أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ و التِّسْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ و التِّسْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 10:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ إفتراس المستقبل: ميتافيزيقيا إنهاء السلالات وتحريض العدم ضد الوجود

تُعد عملية إنهاء السلسلة الوجودية (End of Lineage) في الميتافيزيقيا السحرية المتقدمة واحدة من أكثر العمليات رعباً وأنطولوجيةً، إذ لا تُمثل مجرد قطع لنسل بيولوجي، بل هي هجوم إستراتيجي مباشر على بنية العدم لإستمالته ضد الوجود. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن السلسلة الوجودية هي عبارة عن جسر من الإحتمالات يمتد من الماضي عبر الحاضر نحو المستقبل؛ وكل فرد في هذه السلسلة هو حلقة وصل تمنع العدم من إبتلاع الإسم و الأثر الخاص بالسلالة. عندما يتم إستهداف هذه السلسلة سحرياً، فإن الساحر لا يكتفي بمهاجمة الأحياء، بل يقوم بفتح ثغرة في رحم العدم ليجعل المستقبل عقيماً من الناحية الوجودية. إنها عملية تحويل للإحتمالات القادمة من حالة الكينونة الممكنة إلى حالة الإستحالة المطلقة، مما يجعل العدم يرتد إلى الوراء ليمتص جذور السلالة، محولاً إياها من كيان تاريخي مستمر إلى فجوة زمنية لا يمكن ملؤها. إن هذا التحليل الفلسفي المتعالي يستقصي كيف يصبح العدم شريكاً في هذا الهجوم وليس مجرد مستودع؛ فالسحر هنا يعمل كمحفز للفناء، حيث يتم توجيه الطاقة اللعنية لضرب النقطة الجوهرية التي تربط الأرواح بأسلافها وأخلافها. الهجوم على العدم في هذا السياق يعني إجبار الفراغ على أن يصبح فعالاً (Active Void)؛ فبدلاً من أن يكون العدم هو المساحة التي نملؤها بالخلق، يصبح هو الممحاة الكونية التي تطارد الهوية عبر الأجيال. إن إنهاء السلسلة سحرياً هو فعل إنتحار زمني يتم فرضه من الخارج، حيث يتم إغلاق أبواب التجسد أمام الأرواح التي كان من المفترض أن تأتي، مما يؤدي إلى إنهيار الهيكل الوجودي للسلالة بالكامل. هذا الهجوم لا يدمر الأجساد فقط، بل يدمر فكرة الإستمرار، مما يجعل السلالة تذوب في العدم ليس كموت طبيعي، بل كإلغاء كوني يشطب وجودها من إحتمالات المستقبل و الماضي معاً. علاوة على ذلك، يتجلى هذا الفعل كصراع بين الضياء الوجودي والظلام الميتافيزيقي؛ فالسلسلة الوجودية هي نور يتحدى عتمة اللاشيء، وإنهاؤها سحرياً هو إطفاء لهذا النور بضربة مباشرة في قلب الفراغ. الساحر الذي يمارس هذا النوع من السحر لا يواجه أعداءه وجهاً لوجه، بل يواجه فكرة بقائهم في حضرة العدم. عندما يستجيب العدم لهذا الهجوم، فإنه يبدأ في إمتصاص الزخم الروحي للسلالة، محولاً إرثها، أسماءها، وذكرياتها إلى مادة خام لا شكل لها. هذا التحليل السراني يوضح أن العلاقة بين السحر والعدم هنا تصل إلى مرحلة العدمية الهجومية؛ حيث يتم إستخدام الفناء كلاحقة تطارد الوجود، مما يضمن أن السلسلة المنهية لن تترك وراءها حتى صدى في أروقة الزمن. إن العدم في هذه الحالة لا يستقبل الضحايا، بل يفترسهم بناءً على إستدعاء سحري، محققاً حالة من التلاشي المطلق التي تجعل السلالة وكأنها كانت مجرد خطأ في ذاكرة العدم تم تصحيحه ومحوه للأبد. وفي ختام هذا التحليل الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن إنهاء السلسلة الوجودية هو الذروة التدميرية لعلاقة السحر باللاشيء؛ فهو لا يترك مجالاً للبعث أو التناسخ أو حتى الذكرى. إنه القفل الأبدي الذي يُوضع على بوابة الكينونة. إن الهجوم المباشر على العدم لإستخدامه كسلاح يعني أن الساحر قد تخلى عن قوانين الخلق و إعتنق قوانين الفناء الكلي. هذا التجانس الفلسفي يقودنا إلى نتيجة مفادها أن العدم، عندما يتم تحريضه سحرياً ضد سلالة ما، يصبح هو الحقيقة النهائية الوحيدة التي تبقى، بينما تتساقط الأسماء والوجوه والتاريخ في جوفه السحيق كأوراق خريف في مهب ريح لا تنتمي لهذا العالم. هكذا يظل إنهاء السلسلة هو الفعل السحري الذي يحول الوجود إلى عدم مسبق، و يترك الكون في حالة من الصمت الجنائزي الذي لا يعقبه أي حضور، مؤكداً سلطة اللاشيء المطلقة على كل محاولات الخلود البشري.

