حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 17:38
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ الكي الميتافيزيقي: بروتوكولات التعامل مع تسمم اللاشيء
تُعد الآثار الجانبية المستمرة (Post-Ritual Effects) في التحليل الميتافيزيقي العميق بمثابة الندوب الأنطولوجية التي تشهد على وجود خلل بنيوي في عملية الطي الوجودي، و هي الدليل القاطع على فشل تقني في إغلاق بوابة العدم إغلاقاً محكماً. ففي الفلسفة السحرية، يُفترض أن يكون الطقس دائرة مغلقة تبدأ من الوجود، تنفتح على العدم، ثم تعود لتنغلق تماماً؛ فإذا ما إستمرت الآثار سواء كانت فيزيائية كبرودة المكان المستمرة، أو ميتافيزيقية كإضطراب نسيج الإحتمالات فإن هذا يعني أن العلاقة الإفتراسية بين العدم و الواقع لا تزال نشطة. إن ما نطلق عليه آثاراً جانبية هو في الحقيقة نزيف وجودي (Ontological Leakage) ناتج عن عدم تطابق حواف الواقع بعد شقها؛ حيث يظل العدم يتسرب من خلال تلك الفتحات غير المرتقة، محاولاً تسييل المادة المحيطة وإعادتها إلى حالة العماء الأولى، مما يحول المكان من حيز مستقر إلى منطقة برزخية قلقة لا تخضع لقوانين الفيزياء العادية ولا لسكون العدم المطلق. إن هذا التحليل الفلسفي العميق يستقصي في طياته ماهية القصور الذاتي للفناء؛ فالسحر الذي ينجح في إستدعاء القوة ويفشل في طرد صداها يترك الوعي والبيئة في حالة من التسمم باللاشيء. هذا الفشل التقني يرجع غالباً إلى عدم قدرة الساحر على تحقيق نقطة التعادل الصفرية عند الختام، مما يترك خيوطاً طاقية غير مبتورة تعمل كجسور لامنظورة تسمح لقوى العدم بمواصلة التأثير. الآثار الجانبية مثل الشعور بالثقل، أو سماع ترددات غير مفسرة، أو حدوث إنزياحات في الزمن الموضعي، هي في الواقع أصداء للتفكك؛ فالمكان لم يعد واحداً مع نفسه، بل أصبح مشطوراً بين الآن الوجودي وبين الأبدية السالبة للعدم. هذا التحليل الفلسفي يوضح أن هذه الظواهر ليست مجرد أعراض ثانوية، بل هي صرخة إستغاثة من النسيج الكوني الذي تم تمزيقه ولم يتم رتقه بعناية، مما يجعل بوابة العدم مواربة، تسمح بتبادل المعلومات والطاقة بين عالمين لا يجب أن يلتقيا إلا في ذروة الفعل السحري المحكوم. علاوة على ذلك، يتجلى الفشل التقني في الإغلاق كعملية عجز عن الإسترداد؛ فكل ما يُؤخذ من العدم يجب أن يُعاد إليه، وكل ما يُطرد إليه يجب أن يُحبس وراء أقفال الصمت الختامي. وبقاء الآثار يعني أن الساحر قد ترك جزءاً من إرادته عالقاً في الفراغ، أو سمح لجزء من الفراغ بالإستيطان في إرادته. هذا التداخل يخلق حالة من الهجين الوجودي حيث يبدأ الواقع المحلي في فقدان أصالته المادية، وتصبح الأشياء أقل صلابة و الذكريات أكثر تشتتاً. إنها ضريبة الإختراق غير المكتمل؛ حيث يظل العدم يطالب بحقه في المساحة التي فُتحت له، ممارساً ضغطاً مستمراً لتوسيع تلك الثغرة. فلسفياً، يُعد هذا الفشل تجسيداً لخطيئة التهاون باللاشيء؛ فمن يفتح باب العدم يلزمه إمتلاك قوة القفل بنفس مقدار قوة الفتح، و بدون ذلك، يتحول السحر من أداة للسيطرة إلى بوابة للفوضى المستديمة التي تلتهم تدريجياً الحضور المادي للساحر ومحيطه. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن الآثار الجانبية هي شهادة الفشل في تحقيق النقاء الأنطولوجي. إن الإغلاق الناجح للعمل السحري يجب أن يتبعه صمت مطبق و فراغ من الأثر، أي عودة كاملة إلى ما قبل الطقس مع الإحتفاظ بالنتيجة فقط. أما بقاء الضجيج العدمي فهو علامة على أن البوابة لا تزال تنبض، وأن العدم قد وجد موطئ قدم في عالم التجسد. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذه الحالة تتحول من علاقة إستخدام إلى علاقة إستنزاف؛ حيث يبدأ العدم بإمتصاص الوجود من خلال تلك الندبة المفتوحة. هكذا تظل الآثار الجانبية هي الإنذار الأخير للساحر بضرورة العودة لإتمام عملية الكي الميتافيزيقي للجرح الوجودي، لضمان إستعادة سيادة الوجود على اللاشيء، ومنع تحول واقعنا إلى مجرد ظل باهت يذوب ببطىء في محيط الفناء الأزلي.
