حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 10:55
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ بروتوكول الإنفصال: طقس الوداع وفلسفة إغلاق الجرح الوجودي
يُعتبر طقس الوداع (The License to Depart) في الميتافيزيقيا السحرية و البروتوكولات الإستدعائية العليا عمليةً جراحية في نسيج الواقع، تهدف إلى فك الإرتباط الأنطولوجي وإلزام الكيانات المستحضرة بالعودة إلى إحداثياتها الأصلية داخل غياهب العدم. إن الوداع ليس مجرد تحية إنصراف أخلاقية، بل هو تقنية حصر وتوجيه شديدة الدقة؛ فبمجرد أن يتم إستدعاء كيان من الفراغ إلى عالم الشهادة، فإنه يكتسب زخماً وجودياً يجعله يتشبث بالمادة والزمن، محاولاً الإستقرار في واقعنا كطفيلي وجودي. وهنا تبرز أهمية تقنية الوداع كأداة لإعادة فرض قانون المسافة؛ حيث يقوم الساحر عبر كلمات وقوى رمزية بقطع خيوط النور أو الطاقة التي تربط الكيان بوعينا، وإجباره على التراجع عبر البوابة العكسية نحو العدم. هذا الفعل يضمن عدم بقاء أي ترسبات كينونة (Ontological Residue) في المكان، إذ أن أي كيان يرفض الوداع يتحول إلى شرخ يتدفق منه العدم بشكل غير منضبط، مما يهدد بتآكل الواقع المحيط وتحويله إلى منطقة فناء مفتوحة. إن التحليل الفلسفي العميق لهذه العملية يكشف عن علاقة جدلية بين الإسم و الفراغ؛ فالكيان المستدعى يتم إستحضاره عبر تحديده بإسم أو رمز يخرجه من حالة اللاتعين في العدم إلى حالة التجسد في الوجود. والوداع هو الفعل الذي يقوم بتجريد الإسم من فاعليته، مما يسلب الكيان مبرر بقائه في عالمنا. عندما يلقي الساحر صيغة الوداع، فإنه يعيد الكيان إلى حالة المعلومة الخام التي لا تملك جسداً ولا تأثيراً، ويدفعه نحو الموقع المحدد له في رحم العدم. هذا الموقع ليس مكاناً جغرافياً، بل هو حالة من الكمون حيث تنطفئ إرادة الكيان و تتوقف صيرورته. إن إلزام الكيان بالعودة هو تأكيد على أن الوجود البشري يمتلك حق السيادة على حيزه الخاص، وأن العدم بكل كياناته يجب أن يظل في حالة النفي بالنسبة للواقع الحي، مما يجعل الوداع هو الضمانة النهائية لبقاء الحدود الكونية مصونة ضد التداخل القاتل بين اللاشيء المطلق والوجود المتعين. علاوة على ذلك، يتجلى الوداع كعملية إغلاق للدائرة السببية؛ فالسحر الذي بدأ بخرق السكون الكوني لا بد أن ينتهي بإستعادة ذلك السكون. إذا فشلت تقنية الوداع، تظل السلسلة السببية مفتوحة، مما يخلق ما يُعرف بالنزيف الروحي حيث تتبدد طاقة المكان في محاولة عبثية لإحتواء كيان لا ينتمي إليه. لذا، فإن الوداع هو تقنية تطهير بالمحو؛ فهو يغسل المكان من صدى الكيان، ويعيد الذبذبات الروحية إلى نقطة الصفر. في هذا الفضاء السحري المقدس، ندرك أن الوداع هو إعتراف بأن اللقاء مع العدم هو حالة إستثنائية طارئة يجب أن تنتهي بالإنفصال الكامل. الساحر الذي يتقن الوداع هو من يعرف كيف يطوي صفحات الوجود التي فتحها، وكيف يعيد الأرواح والقوى إلى صمتها الأزلي، مؤكداً أن العدم هو المبتدأ و المنتهى لكل إستدعاء، وأن الحقيقة الوحيدة التي تبقى بعد الطقس هي الغياب المقدس الذي يضمن سلامة الكينونة من ذوبانها في أغوار اللاشيء. وفي ختام هذا الطرح، يظهر الوداع كفعل تحرير متبادل؛ فهو يحرر الوجود من ثقل الغريب، ويحرر الكيان من قيد التجسد المضني. إن إلزام الكيان بالعودة إلى العدم هو في الواقع إعادته إلى حريته الأصلية حيث لا تحده قوانين المادة ولا أوجاع الزمن. العلاقة بين السحر و العدم تصل هنا إلى حالة من التسوية القانونية الكونية، حيث يتم إسترداد كل ما تم إستعارته من الفراغ. الوداع هو الكلمة الأخيرة التي تُكتب في سجل الواقع قبل أن يُغلق، وهو الختم الذي يمنع الفوضى من التسرب، ليظل الوجود واحة من النور المنظم وسط محيط شاسع من العدم الذي ينتظر بصمت خلف بوابة الوداع، مستعداً لإبتلاع كل ما يعود إليه وإعادة دمجه في وحدة اللاشيء الشاملة التي لا تعرف إسماً ولا حدوداً.