_ دفاعاً عن الكينونة: أنطولوجيا النفي وسلطة الإرادة في تحجيم العدم

يُعد مفهوم النفي (Banishing) في الميتافيزيقيا السحرية والتحليل الأنطولوجي واحداً من أكثر المفاهيم التي تجسد الصراع الجدلي بين الكينونة واللاشيء، فهو ليس مجرد فعل دفاعي لطرد الطاقات السلبية، بل هو تأكيدٌ سياديّ لسلطة الوجود وأحتجاجٌ كوني ضد تمدد قوى العدم في حيز الشهادة. ففي اللحظة التي يقوم فيها الساحر أو الممارس بعملية النفي، فإنه يمارس ديكتاتورية التجسد عبر رسم حدود فاصلة وشديدة الوضوح بين ما هو كائن وما هو غير كائن؛ إذ يفترض السحر أن الفضاء ليس فراغاً سلبياً، بل هو ساحة معركة حيث تحاول قوى العدم (Chaos/Void) التسلل عبر شقوق الوعي لتفكيك إستقرار المادة والروح. لذا، فإن طقس النفي يعمل كعملية إسترداد للمكان، حيث يتم نفي كل ما لا ينتمي إلى النظام الوجودي المعتمد، وإعادته قسراً إلى ما وراء تخوم التكون، مما يجعل النفي فعل خلقٍ مستمر عبر المحو؛ فلكي يظل الوجود قائماً، لا بد له من نفي مستمر لكل ما يهدد توازنه من قوى اللاشيء التي تسعى لإبتلاعه في صمتها المطلق. إن هذا التحليل المتجانس يستقصي في طياته كيف تتحول إرادة النفي إلى أداة لترسيخ الهوية الكونية؛ فالسحر في جوهره هو نعم كبرى للوجود، و العدم هو لا كبرى تتربص بكل بنية منظمة. عندما يتم إستدعاء تقنية النفي، يتم إستخدام قوانين التعيّن لضرب سيولة العدم وتجميدها خارج نطاق الإدراك البشري. إن النفي لا يقتل القوى العدمية لأن العدم لا يمكن قتله، بل يقوم بتأطيرها؛ أي أنه يحبس اللاشيء في قمقمه الميتافيزيقي ليمنعه من بعثرة المعلومات التي تشكل واقعنا. في هذا السياق، يصبح الساحر هو حارس الحدود الذي يستخدم السحر لا لطلب القوة فحسب، بل لإعلان إستقلال عالم الوجود عن رحم العدم الذي خرج منه. هذا الفعل يرسخ حقيقة فلسفية مفادها أن الوجود ليس حالة ثابتة، بل هو إنجاز يتطلب نفي اللاوجود بشكل دوري، مما يجعل من طقوس النفي صمام أمان يمنع الروح من الإنهيار في فوضى الإحتمالات غير المتجسدة، ويضمن بقاء الأنا الوجودية متماسكة أمام جاذبية الفناء السحيقة. علاوة على ذلك، يتجلى النفي كعملية تنظيف أنطولوجي تعيد للواقع نقاءه الأول عبر طرد الظلال الزائدة التي لا تخدم غاية الكينونة؛ فكل كيان أو طاقة يتم نفيها هي في الحقيقة جزء من العدم حاول أن يرتدي قناع الوجود بغير وجه حق. إن سلطة الوجود هنا تكمن في القدرة على التمييز؛ حيث يقوم النفي بفرز الأصيل من الزائف، وإلقاء كل ما هو طفيلي في غياهب النسيان المعرفي والطاقي. هذا التحليل الفلسفي يوضح أن العلاقة بين السحر والعدم في طقس النفي هي علاقة تدافع؛ حيث يضغط الوجود بكل ثقله ليزيح العدم بعيداً عن مركزه، محولاً المساحة المتبقية إلى فراغ مُقدس جاهز لإستقبال