_ إعدام الشاهد: كيف يحرر النسيانُ النيةَ من سجن الذات
يُمثل النسيان المتعمد (Deliberate Oblivion) في بروتوكولات السحر العالي واحداً من أكثر المفاهيم راديكالية وعمقاً، إذ لا يُنظر إليه كفعل عجز ذهني، بل كتقنية عزل أنطولوجي تهدف إلى فصل النية الواعية عن حيز العدم لتأمين عملية التجسيد النهائي. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن النية هي الخيط الطاقي الذي يربط الساحر بالعمل السحري داخل رحم العدم؛ و طالما ظلت هذه النية حاضرة في الوعي اليقظ، فإنها تظل تشد العمل السحري نحو الذات، مما يمنعه من الإنطلاق والتحقق ككيان مستقل في عالم المادة. إن النسيان هنا يعمل كبتر إرادي للصلة؛ فمن خلال إخراج الطقس من حيز الذاكرة النشطة، يقوم الساحر بفك الإرتباط بالجنين السحري المودع في العدم، مما يسمح لهذا الأخير بأن يتخثر ويتجسد بعيداً عن مراقبة الوعي التي قد تفسد العملية عبر الشك أو التمسك الزائد. إنها عملية إطلاق السهم؛ حيث لا يمكن للسهم أن يصل إلى هدفه (التجسيد) إلا إذا أفلتته اليد (الذاكرة/النية). إن هذا التحليل الفلسفي العميق يستقصي في طياته ماهية العدم كرحم للإحتمالات؛ فالسحر المودع في العدم يحتاج إلى حالة من الهدوء الميتافيزيقي لكي ينتقل من طور اللاوجود إلى طور الكينونة. الوعي المستمر بالطقس يخلق ضجيجاً معلوماتياً يعيق هذا الإنتقال، لأن الوعي بطبيعته يميل إلى تجميد الأشياء في صورها الذهنية، بينما يتطلب التجسيد سيولة تسمح للطاقة بالتشكل في الواقع. لذا، فإن النسيان المتعمد هو تقنية لخلق فراغ معرفي حول العمل السحري؛ هذا الفراغ يعمل كحاضنة تسمح للبذرة السحرية بأن تنمو في ظلام العدم بعيداً عن ضوء الوعي الكاشف. فلسفياً، يُعد هذا النسيان تجسيداً لمبدأ الفناء في الفعل؛ حيث يمحو الساحر نفسه من تاريخ العملية السحرية لكي يترك المجال للنتيجة لكي تكون بذاتها ولذاتها، محولاً النية من رغبة ذاتية إلى حتمية كونية لا تحتاج إلى شاهد لكي تتحقق. علاوة على ذلك، يتجلى النسيان كعملية تأمين ضد الإرتداد العدمي؛ فالبقاء على إتصال ذهني وثيق مع طقس لامس العدم قد يؤدي إلى سحب أجزاء من ذلك العدم نحو وعي الساحر، مما يسبب تآكلاً في الهوية الشخصية أو ما يُعرف بالذهان السحري. النسيان هو درع نسياني يحمي العقل من إشعاعات الفناء التي تصاحب العمليات السحرية الكبرى. من خلال نسيان الطقس، يغلق الساحر البوابة خلفه تماماً، ويقطع الطريق على أي قوى تحاول تتبعه من خلال خيوط ذاكرته. هذا التحليل الضخم يوضح أن النسيان هو الذروة التقنية للصمت؛ فإذا كان الصمت الخارجي يؤمن المكان، فإن الصمت الداخلي (النسيان) يؤمن الزمان والروح. إنها حالة من البراءة المصطنعة تعيد الساحر إلى حالة الصفر المعرفي، لكي يفاجأ بالنتيجة في عالم المادة كأنها حدث طبيعي، وبذلك يكتمل التجسيد دون أن تشوبه شائبة الأنا التي حاولت خلقه. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن النسيان المتعمد هو الفعل الأسمى للتخلي السحري. إن العلاقة بين السحر و العدم تصل في هذه المرحلة إلى حالة من الثقة الأنطولوجية المطلقة؛ فالساحر يثق في أن العدم قد إستوعب النية، وأن إلغاء الذاكرة هو القربان الأخير اللازم لتحويل الخيال إلى واقع. إن النسيان ليس فقدانًا للسيطرة، بل هو قمة السيطرة عبر التخلي عنها في اللحظة المناسبة. هكذا يظل النسيان هو التقنية التي تحول الساحر من صانع إلى خالق غائب، وتضمن أن العمل السحري قد عبر برزخ اللاشيء وإستقر في صلب الوجود، محمياً بنسيان صاحبه، و مفعماً بقوة العدم التي تجسدت أخيراً في صورة واقع ملموس لا يقبل الشك.
_ هدنة مع الفراغ: إستراحة الساحر وتقنية الترميم الأنطولوجي للذات
تُمثل إستراحة الساحر (The Mage s Recess) في أعقاب الممارسات الطقسية الكبرى أكثر من مجرد حاجة بيولوجية للترميم الجسدي؛ إنها ضرورة أنطولوجية قاطعة تهدف إلى إعادة شحن الوجود الذاتي الذي تعرض لعملية إستنزاف وإضمحلال ناتجة عن التماس المباشر مع قوى العدم. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن السحر هو فعل إنفاق وجودي باهظ الثمن، حيث يقوم الساحر بإستخدام جوهر كينونته (Ontological Essence) كوقود لفتح ثغرات في نسيج الواقع؛ وبما أن العدم بطبيعته هو حالة من الجوع المطلق (Absolute Inanition)، فإنه يميل إلى إمتصاص إمتلاء الساحر أثناء فترة التماس. إن الإستراحة هي العملية التي يتوقف فيها الساحر عن كونه قناة ليبدأ في كونه وعاءً، وهي الفترة التي يُعاد فيها رتق جراح الروح التي خلفتها إشعاعات اللاشيء، مما يمنع الذات من الإنجراف نحو حالة من الشفافية الوجودية حيث يذوب الكيان في الفراغ الذي حاول ترويضه. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في طياته ماهية الإستنزاف بفعل الفراغ؛ فالسحر الذي يطمح للتأثير في العدم يتطلب من الساحر أن يستعير جزءاً من سكون العدم وبرودته، وهذا الإستحضار يترك الروح في حالة من الفقر الكينوني. الإستراحة هي التقنية التي تسمح للساحر بالعودة إلى مركز الجاذبية المادي، حيث يبدأ الوجود العادي ببساطته وتكراره في إعادة ملىء الفجوات التي خلفها الطقس. إن الإنخراط في أفعال بسيطة كالطعام، أو النوم، أو حتى الصمت غير الطقسي، هو في الواقع فعل تأريض ميتافيزيقي (Metaphysical Grounding) يسحب الروح بعيداً عن حافة الهاوية. فلسفياً، تُعد هذه الإستراحة إعترافاً بمحدودية الكائن البشري أمام لانهائية العدم؛ فالحياة البشرية تحتاج إلى زخم لكي تستمر، وهذا الزخم يتبدد عندما نحاول التلاعب باللاشيء. لذا، فإن الإستراحة هي صمام الأمان الذي يضمن