أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا يدرس في الجامعة / 4














المزيد.....

ما لا يدرس في الجامعة / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:30
المحور: الادب والفن
    


أحياناً، تكون الأماكن الضيقة هي الأفق الوحيد المتبقي لقول ما عجزت عنه المسافات الواسعة.. ففي المصاعد العالقة، لا يتوقف المحرك وحده، بل يتوقف الزمن ليعيد ترتيب الحكايات."


​بين الطابقين

​كان المصعدُ في مبنى الكلية كسيراً، يئنُّ في صعوده ويتوقفُ أكثر مما يمضي. لم يكن أحدٌ يأمنُ له، لكنه ظلَّ المقامرة الوحيدة لمن يطاردُ الوقت. دخل وحده، ضغط زر الطابق الثاني، واستسلم للانتظار.

​وقبل أن يُطبق البابُ فكّيه، انسلّت هي. لم تعتذر، بل رمت بابتسامةٍ مقتضبة في هواء المقصورة، واتخذت من الزاوية المقابلة ملاذاً. تحرّك المصعدُ؛ ارتجافٌ خفيف، صريرٌ معدني مألوف، وصمتٌ كثيف لا يطلبُ تفسيراً. كان يحدقُ في لوحة الأزرار كأنها خريطة خلاص، بينما انشغلت هي بمرآةٍ صغيرة تعدّل فيها شتات حقيبتها، وعيناها تلاحقان الأرقام التي تتبدلُ بكسل.

​فجأة.. سكن كل شيء.

لا إنذار، لا وميض، فقط سكونٌ مباغت قطع حبل الزمن. تلاقت نظراتهما في مرآة المصعد لأجزاء من الثانية قبل أن يشيحا ببصرهما. قال بصوتٍ خافت خرق الهدوء:

— يبدو أننا علقنا.. هنا.

أجابت بطمأنينةٍ باهتة:

— يحدثُ هذا أحياناً.. تعطلٌ عابر.

​تمدّد الوقتُ. صار نَفَسُها مسموعاً، لا ذعراً، بل بفعل القرب الذي تفرضه الجدران الصماء. شعر برغبةٍ في فتح نافذةٍ في هذا الضيق، فسأل ليكسر الجمود:

— أي طابق؟

— الثالث.

— وأنا الثاني.. جيرانٌ إذن.

ابتسمت ولم تزد. كان يدرك أن أي كلمة إضافية ستفسد هيبة العزلة المشتركة.

​دبّت الحياة في أوصال المحرك. أضاء الرقم (2)، فُتح الباب، لكن قدميه لم تتحركا. تجاوزهما المصعدُ صعوداً نحو الرقم (3). قالت على عجل، كأنها تخشى أن يسبقها الباب:

— غريب كيف نلتقي هنا.. ولا نلتقي في أي مكان آخر!

نظر إليها للمرة الأولى، وجهاً لوجه:

— ربما لأن المصعد هو المكان الوحيد الذي يسلبنا خيار المغادرة.

ضحكت بخفة.. ضحكةٍ قصيرة بقيت عالقة في الهواء حتى بعد أن توقف المصعد تماماً.

​فُتحت الأبواب عند الطابق الثالث. غادرت هي، لكنها توقفت بعد خطوتين، التفتت وقالت بنبرةٍ لم يتبين معناها:

— شكراً.. على الصمت.

لم يسأل، ولم يبرر بقاءه في الداخل رغم أن طابقه صار خلفه. اكتفى بابتسامةٍ غامضة بينما كانت الأبواب تُغلق عليه من جديد.

​في الأيام التالية، لم يتبدل المصعد، لكن شيئاً فيه صار يغويه. أحياناً يصعد السلالم ليتأمل الباب المغلق من بعيد.. وأحياناً يدخل المصعد وينتظر طويلاً، علّ عطلاً ما يعيد احتجاز الزمن.. بين طابقين.

لا تذهب بعيدا ، انتظر القصة التالية .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟


المزيد.....




- هدى شعراوي: إلى أين وصلت التحقيقات بقضية الفنانة السورية؟
- مهرجان عمّار يختتم دورته بتكريم سينمائيين مهتمين بالمجتمع وا ...
- رواية -غليف- تقتفي أثر الحرب في غزة وتشرح -رأسمالية المراقبة ...
- فوضى السرد: انتحار روائي أم صورة لعالم جديد؟
- ندوب صامتة.. كيف أعادت السينما رسم ملامح الرجل المنكسر؟
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ : قراءة موسّعة في مشرو ...
- الملتقى الثقافي المصري - المغربي يناقش دور الثقافة في بناء ا ...
- ماتت ملك
- بن يونس ماجن: الأخطبوط البرتقالي
- داية الدراما السورية.. مقتل الفنانة هدى شعراوي بدمشق


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا يدرس في الجامعة / 4