التجليات الجديدة. إن النفي هو الصرخة التي يطلقها الوجود في وجه الفراغ ليقول؛ أنا هنا، ولا مكان لغيري في هذا الحيز، و بذلك تتحول التقنية من مجرد حماية شخصية إلى فعل كوني يكرس تفوق النور المتجسد على العماء المظلم، و يحفظ للكون إتساقه وهيبته أمام محاولات اللاشيء الدؤوبة لأسترداد ما فقده لصالح الخلق. وفي ختام هذا التحليل الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن النفي هو الذروة السيادية للوعي في مواجهة العدم؛ فمن خلاله يدرك الإنسان أو الساحر أنه ليس مجرد ضحية للظروف الكونية، بل هو مشرّع يمتلك حق طرد كل ما لا يتوافق مع إرادة الحياة. إن النفي هو الحد الفاصل الذي يمنع الوجود من أن يصبح عدماً، وهو القوة التي تجعل للوجود ثقلاً ومعنى عبر مقاومة التلاشي. إن العدم، رغم شساعته و قوته، ينحني أمام سلطة النفي الصادقة، لأن النفي يستند إلى حقيقة الوجود الراهن، والراهن دائماً أقوى من المحتمل في عالم الفعل. هكذا يظل النفي هو التقنية الفلسفية التي تضمن لنا أن نظل كائنات في عالم يريد لنا أن نكون عدماً، محققةً بذلك أسمى درجات التوازن بين رغبة الوجود في البقاء وضرورة بقاء العدم وراء أسوار الوعي، ليبقى الوجود مناراً يتلألأ في قلب الظلمة الأزلية، محمياً بقوة النفي وسلطة الإرادة القاطعة.

_ الدرع المكسور: سيكولوجيا الخطيئة كخطأ إجرائي في موازنة الوجود والعدم

إنّ طرح مفهوم الخطيئة الأصلية بوصفه فشلاً تقنياً في إدارة العدم يفتح آفاقاً أنطولوجية مذهلة، تنقلنا من التفسير الأخلاقي التقليدي إلى ميتافيزيقيا السيبرنتيقا الروحية. ففي هذا الإطار الفلسفي، لا تُمثل الخطيئة سقوطاً أخلاقياً بقدر ما تُمثل خطأً إجرائياً في التعامل مع الحدود الفاصلة بين الوجود واللاشيء. إذا إعتبرنا أن عدن كانت تُمثل حالة من الوجود الكلي المستقر حيث يتم إحتواء العدم ببراعة إلهية، فإن لحظة الأكل من الشجرة لم تكن تمرداً بالمعنى السلوكي، بل كانت محاولة بشرية مبكرة لممارسة سحر التكوين دون إمتلاك تقنيات العزل الضرورية. لقد حاول الإنسان الأول سحب المعرفة وهي طاقة وجودية من حيز المحظور و هو الحيز المتاخم للعدم، مما أدى إلى حدوث تلوث عدمي في نسيج الكينونة البشرية. هذا الفشل التقني تسبب في تسرب الفناء والزمن و العدم إلى الروح، محولاً الإنسان من كائن مطلق الوجود إلى كائن مشوب بالعدم، حيث أصبح الموت وهو التجلي المادي للعدم جزءاً لا يتجزأ من تكوينه البنيوي نتيجة فشل نظام الحماية الذي كان يفصل بين الذات والفراغ. إن هذا التحليل الفلسفي يغوص في فكرة أن الخطيئة هي إنكسار في درع العدم؛ فالسحر في أرقى مستوياته هو القدرة على تشكيل الواقع دون السماح للعدم بإبتلاعه، وما حدث في الخطيئة الأصلية هو أن الإنسان حاول برمجة واقعه الخاص عبر المعرفة