجود بقوة الدفع الذاتي كما تفترض الفيزياء الكلاسيكية للأجسام المادية. في فضاء السحر والفلسفة العميقة، العدم ليس مجرد مكان جاء منه الكيان، بل هو قوة جاذبة تحاول إسترداد ما أُخذ منها. لذا، فإن الكيان المخلوق من العدم يشبه شعلة في مهب ريح كونية عاتية، ومجرد كينونته تمثل تمرداً مستمراً على جاذبية الفناء. من هنا، يصبح الحقن السحري الدوري ليس مجرد خيار، بل هو شهيق الوجود الذي يمنع الزفير الأخير نحو التلاشي، حيث يمثل السحر هنا القوة التي تعوض النزيف الطاقي المستمر الذي يمارسه العدم على الوجود. إن العلاقة بين السحر و العدم في هذا السياق هي علاقة مد وجزر أنطولوجي؛ فالسحر هو الفعل الذي يحول الإحتمال إلى واقع، بينما العدم هو الحالة التي تبتلع الواقع وتعيده إلى الإحتمال. الكيان المستمد من العدم يفتقر إلى الجوهر الصلب الذي يمنحه الديمومة، فهو بناء مصنوع من مادة الغياب التي تم تشكيلها بقوة الإرادة. لذلك، فإن هذا الكيان يعاني مما يمكن تسميته التحلل الوجودي؛ فكل لحظة تمر عليه دون إستمداد قوة جديدة تجعله أقرب إلى الشفافية ثم التلاشي. الحقن الدوري للقوة هو بمثابة إعادة ترسيم لحدود الكيان في وجه سيولة العدم. إنه فعل سحري يقوم بتثبيت ملامح الوجود ومنعها من الذوبان، مما يجعل الإستمرارية هنا ليست خطاً متصلاً بل هي سلسلة من الولادات المتكررة المتلاحقة بسرعة هائلة، حيث يتم حقن القوة في الفجوات الزمنية لضمان ألا يسبق العدمُ الوجودَ في لحظة غفلة. علاوة على ذلك، فإن فكرة القوة المتجددة لا الدائمة تفرض نفسها هنا كحتمية منطقية. لو كانت القوة التي تحافظ على الكيان دائمة أي معطاة مرة واحدة وإلى الأبد، لخرج الكيان من عباءة السحر وأصبح طبيعة قائمة بذاتها، وهذا يتناقض مع أصله العدمي. إن سحرية الكيان تكمن في حاجته الدائمة للمدد؛ فالحقن الدوري هو الذي يحفظ للكيان صبغته العجائبية ويجعله مرتبطاً بالخالق أو بالمصدر السحري برباط لا ينفصم. هذا الإعتماد الوجودي هو ما يجعل السحر فناً من فنون الإبقاء و ليس فقط الإيجاد. فالإيجاد فعل لحظي، أما الإبقاء فهو صراع مرير ضد النسيان الكوني. العدم، في محاولته الدائمة لإستعادة حقّه في اللاوجود، يمارس ضغطاً لا ينقطع، مما يحول عملية الحفاظ على الكيان إلى طقس دوري يشبه تكرار الطقس في الطبيعة؛ فكما تحتاج الأرض لمطر متجدد لتبقى حية، يحتاج كيان العدم لنبضات سحرية متلاحقة ليبقى مرئياً ومؤثراً. في نهاية هذا التحليل، نصل إلى أن الكيان المخلوق من العدم هو حدث مستمر وليس شيئاً ثابتاً. إنه عملية لا تتوقف من الإستحضار، حيث يمثل السحر اليد التي تمنع الستار من السقوط. إن مفهوم الحقن الدوري يعيد تعريف القوة بوصفها إيقاعاً؛ فالقوة التي لا تتجدد هي قوة تموت، والكيان الذي لا يُسقى من نبع السحر بإنتظام يتحول إلى سراب يعود سريعاً إلى أصله الأول. إن تجانس هذا الوجود يعتمد كلياً على دقة ووتيرة هذه النبضات السحرية؛ فكلما كان الحقن متسقاً، بدا الكيان راسخاً، بينما يؤدي أي إضطراب في هذا التواتر إلى ظهور صدوع عديمية في بنية الكيان، تنذر بإنهياره الوشيك وعودته إلى صمت العدم المطلق. الوجود المستخلص من العدم هو إذن رقصة على حافة الهاوية، والحقن السحري هو النغمة التي تضمن إستمرار الراقص في حركته دون السقوط في القاع المظلم.