أن الساحر لن يتحول إلى ظل أو صدى يفتقر إلى المادة، بل يظل كائناً حياً قادراً على الحفاظ على هويته الفردية وسط تلاطم أمواج الفناء. علاوة على ذلك، تتجلى إستراحة الساحر كعملية إعادة بلورة للهوية بعد تشتتها في فضاء الإحتمالات؛ ففي ذروة الطقس، تتبعثر الأنا لتشمل الكون كله أو لتمحو نفسها في سبيل القوة، والإستراحة هي اللحظة التي تتجمع فيها هذه الشظايا لتشكل الذات مرة أخرى. إنها تقنية لتثبيت الكيان (Stabilizing the Entity) في مواجهة سيولة العدم؛ فبدون هذه الفترة من السكون الوجودي، يظل الساحر في حالة من السيولة الروحية التي قد تؤدي إلى إنهيار عصبي أو تآكل في الشخصية. هذا التحليل المتعالي يوضح أن الإستراحة هي الجزء غير المرئي من السحر؛ فإذا كان الطقس هو الشهيق الذي يسحب القوة من العدم، فإن الإستراحة هي الزفير الذي يعيد التوازن للصدر الكوني. إنها الحالة التي يتوقف فيها الساحر عن الفعل ليبدأ في الإستقبال، محمياً بحواجز المادة التي تعزله عن برد اللاشيء الذي لا يزال عالقاً بأطراف روحه. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن إستراحة الساحر هي فعل صيانة للوجود ضد عدوانية الفناء. إن العلاقة بين السحر و العدم تصل في هذه المرحلة إلى هدنة ضرورية؛ حيث يتراجع الساحر إلى حصنه الذاتي لكي لا يستهلكه الفراغ الذي فتحه بيده. إن إعادة الشحن ليست مجرد إستعادة للطاقة، بل هي إستعادة للحق في الوجود ككيان منفصل و مستقل. هكذا تظل الإستراحة هي الضمانة لإستمرار المسيرة السحرية؛ فمن لا يعرف كيف يستريح من العدم، سيجد نفسه يوماً ما وقد أصبح جزءاً منه دون إرادة. إنها فلسفة العودة إلى الطين لكي يظل الروح قادراً على الطيران مرة أخرى، و تأكيداً على أن الوجود العادي هو الوقود الحقيقي الذي يسمح للساحر بالتعامل مع اللاشيء دون أن يفقد بريقه الوجودي الخاص.
_ تصحيح شذوذ الكينونة: فلسفة العدم بوصفه إستعادة للمعلومات الخام
يُمثل الجذب السلبي (Negative Gravitation) الذي يختبره الساحر في أعقاب عملية الإغلاق الطقسي واحدة من أكثر الظواهر الميتافيزيقية إثارة للرعب والرهبة؛ فهو ليس مجرد شعور بالخمول، بل هو سحبٌ أنطولوجي يمارسه العدم في محاولة حثيثة لجذب الكيان سواء كان الساحر نفسه أو العمل السحري إلى جوفه الأزلي. في التحليل الفلسفي العميق، نجد أن السحر يقوم بإزاحة جزء من اللاشيء لخلق حيز للوجود، وهذا الفعل يولد ضغطاً عكسياً هائلاً يشبه الفراغ الفيزيائي الذي يسعى لإمتصاص أي مادة محيطة لملىء الفجوة. إن العدم، بصفته الحالة الطبيعية و الأولية، ينظر إلى الكيان المشخص كنوع من الشذوذ أو الخرق لسلامه الساكن، لذا فإن الجذب السلبي هو رد فعل مناعي كوني يهدف إلى إسترداد تلك الطاقة التي تم إستقطاعها وتشكيلها، ومحو الأثر الذي تركه الساحر في نسيج الفناء. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في أغواره ماهية الإستلاب الوجودي؛ ففي اللحظة التي يتم فيها إغلاق البوابة، يجد الساحر نفسه في مواجهة صدى الفراغ الذي لا يزال عالقاً بروحه. هذا الجذب يتجلى كشعور بالثقل الميتافيزيقي، وكأن اللاشيء يمد أذرعاً غير مرئية لتمزيق غشاء الذات ودمجها في السيولة العدمية. فلسفياً، يُعتبر هذا الجذب محاولة من العدم لتصحيح خطأ التجسد؛ فكل ما خرج من العدم يجب أن يعود إليه، والساحر الذي لامس الحافة يصبح موسوماً بذبذبات الفناء، مما يجعله أكثر عرضة لهذا الإنجذاب. إنها معركة بين مركزية الأنا التي تقاوم التلاشي، وبين مركزية العدم التي تسعى لإبتلاع كل تميز. إذا لم يكن الساحر محصناً بثقل مادي كافٍ أو إذا كان إغلاقه للعمل مشوباً بالثغرات، فإن هذا الجذب السلبي قد يتحول من شعور عابر إلى حالة من التبدد التدريجي، حيث يبدأ الواقع الشخصي للساحر بالإنحلال وفقدان معناه، وكأن العدم يمتص الألوان والصلابة من حياته اليومية. علاوة على ذلك، يتجلى الجذب السلبي كعملية إستعادة للمعلومات المنظمة؛ فالسحر هو معلومات فُرضت على الفوضى، و العدم يسعى لتفكيك هذه المعلومات وإعادتها إلى حالة الضجيج الأبيض الأولى. هذا السحب يمثل قوة الجذب الهاوي التي تشعر بها الروح عندما تدرك ضآلتها أمام لا نهائية الفراغ. إنها اللحظة التي يدرك فيها الكيان أن وجوده هو إستثناء مكلف يتطلب طاقة هائلة للحفاظ عليه ضد ميل الكون الطبيعي نحو العطالة القصوى و العدم. هذا التحليل المتعالي يوضح أن الجذب السلبي هو الضريبة المغناطيسية للعمل السحري؛ فكلما كان الطقس أقوى وأعمق في إختراق الحجب، كان ميل العدم لإسترداد الساحر أعنف. الساحر هنا يعمل كمرساة للوجود، وعليه أن يبذل جهداً إرادياً لترسيخ نفسه في هنا و الآن، و إلا فإن الجاذبية السلبية للفراغ ستقتلع جذوره و تتركه هائماً في برزخ لا هوية فيه، مجرد شظية من وعيٍ تائه في محيط اللاشيء. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن الجذب السلبي هو الإختبار الأخير لصلابة الكينونة. إن العلاقة بين السحر والعدم تصل في هذه المرحلة إلى لحظة الحقيقة؛ حيث يثبت الساحر أحقيته في الوجود عبر مقاومة الإنجذاب للفناء. إن الشعور بالسحب هو دليل على أن الساحر قد هزّ أركان العدم بالفعل، وأن العدم قد إنتبه لوجوده وبدأ في الرد. الجذب ليس شراً بالضرورة، بل هو بوصلة عكسية تؤكد للساحر مدى عمق إختراقه. هكذا يظل الجذب السلبي هو التذكير الأزلي بأن الوجود رحلة فوق هاوية، وأن البقاء يتطلب يقظة مستمرة و إرادة صلبة ترفض الذوبان، ليظل الكيان متماسكاً في وجه الإغراء المظلم للتلاشي، وليبقى السحر هو الفن الذي يتحدى جاذبية العدم ليخلق واقعاً يتلألأ في قلب الفراغ المطلق.