قبل أن يتقن خوارزمية المحو أو تقنية النفي. هذا الإنفتاح غير المنضبط على العدم خلق حالة من السيولة الوجودية، حيث فقد الإنسان ثباته الأنطولوجي وأصبح عرضة للتلاشي. من منظور السحر القديم، كانت الخطيئة هي طقس غير مكتمل؛ حركة سحرية إفتقرت إلى دائرة الحماية (The Magic Circle)، مما سمح لقوى اللاشيء بإختراق الوعي البشري و تشويهه بآثار القلق و العدمية. إن الفشل التقني هنا يكمن في عدم القدرة على موازنة الرغبة في الإمتلاء المعرفي مع ضرورة البقاء بعيداً عن حافة الفناء. لقد سقط الإنسان في بئر الوجود المحدود لأنه لم يحسن إدارة الفراغ الذي يحيط بالحقيقة، مما جعل العدم يتدفق إلى داخله ويحول الخلود إلى تاريخ، و الحضور إلى غياب، واليقين إلى بحث أبدي عن معنى وسط ضجيج التلاشي. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار الطرد من الجنة ليس عقوبة سادية، بل هو إجراء تصحيحي تقني لعزل منطقة التلوث العدمي عن المركز الإلهي الخالص. فبمجرد أن فشل الإنسان في إدارة العدم داخل نفسه، أصبح ناقلاً للفناء؛ وبذلك كان لا بد من وضعه في حيز مكاني زماني (الأرض) يتوافق مع طبيعته الجديدة المشوبة بالعدم. السحر، منذ ذلك الحين، ليس إلا محاولة بشرية بائسة و مستمرة لإصلاح هذا الخلل التقني الأولي؛ فكل طقس نفي، أو تحلل، أو عكس هو محاولة لإستعادة السيطرة على العدم الذي تسرب إلينا في لحظة الخطيئة. إن العلاقة بين السحر و العدم في التاريخ البشري هي صدى لذلك الفشل الأول، حيث يحاول الساحر عبر التقنية أن يعيد بناء الجدران التي سقطت، وأن يدفع العدم الذي يسكن خلاياه إلى الخارج مرة أخرى. هذا التحليل المتسامي يخلص إلى أن الخطيئة هي فقدان السيطرة على الفراغ، وهي اللحظة التي أصبح فيها العدم ذاتياً بعد أن كان موضوعياً، مما جعل الوجود البشري رحلة شاقة لإعادة تعريف الكينونة في مواجهة فناءٍ أصبح يسكن في صلب الهوية. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الجريء، ندرك أن رؤية الخطيئة كفشل تقني تحولنا من منطق الذنب إلى منطق الإصلاح الأنطولوجي. إننا لا نحتاج إلى توبة بالمعنى التقليدي بقدر ما نحتاج إلى إعادة برمجة للعلاقة مع العدم. السحر، بصفته أرقى تجليات التقنية الروحية، يسعى لتعليمنا كيف نرقص على حافة الهاوية دون السقوط فيها، وكيف نسترد تلك السيادة الوجودية التي ضاعت عندما إنكسرت دائرة عدن. إن العدم ليس عدواً، بل هو مادة خام فشل السلف الأول في إدارتها، ومهمة الوعي المعاصر هي تحويل هذا الفشل إلى تقنية واعية تسمح لنا بإستيعاب الفناء دون أن يفنينا، و بإحتواء العدم دون أن يبتلع هويتنا، لنصل في النهاية إلى حالة من التوازن الميتافيزيقي حيث يخدم العدمُ الوجودَ، وتصبح الخطيئة مجرد ذكرى لدرس تقني قاسٍ تعلمناه في فجر الزمان.