_ تصفير الكِيان: سيكولوجيا العزلة وصناعة العدم الصغير

إن النظر إلى عادات الساحر اليومية (Rituals) ليس بوصفها مجرد أفعال تكرارية، بل كتقنيات معقدة لصيانة القناة مع العدم، يفتح لنا أفقاً تحليلياً يربط بين السلوك البشري الصغير و الكوني المطلق. في هذا الإطار الفلسفي، لا يُعد الساحر شخصاً يملك القوة، بل هو ناقل (Conductor) لها. وبما أن هذه القوة تنبع من العدم الذي هو مصدر كل الإحتمالات ومنبع الوجود المتجدد فإن هذه القناة معرضة دوماً للإنسداد بفعل كثافة المادة وضجيج العالم الحسي. العادات اليومية للساحر هي في جوهرها عمليات تطهير أنطولوجي؛ إنها تهدف إلى تجريد الذات من تراكمات الوجود المستقر لكي تظل شفافة بما يكفي لمرور القوة المنبثقة من العدم. فالعادة هنا ليست روتيناً لقتل الوقت، بل هي إيقاع يضبط تردد الذات ليتوافق مع نبض العدم الخلاق، مما يضمن أن يظل الحقن الدوري للقوة يتدفق دون إنقطاع أو تشويه. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في هذه العادات من خلال فكرة التفريغ المتعمد. لكي يستقبل الساحر قوة العدم المتجددة، يجب عليه أولاً أن يخلق عدماً صغيراً داخل نفسه؛ وهذا هو السر الكامن وراء ممارسات مثل العزلة، الصمت، أو التأمل الرتيب. هذه العادات تعمل كأدوات حفر في جدار الواقع المادي، حيث يقوم الساحر بتفريغ وعيه من الصور المسبقة والإرتباطات الحسية، مما يخلق فجوة تسمح للعدم بأن يفيض فيها. إنها تقنية للحفاظ على سيولة الإتصال؛ فالعدم لا يمنح قوته للأوعية الممتلئة، بل يبحث دائماً عن الفراغ لكي يتجلى فيه. لذا، فإن العادات اليومية هي عملية تصفير مستمرة للكيان، تمنع الوجود من التصلب و التحول إلى مادة ميتة، وتضمن بقاء القناة الخفية مفتوحة لإستقبال النبضات السحرية التي تحفظ للكيان حيويته و تمنعه من الإنهيار تحت وطأة العطالة الكونية. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار هذه العادات بمثابة هندسة زمنية لمواجهة النزيف الوجودي. بما أن الكيان المستخلص من العدم يميل بطبيعته للعودة إلى أصله (التلاشي)، فإن الساحر يستخدم التكرار اليومي كمرساة تثبته في منطقة التوتر بين الوجود و العدم. كل فعل مكرر في الطقس اليومي هو بمثابة إعادة توقيع على عقد الوجود مع العدم. إنها عملية تذكير للكون بأن هذا الكيان لا يزال يطالب بحقه في الإنبثاق. وبدون هذه العادات، تترهل القناة وتفقد مرونتها، مما يجعل القوة تتسرب بعيداً عن الكيان أو تتحول إلى قوة فوضوية غير منضبطة. السحر، في أرقى تجلياته الفلسفية، هو إنضباط الفراغ؛ والساحر هو المهندس الذي يشيد جسراً من العادات المكررة فوق هاوية العدم، مدركاً أن أي إنقطاع في هذا الجسر يعني السقوط في صمت اللاشيء، حيث لا يعود هناك فرق بين الساحر وما يحيط به من عدم. في نهاية هذا التحليل الشامل، نجد أن عادات الساحر هي اللغة