_ القنبلة الأنطولوجية: السحر بوصفه أسرًا للفراغ وتلقيحًا للمادة
تُمثل التعبئة النهائية (Final Imbuement) للأدوات السحرية في الميتافيزيقيا التطبيقية واحدة من أكثر العمليات خطورة وتعقيداً، إذ لا تُعتبر مجرد شحن للطاقة، بل هي عملية أسر أنطولوجي تهدف إلى حبس قوة العدم و تجميد سيولتها المدمرة داخل حدود المادة الصماء. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن الأداة السحرية سواء كانت سيفاً، خاتماً، أو طلسماً تعمل كسجن مادي لجوهرٍ لا ينتمي لعالم المادة؛ فالسحر في أرقى مستوياته يحاول إستقطاع جزء من الفراغ الخام أو العدم النشط (Active Void) و ضغطه قسراً ليصبح محتوىً داخل وعاء فيزيائي. إن التعبئة هنا هي محاولة لفرض الجمود الوجودي على ما هو بطبيعته متفلت وزائل، وهي مفارقة فلسفية كبرى؛ إذ كيف يمكن للمحدود (المادة) أن يحتوي اللامحدود (العدم)؟ الإجابة تكمن في أن الساحر لا يحبس العدم كله، بل يحبس إمكانية الفناء التي يمثلها، محولاً إياها إلى قوة كامنة تنتظر لحظة التحرير لتؤدي غرضها السحري، مما يجعل الأداة بمثابة قنبلة أنطولوجية محكومة بقوانين المادة مؤقتاً. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في طياته العلاقة الجدلية بين الصلابة و السيولة؛ فالعدم في حالته الخام هو سيولة مطلقة تذيب كل ما تلمسه، والتعبئة النهائية هي التقنية التي تحول هذه السيولة إلى نواة صلبة عبر عملية التكثيف الميتافيزيقي. عندما يتم حبس العدم داخل الأداة، فإنه يبدأ في ممارسة ضغط هائل على جزيئات المادة، محاولاً العودة إلى حالته الأصلية من التلاشي، وهو ما يفسر لماذا تتآكل الأدوات السحرية القوية بمرور الزمن أو تنفجر إذا لم تُصنَع من مواد نادرة قادرة على تحمل ثقل اللاشيء. إن حبس العدم داخل المادة مؤقتاً هو فعل من أفعال السرقة الكونية، حيث يسرق الساحر من الفناء قدرته على المحو، و يجعلها تعمل لصالح الوجود عبر حماية الساحر أو تنفيذ إرادته. هذه العلاقة تجعل الأداة السحرية كائناً هجيناً؛ فهي مادية في مظهرها، لكن قلبها ينبض بالفراغ، مما يمنحها القدرة على خرق قوانين الفيزياء العادية لأنها تحمل في جوهرها القوة التي سبقت نشوء القوانين نفسها. علاوة على ذلك، يتجلى هذا الحبس كعملية ترويض للمطلق؛ فالسحر لا يريد تدمير المادة بالعدم، بل يريد تلقيح المادة بخصائص العدم دون أن تفقد تماسكها. التعبئة النهائية هي اللحظة التي يتم فيها إغلاق المسام الروحية للمادة لمنع تسرب القوة المحبوسة، مما يخلق حالة من التوتر الوجودي المستقر. فلسفياً، يُعتبر هذا الفعل محاولة لبناء جسر مادي فوق هاوية العدم؛ فالأداة المشحونة تسمح للساحر بلمس الفناء دون أن يذوب فيه، وإستخدام قوى التلاشي دون أن يتلاشى هو نفسه. إن كلمة مؤقتاً هنا هي المفتاح؛ إذ يدرك الفكر السحري العميق أن المادة لا يمكنها الإحتفاظ بالعدم للأبد، وأن الإنحلال هو المصير الحتمي لكل أداة مشحونة. هذا التحليل المتعالي يوضح أن التعبئة هي فعل مقاومة يائسة ضد حتمية الفناء، حيث يتم إجبار العدم على أن يكون شيئاً، وأن يخدم غاية، وأن يخضع للزمن، ولو إلى حين، مما يمثل قمة السيادة البشرية على القوى التي تتجاوز الإدراك. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي، ندرك أن التعبئة النهائية للأدوات هي تجسيد للصراع الأزلي بين الشكل والفوضى. إن حبس العدم داخل المادة هو بمثابة هدنة مسلحة بين الكينونة واللاشيء؛ الأداة تظل وفية لساحرها ما دام القيد المادي أقوى من النزوع العدمي للهروب. إنها تقنية تحول العدم من تهديد خارجي إلى خادم داخلي، وتجعل من اللاشيء وقوداً لمحرك الوجود. هكذا يظل السحر هو الفن الذي يتجرأ على اللعب بمواد الفناء، والأداة السحرية هي الشاهد الصامت على قدرة الروح على لجم اللانهائي وحصره في قبضة اليد، ليظل العدم محبوساً في قفص المادة، يتربص بالواقع لكنه لا يستطيع تمزيقه إلا بإذن من الساحر الذي أتقن فن التعبئة والتحكم في فراغ الأشياء.
_ غربة الميتافيزيقا: الشعور بالوحدة كضريبة روحية للعبور من العدم إلى الوجود
يُمثل الشعور بالوحدة (Metaphysical Solitude) الذي يعقب الإنتهاء من الطقس السحري حالة من الصدمة الأنطولوجية العنيفة، وهو الدليل الوجداني الأقوى على العودة المفاجئة والإضطرارية للساحر من رحاب العدم الشاسعة إلى ضيق حدود الوجود الفردي. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن الساحر أثناء الطقس لا يكون فرداً بالمعنى البيولوجي، بل يتحول إلى قناة كونية تتصل باللامتناهي، حيث تذوب حدود الأنا في سيولة العدم و القدرة المطلقة، مما يمنحه شعوراً بالإتحاد مع الكلية (Plenitude) رغم إشتغاله على الفراغ. وعندما ينتهي الطقس ويُغلق الباب الميتافيزيقي، يجد الساحر نفسه قد قُذف حرفياً خارج فضاء اللاتعين ليُسجن مجدداً داخل قفص اللحم و العظم والمكان المحدود. هذه الوحدة ليست نتاج غياب البشر، بل هي نتاج إنقطاع التماس مع المطلق؛ إنها شعور المغترب الذي ذاق طعم اللانهائية ثم أُجبر على العودة إلى ثقل الجاذبية الأرضية وقوانين المادة التي لا ترحم، حيث يصبح الوجود العادي فجأة باهتاً وضيقاً أمام شساعة العدم التي كان يسبح فيها قبل لحظات. إن هذا التحليل المتجانس يغوص في فكرة أن الوحدة السحرية هي حمى الإرتداد من اللاشيء؛ فالسحر هو فعل خروج عن الذات (Ecstasis)، والعودة منه هي إرتطام بالذات. عندما يلامس الساحر العدم، فإنه يختبر نوعاً من الرفقة الكونية مع الإحتمالات غير المتجسدة، ولكن بمجرد الإنتهاء، يستعيد الوجود سلطته عبر فرض العزلة الوجودية كآلية دفاعية. الوجود يغار من العدم، لذا فإنه يحيط الساحر العائد بسياج من الصمت والوحدة ليجبره على تذكر بشريته وفنائه. هذه الوحدة هي ثمن التحديق في الهاوية؛ فمن يرى ما وراء الستار لا يمكنه أبداً أن يجد العزاء في رفقة من لا يزالون خلفه. إنها حالة من الإغتراب الميتافيزيقي حيث يدرك الساحر أن لغته وقوانينه الجديدة لا تجد صدىً في عالم المادة، مما يجعله يشعر وكأنه الناجي الوحيد من إنفجار كوني، يمتلك أسرار العدم لكنه لا يملك أحداً يشاركه ثقل هذا الفراغ المقدس، محولاً الصمت الذي