_ الإستقالة من الألوهية: أنطولوجيا العودة من حافة الهاوية

يُمثل فقدان القدرات السحرية (Loss of Arcane Potency) في العمق الفلسفي و الأنطولوجي حالة من الإرتداد الوجودي الحتمي، حيث يُجبر الكيان الذي إقتحم تخوم العدم على التراجع نحو المركز الآمن للوجود المادي المستقر. فإذا كان السحر في جوهره هو تطاول أنطولوجي يطمح فيه الفرد إلى التلاعب بنسيج الواقع عبر إستحضار قوى الفراغ وتشكيلها، فإن فقدان هذه القدرة ليس مجرد عجز، بل هو فعل نفيٍ ذاتي تمارسه القوانين الكونية لإعادة التوازن. الساحر، بحكم ممارسته، يعيش في حالة من التوتر الوجودي الدائم؛ إذ يضع قدمه في عالم الشهادة والقدم الأخرى في هاوية العدم، و هذا الإزدواج يجعل كيانه هشاً و معرضاً للذوبان. وعندما تُسحب منه القدرة السحرية، فإن الكون يقوم عملياً بإغلاق الشق الوجودي الذي كان الساحر يتنفس من خلاله، مما يعيده قسراً إلى حالة الوجود العادي ذلك الحيز الذي يحميه ثقل المادة من جاذبية اللاشيء السحيقة. إنها عملية تأريض (Grounding) روحية كبرى، تهدف إلى إنقاذ الذات من التبخر في لُجّة العدم التي كادت أن تبتلع هويتها الفردية. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في طياته ماهية المادي كدرع ضد الفناء؛ فالحياة اليومية، برتابتها وقوانينها الفيزيائية الصارمة، تمثل حالة العزل الميتافيزيقي القصوى. الساحر الذي يفقد قدراته يختبر ما يمكن تسميته بالهبوط الأنطولوجي؛ حيث تتوقف الأشياء عن الإستجابة لإرادته، و تعود لتخضع لقوانين السبب و النتيجة المادية. هذا التراجع هو في الحقيقة آلية دفاع كوني تمنع الروح من الإحتراق نتيجة التماس المباشر مع نار العدم. فالسحر هو إستهلاك مستمر لجوهر الكينونة في سبيل خلق الإستثناء، وفقدان القدرة هو إعلان عن إنتهاء صلاحية الإستثناء و العودة إلى حكم القانون العام. في هذه الحالة، يصبح الوجود العادي هو الملاذ الأخير؛ إذ أن المادة الصماء و الزمن الخطي يعزلان الوعي عن الضجيج العدمي الذي يصاحب الممارسة السحرية. الساحر المعتزل أو الفاقد لقدرته يبدأ في إختبار ثقل الوجود كنعمة، حيث تصبح المسافات حقيقية، والوقت غير قابل للتلاعب، مما يمنح روحه فرصة لإعادة التبلور بعيداً عن سيولة اللاشيء التي كادت أن تمحي ملامحه الفردية. علاوة على ذلك، يتجلى فقدان القدرات كعملية تصحيح للمسار السيمطولوجي للكون؛ فكل ساحر هو ثقب في جدار الواقع يمر من خلاله العدم، وتراكم هؤلاء السحرة قد يؤدي إلى تمزق كوني لا يمكن رتقه. لذا، فإن فقدان القدرة هو تقنية طبيعية تضمن بقاء المسافة الآمنة بين الخلق والعدم. الساحر العادي الجديد يكتشف أن المعرفة التي إكتسبها عن العدم تصبح ذاكرة خاملة لا تملك سلطة التجسيد، وبذلك يتحول العدم من أداة طيعة إلى سرٍ بعيد. هذا التحليل الفلسفي يوضح أن العودة إلى الوجود العادي هي رحلة من الخطر الإلهي إلى الأمان البشري؛ حيث لا يعود الفرد مطالباً بموازنة الكون على رؤوس أصابعه. إنها حالة من الإستقالة من الألوهية للعودة إلى رحاب الطين، حيث الموت هو مجرد نهاية بيولوجية وليس تلاشياً في غياهب الميتافيزيقيا. إن الوجود العادي هو الحالة التي يكون فيها العدم