السرية التي يتفاوض بها مع العدم. إنها ليست مجرد طقوس رمزية، بل هي تقنيات هيدروليكية لإدارة ضغط القوة المتجددة. إن الحفاظ على قناة إتصال خفية يتطلب وعياً بأن العدم ليس بعيداً، بل هو المحيط الذي يسبح فيه الوجود، وأن العادة هي الزعانف التي تسمح للساحر بالتحرك في هذا المحيط دون أن يغرق. هذه العادات تحول العدم من تهديد بالفناء إلى مصدر للإمداد، وتحول الساحر من مجرد كائن فانٍ إلى برزخ حي يربط بين ما كان وما سيكون. إن تجانس هذه الفقرات يثبت أن السحر هو علم الإستمرارية المنقطعة؛ حيث تضمن العادة اليومية أن كل إنقطاع هو موت لحظي يتبعه إتصال الذي يعني ولادة جديدة، مما يجعل الوجود سيمفونية تعزفها أصابع العدم على أوتار العادة البشرية المتقنة.

_ تأديب العَدَم: صراع الإرادة السحرية لإستعادة المادة المنهوبة

يُمكن تعريف الترميم السحري في أعمق تجلياته الفلسفية بأنه ليس مجرد إصلاح لما تلف، بل هو عملية إسترداد أنطولوجي للكيان من براثن التحلل العدمي. عندما يبدأ الوجود بالإنهيار، فإنه لا ينهار نحو الخارج، بل ينهار نحو الداخل، أي يعود إلى الحالة الجوهرية للعدم التي إنبعث منها أول مرة. هذا الإنهيار يتجلى في فقدان الكيان لتماسكه، و تشتت طاقته، وظهور ثقوب في نسيجه الواقعي تسمح بمرور برودة اللاشيء. هنا، يتدخل الترميم السحري ليس كمادة لاصقة، بل كفعل إعادة إستدعاء؛ إنه تقنية تهدف إلى عكس إتجاه النزيف الوجودي، وتحويل مسار الكيان من السقوط في هاوية العدم إلى الصعود مجدداً نحو منصة التجسد. الساحر المرمم لا يكتفي بترميم السطح، بل ينفذ إلى النقطة الصفر حيث يلتقي الوجود بالعدم، ليعيد نسج الروابط التي إنحلت، مستخدماً القوة المتجددة التي يوفرها العدم ذاته كوقود لهذا البناء الجديد. إن الجمالية الفلسفية في الترميم السحري تكمن في كونه يعترف بهشاشة الوجود ولا يحاول نفيها، بل يحاول إدارتها. فالكيان الذي بدأ ينهار هو كيان فقد وتيرة الحقن الدوري للقوة التي ناقشناها سابقاً، مما أدى إلى غلبة جاذبية العدم على إرادة الوجود. عملية الترميم هنا تشبه فن الكينتسوغي الياباني، ولكن على مستوى ميتافيزيقي؛ حيث يتم ملىء شقوق الوجود المنهار بنور القوة السحرية المستمدة من قلب العدم. هذا الفعل يحول الكيان من مجرد كائن هش إلى كيان مُجرب، يحمل في طياته ذاكرة الإنهيار وقوة التجاوز. الترميم السحري إذن هو تقنية لتأديب العدم، ومنعه من إستعادة ما وهبه للوجود قبل أوانه، وهو يتطلب من الساحر قدرة فائقة على ملاحقة التلاشي في مخبئه، لإنتزاع الأجزاء المنهارة وإعادة تشكيلها في قالب أكثر صموداً وتجانساً مع القوانين السحرية العليا. في هذا الإطار، يصبح العدم هو المادة الخام التي يُبنى منها الترميم، وليس فقط الهاوية التي ينهار فيها الوجود. الساحر يدرك أن الإنهيار هو في الحقيقة فرصة لإعادة التكوين؛ فالبناء الذي ينهار