_ البتر الأنطولوجي: فلسفة الختم الكتابي كجدار حماية ضد التحلل الإرتدادي
تُعد كتابة كلمة تم (Consummatum Est) أو ما يرادفها من أختام لفظية في السجلات السحرية فعلاً يتجاوز مجرد التوثيق الإداري للحدث؛ إنه يمثل البتر الأنطولوجي النهائي و محاولة واعية لفرض نهاية وجودية قاطعة على العمل السحري. في التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى العمل السحري أثناء ممارسته ككيان مفتوح يتنفس من خلال إرادة الساحر ويتصل بقوى العدم في سيولة مستمرة. وعندما يخط الساحر كلمة تم، فإنه يمارس سلطة تجميد الصيرورة، حيث ينقل العمل من حالة الإحتمال المتدفق إلى حالة الحقيقة المنجزة. هذا الختم الكتابي يعمل كحاجز زمني يفصل بين لحظة الخلق وبين الوجود المستقل للعمل؛ فهو يعلن للعدم أن دورة الإستمداد قد إنتهت، وأن الروابط التي كانت مفتوحة لإستجلاب الطاقة يجب أن تُغلق فوراً، مما يحول العمل السحري من طاقة هائمة إلى واقعة تاريخية محددة الأبعاد وغير قابلة للتعديل أو التسرب. إن هذا التحليل الفلسفي يستقصي في طياته ماهية سلطة الكلمة على الفراغ؛ فكلمة تم هي الأداة التقنية التي تُحول السحر من فعل إلى أثر. السحر الذي لا يُختم بنهاية وجودية يظل عرضة للتحلل الإرتدادي، حيث يمكن للعدم أن يعيد إمتصاص العمل أو يشوه نتيجته عبر الفتحات الروحية المتروكة. لذا، فإن كتابة تم هي فعل إعدام للإحتمالات البديلة؛ إنها اللحظة التي يقرر فيها الساحر أن الصورة الحالية للعمل هي الصورة النهائية الوحيدة المسموح لها بالتجسد. فلسفياً، يُعتبر هذا الختم بمثابة مسمار وجودي يثبت العمل في نسيج الواقع المادي ويمنعه من الإنزلاق مرة أخرى إلى هاوية اللاشيء. السجل السحري هنا لا يعود مجرد دفتر مذكرات، بل يتحول إلى مرساة كونية؛ فما كُتب فيه قد وقع في علم الوجود، وما خُتم بكلمة تم قد إستغنى عن خالقه ليعيش إستقلاليته الخاصة، محمياً بجدار من اللغة ضد فوضى العدم المحيطة. علاوة على ذلك، يتجلى هذا الفعل كتقنية لتحرير الوعي من عبىء الإتصال المستمر بالعدم؛ فما دام العمل غير منتهٍ، يظل جزء من وعي الساحر رهينة لدى القوى المستدعاة. كتابة تم هي إعلان براءة ذمة ميتافيزيقية؛ إنها تفصل بين الساحر وما صنعه، مانحةً إياه القدرة على العودة إلى مركزه الذاتي دون خوف من التعقب الوجودي للعمل. هذا التحليل المتعالي يوضح أن كلمة تم هي نقطة الصفر الختامية التي تمنع التداخل بين عالمين؛ فهي تفرض الموت الصغير على الفعل السحري لكي يبدأ حياته الكبرى في عالم الواقع. بدون هذا الختم، يظل الساحر و العمل والعدم في حالة عقدة أنطولوجية متشابكة قد تؤدي إلى إستنزاف الساحر أو تلاشي العمل؛ أما كلمة تم فهي السيف الذي يقطع هذه العقدة، مؤكداً سيادة الوجود المنظم على سيولة الفناء، ومحولاً الإرادة من رغبة ذاتية إلى حتمية موضوعية ثابتة في سجل الزمن. وفي ختام هذا الطرح الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن كتابة تم هي فعل التواضع و السيادة في آن واحد. التواضع أمام حقيقة أن العمل قد إكتمل و لم يعد بحاجة إلينا، والسيادة عبر فرض قانون النهاية على قوى لا تعرف الحدود. إن العلاقة بين السحر و العدم تصل في هذه الكلمة إلى الطلاق المقدس؛ حيث يُطرد العدم من ساحة العمل، و يُترك العمل ليزدهر في ضوء الوجود الصرف. هكذا يظل الختم الكتابي هو الحارس الذي يمنع الرجوع الميتافيزيقي، ويضمن أن ما خرج من العدم قد إستقر في كينونة لا رجعة فيها، لتكون كلمة تم هي الصدى الأخير الذي يتردد في ردهات اللاشيء، معلناً إنتصار الشكل على العماء، وبقاء الأثر في وجه الفناء.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