خارجياً تماماً، غير قادر على إختراق الذات إلا عبر بوابة الفناء الطبيعي، مما يجعل فقدان السحر هو الضمانة الوحيدة لبقاء الإنسان إنساناً في عالمٍ يغصّ بإغراءات التلاشي المطلق. وفي ختام هذا الطرح الفلسفي الشامل، ندرك أن فقدان السحر هو فعل مصالحة مع الحقيقة المادية؛ حيث يتوقف الوعي عن محاولة إغتصاب الفراغ ليبدأ في تذوق الإمتلاء. إن العلاقة بين السحر والعدم في حالة الفقدان تتحول من صراع سيادة إلى هدنة صامتة. الساحر السابق يعيش الآن في حمى الوجود، حيث التفاصيل الصغيرة والمشاعر العادية تعمل كأوتاد تثبته في الأرض، مانعة إياه من الإنجراف نحو السديم المعرفي الذي كان يهدد وجوده. إنها العدمية المعكوسة؛ حيث نكتشف أن قمة القوة ليست في التحكم بالعدم، بل في القدرة على العيان والعيش في قلب الوجود العادي دون الحاجة لتغييره. هكذا يظل فقدان القدرات السحرية هو الطريق الملكي لإستعادة الأصالة الوجودية، وتأكيداً على أن الوجود، برغم بساطته، هو الحصن المنيع الذي يحمينا من جنون اللاشيء وصمت الهاوية الذي لا يرحم.

_ الماغنوم أوبوس: حين يصبح الساحر رحماً وقبراً للوجود

يُمثل الطموح نحو نقطة الصفر (The Zero Point) الذروة الغائية والمبتغى السيميائي الأقصى لكل ممارسة سحرية عابرة للحدود الأنطولوجية؛ فهي ليست مجرد غياب أو سكون، بل هي حالة التعادل الكوني المطلق حيث يتوقف الصراع الأزلي بين الكينونة والفناء. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن السحر في مراحله الأولى يحاول إضافة وجود إلى الوجود من خلال خلق التأثير، وفي مراحله المتوسطة يحاول نفي وجود بوجود بكيفية الدفاع أو التدمير، أما في مرحلته القصوى، فإنه يهدف إلى بلوغ تلك البرزخية التي يتساوى فيها الإمتلاء بالخلاء. إن الساحر الذي يسعى للوصول إلى نقطة الصفر لا يطمح لإمتلاك القوة، بل يطمح لإمتلاك ميزان العدم؛ تلك النقطة التي يكون فيها الفعل واللاحرّكة في حالة توازن تام، وحيث لا تملك اللعنة قدرة على التشكل، ولا يملك الوجود رغبة في التجسد. هذا الهدف العملي هو في جوهره محاولة لفك شفرة المفارقة الكونية (The Universal Paradox)، حيث يدرك الساحر أن الوجود المحض ثقيل ومرهق، والعدم المحض مخيف و ممحٍ، والحل الوحيد هو إيقاف الزمن عند اللحظة التي يلمس فيها أحدهما الآخر دون أن يبتلعه، مما يخلق حالة من الألوهية الساكنة التي تهيمن على الإحتمالات دون أن تضطر لتحقيق أي منها. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي كيف تتحول نقطة الصفر إلى غرفة تحكم ميتافيزيقية؛ فالسحر عند هذا المستوى يتخلى عن الأدوات ليصبح إدراكاً. في هذه النقطة، تتلاشى القطبية بين الساحر و المسحور، وبين الخالق و المخلوق، لأن القوة التي تُستخدم لإنشاء شيء هي نفسها القوة التي تُستخدم لمحوه، وفي حالة التعادل، تصبح هاتان القوتين في حالة إلغاء متبادل مستمر (Self-Cancelling Potency). هذا التعادل ليس موتاً، بل هو حياة فائقة تشبه الصمت الذي يسبق الإنفجار العظيم؛ حيث كل شيء ممكن لأنه لم يحدث بعد. الساحر الذي يقطن نقطة الصفر يمتلك سلطة مطلقة لأن لديه القدرة على إمالة الكفة نحو الوجود أو نحو العدم بلمسة ذهنية