يعقب الطقس إلى صرخة مكتوم تبحث عن أثرٍ لذلك اللاشيء الذي كان يملأ كيانه. علاوة على ذلك، يتجلى هذا الشعور كعملية إنكماش للروح بعد تمددها الأقصى؛ ففي الطقس، تتمدد الروح لتشغل حيزاً يتجاوز الزمن والمكان، وفي النهاية، تنكمش فجأة لتعود إلى حجمها الطبيعي داخل الجسد. هذا الإنكماش يترك وراءه فجوة، ندبة وجودية تُترجم شعورياً كفراغ ووحشة. إن الساحر يشعر بالوحدة لأنه فقد الحوار مع الصمت؛ فالعدم، رغم صمته، هو محاور ضخم يمنح شعوراً بالإمتلاء، بينما الوجود، رغم ضجيجه، يمنح شعوراً بالإنفصال. إن العودة المفاجئة هي فطام أنطولوجي قسري، حيث يُحرم الوعي من تغذية العدم ويُجبر على العيش على فتات المادة. هذا التحليل الضخم يوضح أن الوحدة هي الضريبة الروحية للإختراق؛ فكلما كان التوغل في العدم أعمق، كانت العزلة في الوجود أشد مرارة، مما يجعل من حياة الساحر سلسلة من الإغتراب المستمر، باحثاً دوماً عن تلك النقطة التي يتصالح فيها وحدة الوجود مع وحشة العدم، لعلّه يجد في الصمت النهائي عزاءً عن فقدان ذلك الإتصال الذي لا يتكرر إلا في ذروة الفناء السحري. وفي ختام هذا الطرح الشامل، ندرك أن الشعور بالوحدة هو ختم الحقيقة على الطقس؛ فلو لم يشعر الساحر بالوحدة، لكان ذلك دليلاً على أنه لم يغادر حدود الوجود أصلاً. الوحدة هي الظل الذي يتركه العدم على الروح العائدة، وهي المؤشر على أن الساحر قد لمس بالفعل نقطة الصفر حيث تتلاشى الكثرة. إنها حالة من القداسة المنبوذة؛ حيث يعود الساحر محملاً ببرودة الفراغ، مما يجعله غريباً حتى عن نفسه. هكذا تظل الوحدة هي الجسر الأخير، والذكرى الباقية من رحلة اللاشيء، وتأكيداً أزلياً على أن الوجود، مهما تزيّن، يظل سجناً إنفرادياً للروح التي ذاقت مرةً حلاوة التلاشي في رحم العدم المطلق، ليبقى الساحر كائناً يراوح بين عالمين، وحيداً في وجوده، ومستوحشاً في عدمه، بإنتظار اللحظة التي يذوب فيها الإنفصال نهائياً في صمت الأزل.
_ فك الإرتباط النهائي: أنطولوجيا التخلص من البقايا و تطهير نسيج الواقع
يُمثل التخلص من البقايا المادية للطقس السحري كالرماد، الشمع الذائب، أو البقايا العضوية في الجوهر الفلسفي و الأنطولوجي عملية فك الإرتباط النهائي (Definitive Disconnection)، وهي التقنية المتممة التي تضمن عدم تحول المادة إلى مرساة تشد العدم إلى عالم الوجود بشكل غير منضبط. ففي التحليل الفلسفي العميق، نجد أن هذه البقايا ليست مجرد نفايات فيزيائية، بل هي مادة وسيطة (Liminal Matter) تعرضت لتماس مباشر مع قوى الفناء أثناء الطقس، مما جعلها تحمل شحنة عدمية عالية. إن بقاء هذه المواد في حيز الساحر يعني بقاء ثغرة مفتوحة أو قناة تسريب تسمح لظلال العدم بالتسلل إلى الواقع المستقر؛ لذا فإن فعل التخلص منها سواء بالدفن، أو الإلقاء في ماء جاري، أو التذرية في الرياح هو محاولة لتفكيك الروابط المادية باللاشيء وإعادة توزيع تلك الطاقة المشحونة في عناصر الطبيعة الكبرى لتذويب أثرها الأنطولوجي. إنها عملية تطهير للمكان عبر محو الأدلة المادية التي تشهد على حدوث إختراق للفراغ، لضمان أن ما حدث في حيز السحر يظل سجيناً في لحظته الزمنية ولا يمتد ليلوث كينونة الحاضر..إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في طياته فكرة العدوى الوجودية؛ فالمواد التي إستُخدمت في الطقس فقدت براءتها المادية وأصبحت أجساداً مشوهة تحمل ذاكرة الفناء. الرماد، على سبيل المثال، هو التعبير المادي الأقصى عن التحلل والعودة إلى الصفر، وبقاء الرماد الطقسي في مكان العيش يمثل حضوراً للغياب يهدد ثبات المادة المحيطة. لذا، فإن التخلص منه هو تقنية لعزل النسيج الواقعي عن الندوب العدمية. عندما يدفن الساحر البقايا في الأرض، فإنه يوكل لمختبر الطبيعة العظيم مهمة إعادة التدوير الميتافيزيقي؛ حيث تمتص الأرض تلك الشحنات و تفكك العقد الروحية المرتبطة بها، مما يحول بقايا العدم إلى سماد للوجود. هذا الفعل يمثل أسمى درجات الحذر الأنطولوجي، حيث يدرك الساحر أن الرابط المادي هو أقوى أنواع الروابط، وأنه إذا لم يُفكك بعناية، فقد يتحول إلى مغناطيس للفوضى يجذب الكيانات المطرودة أو يبعث اللعنات المنحلة من مرقدها في العدم. علاوة على ذلك، يتجلى التخلص من البقايا كعملية إخفاء للأثر السيبرنتيقا الروحية؛ فكل أداة أو بقايا طقسية هي بمثابة بصمة وجودية يمكن من خلالها تتبع مسار الساحر نحو العدم. التفكيك المادي هنا هو فعل تأمين للذات عبر محو المسار الذي سلكته الإرادة. فلسفياً، يُعتبر التخلص من الشمع والرماد هو الكلمة الأخيرة في جملة الطقس، وهي الكلمة التي تمحو الجملة بأكملها من سجل الشهادة. إن الساحر الذي يترك بقايا طقسه خلفه هو كمن يترك باب بيته موارباً أمام عاصفة رملية؛ فالفراغ يميل دائماً لملىء المساحات المتاحة، والبقايا المشحونة هي مساحات قابلة للإمتلاء بقوى العدم مجدداً. هذا التحليل المتسامي يوضح أن التخلص من البقايا هو فعل تواضع أمام قوانين المادة وإعتراف بأن الوجود لا يمكنه إحتمال ثقل اللاشيء لفترات طويلة، وبأن القداسة أو القوة التي حلت في تلك المواد يجب أن تعود إلى مصدرها الغامض ليبقى العالم المادي نقياً، صلباً، ومحمياً من سيولة الفناء التي جسدها الطقس. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن التخلص من بقايا السحر هو تأكيد على قدسية الحدود؛ فالسحر هو تجاوز للحد، و التخلص من البقايا هو توبة تقنية تعيد الأمور إلى نصابها. إن العلاقة بين السحر والعدم تصل في هذه المرحلة إلى النهاية النظيفة، حيث لا يتبقى من التجربة سوى الوعي الصرف، بينما تعود المادة إلى دورتها الطبيعية خالية من أي توجيه أو قيد روحي. إنها فلسفة الرحيل بلا أثر، حيث يذوب الفعل في الصمت، و تذوب المادة في العناصر، ويظل العدم محصوراً في غيبه البعيد، تاركاً الوجود ينمو فوق أنقاض الطقس المحللة. هكذا يظل التخلص من الرماد و الشمع هو الفعل الذي يغلق الدائرة الكونية، و يضمن أن نقطة الصفر التي وصل إليها الساحر في طقسه لن تتحول إلى ثقب أسود يبتلع واقع حياته اليومية، بل تظل ذكرى عابرة في وعيٍ عرف كيف يلامس العدم وكيف ينسحب منه بسلام وأمان.