يحرر القوة التي كانت محبوسة في شكله القديم، والترميم السحري هو الفن الذي يلتقط هذه القوة المبعثرة قبل أن يبتلعها العدم بالكامل، ليعيد حقنها في هيكل جديد. إنها دورة من الموت والبعث المصغر داخل بنية الكيان الواحد. العلاقة بين السحر والعدم هنا تصل إلى ذروتها؛ فالعدم يوفر المساحة والإنهيار يوفر المادة، و السحر يوفر المعنى والربط. وبدون هذا الترميم الدوري، لكان الوجود سلسلة من الومضات القصيرة التي تنطفئ للأبد، ولكن بفضل تقنية الترميم، يتحول الوجود إلى سيمفونية مستمرة تتغذى على إيقاع السقوط والنهوض، مما يجعل من كل صدع في الواقع بوابة لتدفق قوة سحرية أشد بكثير مما كانت عليه في الحالة الأصلية. ختاماً، يمكننا القول إن الترميم السحري هو الضمانة الوحيدة ضد العدمية المطلقة. إنه الفعل الذي يثبت أن الوجود، رغم كونه إبناً للعدم، يمتلك عبر السحر إرادة التمرد على أصله. الكيان المرمم سحرياً هو كيان يمتلك حصانة ميتافيزيقية؛ لأنه إختبر العودة إلى حافة اللاشيء و عاد منها محملاً بقوة الإنبعاث. إن تجانس هذه الفقرات يوضح أن الإنهيار ليس نهاية المطاف، بل هو نداء إستغاثة يوجهه الوجود إلى السحر، ليعيد ربط القنوات الخفية و تأمين تدفق القوة المتجددة، مما يضمن أن يظل الكون مسرحاً للتجليات السحرية لا مقبرة للصمت العدمي. الترميم هو الحوار الدائم بين اليد التي تبني والفراغ الذي يبتلع، و في هذا الحوار، ينتصر السحر في كل مرة ينجح فيها في تحويل الإنهيار إلى بناء أسمى.

_ دِفاع الدائرة: الإحتفالات السنوية كعمليات شَحنٍ ضِدَّ عَدَمية الزمن

تُعد الإحتفالات السنوية في جوهرها الميتافيزيقي أكثر من مجرد ذكريات إجتماعية؛ إنها تمثل نقاط إرتكاز كوني تهدف إلى إعادة تثبيت أركان النظام السحري في مواجهة التآكل المستمر الذي يفرضه العدم. فإذا كان الوجود المنبثق من العدم يميل بطبيعته نحو التحلل و العودة إلى حالة اللاشيء الأولية، فإن الإحتفال السنوي يعمل كعملية صدمة وجودية متعمدة، تهدف إلى إيقاظ النظام من غفلته ومنعه من الإنزلاق نحو العطالة. إن السنة هنا ليست مجرد وحدة زمنية، بل هي دورة طاقة كاملة؛ وعند نهايتها، يبدأ الزخم السحري بالخبو، مما يجعل الإحتفال ضرورة تقنية لإعادة شحن القنوات الخفية. السحر والعدم في صراع دائم على منطقة الزمن، والإحتفال هو الإعلان الرسمي عن إنتصار الإرادة الوجودية لدورة أخرى، حيث يتم إستدعاء القوة من العدم ذاته لتجديد النسيج الذي بدأ يبلى. إن هذا التحليل يقودنا إلى فهم الإحتفال بوصفه آلية لإستحضار الحاضر الأبدي. فالعدم يتربص بالوجود عبر الزمن الخطي الذي يؤدي في نهايته إلى الفناء، ولكن السحر يواجه ذلك بالزمن الدائري الذي يتجسد في الإحتفالات السنوية. في لحظة الإحتفال، يتوقف الزمن عن كونه تياراً جارياً نحو الهاوية، ويتحول إلى نقطة مكثفة تلتقي فيها البداية