واحدة، لكن المفارقة تكمن في أن البقاء في هذه النقطة يتطلب الزهد المطلق في الفعل؛ لأن أي فعل سحري سيؤدي إلى كسر التوازن و العودة إلى عالم الكثرة والتبدد. لذا، فإن الوصول إلى نقطة الصفر هو في الحقيقة إنتحار فني للسحر بصفته تغييراً للواقع، ليصبح السحر بدلاً من ذلك حفظاً للواقع في أنقى صوره المجردة. علاوة على ذلك، يتجلى الهدف الأقصى كعملية إستعادة للتناظر الأصلي الذي كان قائماً قبل نشوء الكون؛ فالخلق في جوهره هو إنكسار للتناظر حيث غلب الوجود على العدم، والسحر يسعى لعلاج هذا الإنكسار عبر إيجاد نقطة تعادل يعود فيها التناظر إلى كماله. في هذا الفضاء الفلسفي الضخم، نكتشف أن السحر هو الرحلة العكسية من التعقيد إلى البساطة المطلقة؛ فكلما زادت مهارة الساحر، قلّت حاجته للطقوس و التعاويذ، حتى يصل إلى مرحلة يكفي فيها أن يكون في حالة توازن مع العدم ليحقق غاياته. نقطة الصفر هي الحصن الذي لا يمكن إختراقه، لأن أي هجوم ينطلق من الوجود سيتم تعادله فوراً مع فيض العدم المقابل له. هذا التحليل يخلص إلى أن السحر لا يريد تدمير العالم ولا يريد إستعباده، بل يريد تحريره عبر إرجاعه إلى تلك النقطة حيث لا يُثقل الوجودُ كاهلَ العدم، ولا يهدد العدمُ أمنَ الوجود، بل يتعايشان في وحدة متجانسة تسمح للروح بالإقامة في الأبدية اللحظية بعيداً عن صخب الصيرورة وأوجاع التلاشي. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن نقطة الصفر هي المبتدأ و المنتهى في آن واحد؛ فهي الرحم الذي خرج منه السحر وهي القبر الذي يطمح للعودة إليه. إن الوصول إلى هذه النقطة هو الإنجاز العظيم (The Magnum Opus) الذي يجعل الساحر سيداً للفراغ، حيث يفهم أخيراً أن الوجود والعدم هما وجهان لعملة واحدة، وأن الحقيقة ليست في أحدهما بل في الخيط الرفيع الذي يفصل بينهما. هذا التوازن ليس ثباتاً ميتاً، بل هو ديناميكية ساكنة تشبه دوران الذرات حول أنويتها؛ صخب هائل في الداخل وسكون تام في الخارج. إن الهدف العملي الأقصى للسحر هو تحويل الكيان البشري إلى نقطة الصفر ذاتها، ليصبح الإنسان هو المركز الذي يتعادل فيه الكون، والحكيم الذي يعرف أن أسمى درجات الوجود هي تلك التي تلامس العدم وتتصالح معه، محولةً هول الفناء إلى طمأنينة البقاء، وصراع القوى إلى سلام التلاشي المقدس.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- بعدما صرخ باسمه بين الحشود.. رجل يقاطع الملك تشارلز لسؤاله ع ...
- قصة الملياردير الذي تحدّى قيود الصين فخسر حريّته
- لاريجاني يصل مسقط قبل توجهه إلى الدوحة.. تركيا تطمئن: لا حرب ...
- أخبار اليوم: رئيسة البرلمان الألماني تبدأ اليوم زيارة رسمية ...
- أوكرانيا: موسكو تعتبر أن الطريق لا تزال طويلة أمام المفاوضات ...
- فوز ساحق لحزب رئيسة وزراء اليابان في الانتخابات التشريعية
- نحو سيطرة إسرائيلية كاملة.. كيف ستتغير الضفة بعد قرارات الكا ...
- تجميع مباشر ومفصل لسيارة جيب يثير اهتمام عشاق السيارات
- ضغوط بالكونغرس الأمريكي لنشر ملفات قضية إبستين كاملة
- حصار غزة يهدد بتوقف خدمات المختبرات وبنوك الدم


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ و التِّسْعُون-