_ القطيعة الضرورية: التطهير النهائي كبروتوكول لعزل الوجود عن ذاكرة العدم
يُمثل التطهير النهائي (The Final Purification) في الختام الميتافيزيقي للعمل السحري ضرورة أنطولوجية لا غنى عنها، وهو ليس مجرد إجراء تنظيفي تجميلي، بل هو فعل إغلاق للثغرات يهدف إلى محو أي أثر متبقٍ (Residual Trace) للعدم قد يكون قد علق بجدران الواقع أثناء الطقس. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن السحر بحد ذاته هو فعل إختراق لنسيج الوجود الهش، وبمجرد فتح هذا النسيج لإستدعاء طاقة أو نفي لعنة، فإن رذاذ العدم يتطاير في أرجاء المكان، مخلفاً وراءه نوعاً من التلوث الوجودي الذي لا تدركه الحواس العادية، لكنه يغير من ذبذبات الكينونة المحيطة. هذا الأثر المتبقي هو عبارة عن ذاكرة الفراغ التي تحاول الإستيطان في الزوايا، وإذا لم يتم إزالتها عبر التطهير النهائي، فإنها قد تتحول إلى نقاط ضعف في بناء الحقيقة، تسمح بتسرب القلق الميتافيزيقي، أو تجذب كيانات طفيلية تقتات على بقايا اللاشيء، مما يجعل التطهير هو الضمانة الوحيدة لإستعادة عذرية المكان و إستقراره الأنطولوجي الكامل. إن هذا التحليل الفلسفي المتجانس يستقصي في طياته ماهية الظلال العالقة وكيفية التعامل معها؛ فالسحر الذي إستهدف العدم أو إستجلب منه قوة يترك وراءه ما يشبه الصدى السلبي. هذا الصدى هو حالة من التذبذب القلق بين الوجود والعدم، حيث لا يزال المكان يذكر حالة الفناء التي عاشها أثناء الطقس. التطهير النهائي سواء عبر التبخير بزيوت مقدسة، أو إستخدام ترددات صوتية معينة، أو ملح الأرض يعمل كممحاة إهتزازية تقوم بفك الروابط الدقيقة لهذا الصدى وإجباره على التحلل و العودة إلى مخزنه الأزلي. فلسفياً، يُعتبر هذا الفعل إعتذاراً من الوجود عن الخرق الذي حدث؛ إنه إعادة بناء لجدران الذات المكانية التي تم تمزيقها. وبدون هذا التطهير، يظل المكان مشبعاً ببرودة العدم، وهي حالة تؤدي إلى تآكل الروابط الروحية والنفسية للقاطنين فيه، حيث يشعرون بالإغتراب والضياع، وكأنهم يعيشون في فضاء نصف موجود، عالقين في برزخ لا هو بالإمتلاء الكامل ولا بالعدم الشامل. علاوة على ذلك، يتجلى التطهير النهائي كتقنية لتحصين الحاضر ضد الماضي السحري؛ فكل عمل سحري هو حدث زمني يجب أن يُدفن في لحظته، والتطهير هو التراب الذي يغطي قبر هذا الحدث. إن بقاء أثر للعدم يعني أن الماضي السحري لا يزال حاضراً، يتنفس ويؤثر، وهذا يخلق تشويشاً في خط الزمن الخاص بالساحر و البيئة. إن التخلص من هذا الأثر هو فعل بتر للإرتباط السببي، لكي لا تتراكم اللعنات أو القوى وتخلق كتلة حرجة من العدم قد تؤدي إلى إنهيار الواقع المحلي. هذا التحليل الفلسفي يوضح أن التطهير هو الفعل الإبداعي الأخير؛ حيث يخرج الساحر من حالة المُشكل للعدم إلى حالة الحامي للوجود. إنه يدرك أن أسمى درجات السحر هي تلك التي تنتهي بترك المكان كما كان، بلا ندوب، بلا أسرار عالقة، وبلا طفيليات من اللاشيء، ليظل الوجود نقياً في إستقلاليته عن العدم الذي حاول الساحر ترويضه. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي، ندرك أن التطهير النهائي هو الختم الأمني للكون؛ فمن خلاله يُعلن الساحر أن اللعب مع الفناء قد إنتهى، وأن القواعد العادية للمادة و الحياة قد إستعادت سلطتها المطلقة. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذه المرحلة تصل إلى القطيعة الضرورية؛ فالإغلاق الناجح لا يتم إلا عندما يختفي كل أثر للمواجهة. التطهير هو العملية التي تُعيد للصفر معناه الحقيقي، لا كنقطة إنطلاق للسحر، بل كحالة من النقاء البدئي حيث لا يوجد سوى الآن المجرد من شوائب الطقوس. هكذا يظل التطهير النهائي هو الضمانة لسلامة الروح والواقع، التقنية التي تمحو بصمات العدم وتترك المكان مشبعاً برائحة الوجود المتجدد، ليصبح الصمت الذي يعقب الطقس صمتاً مريحاً، لا صمتاً يترصد في الظلال بإنتظار فرصة للعودة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