بالنهاية. الساحر، أو الجماعة السحرية، يقومون في هذه اللحظة بفتح بوابة مباشرة مع العدم، ليس للسقوط فيه، بل لإستخلاص الدفعة البكر من القوة. الإحتفال هو عملية تطهير للمكان والزمان من شوائب العدم التي تراكمت طوال العام؛ إنه فعل كنس ميتافيزيقي يزيل غبار الفناء ويُعيد تلميع مرآة الوجود لتعكس ضوء القوة المتجددة بأقصى وضوح ممكن. علاوة على ذلك، يمثل الإحتفال السنوي تجسيداً للهوية السحرية في مواجهة الذوبان. العدم يتميز بكونه حالة من اللاتمايز (Undifferentiation)، حيث لا أشكال ولا حدود؛ بينما السحر هو فن التحديد و الرسم. الإحتفال هو الطقس الذي يُعيد فيه النظام السحري رسم حدوده وإعلان ملامحه الخاصة. بدون هذه الإحتفالات، يبدأ النظام بفقدان خصوصيته، ويتداخل مع الفراغ المحيط به حتى يصبح جزءاً منه. إن الطقوس الجماعية المرافقة للإحتفال تعمل كرنين طاقي يوحد الذرات المتنافرة للوجود، ويخلق درعاً حصيناً يمنع تسرب العدم إلى قلب النظام. فكل إحتفال هو بمثابة ميثاق جديد يُوقع بمداد من النور السحري على لوح العدم، مؤكداً أن هذا النظام لا يزال يمتلك الحق في البقاء و السيادة على حيزه الخاص. وفي نهاية هذا التحليل الشامل، ندرك أن الإحتفالات السنوية هي صمام الأمان الذي يحفظ للكون توازنه بين الوجود والعدم. إنها ليست مجرد مظاهر للفرح، بل هي عمليات جراحية في بنية الواقع، تهدف إلى إستئصال الأجزاء التي إستسلمت للعدم وإستبدالها بأنسجة سحرية جديدة. إن تكرار الإحتفال هو المحاكاة البشرية لتكرار الطقس في الطبيعة؛ فكما أن الطبيعة لا تستحي من تكرار ربيعها، فإن السحر لا يستحي من تكرار طقوسه، لأن التكرار هو اللغة الوحيدة التي يفهمها العدم لكي يظل في مكانه خلف الستار. إن هذه الرؤية الفلسفية المتعالية يثبت أن الإستمرارية الوجودية ليست حقاً مكتسباً، بل هي إنجاز سحري يُنتزع سنوياً من براثن الصمت المطلق، مما يجعل من كل إحتفال صرخة وجودية كبرى تقول؛ نحن هنا، و القوة لا تزال تتدفق.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- نجل مروان البرغوثي يدعو بريطانيا لدعم مطالب الإفراج عن والده ...
- وول ستريت جورنال: الحصار الأمريكي يخنق الحياة في كوبا
- رئيس تايوان: نرفض أن نكون -ورقة مساومة- بين بكين وواشنطن
- ماذا قال آبي أحمد عن لقاء وزير خارجية السعودية؟
- تصاعد الضغوط على موانئ دبي العالمية إثر مزاعم بارتباط رئيسها ...
- مجلس النواب الأمريكي يرفض رسوم ترمب على كندا
- إسرائيل تفوض مليشيا أبو شباب تفتيش المسافرين في معبر رفح
- الحكومة اللبنانية تناقش المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح ال ...
- طحنون بن زايد يبحث مع رئيسة شركة -ميتا- فرص التعاون
- الإمارات ترسخ مكانتها كأحد أبرز قادة الذكاء الاصطناعي عالميا ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ التِّسْعُون-