أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - العطش في أرض الماء














المزيد.....

العطش في أرض الماء


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 10:05
المحور: الادب والفن
    


​كانت القرية رئةً من طين، تتنفس بصعوبة عبر قصب "الچباشات" المحاصرة بمياه هور لا ترحم. هناك، حيث يختلط عرق الجباه بملوحة الأرض، كانت الحياة تُقاس بالانتظار؛ انتظار المطر، أو انتظار الفرج، أو انتظار عودة غائب لن يجيء.
​حين عاد "سامي" من بغداد، لم يعد بابن القرية الذي نعرفه. عاد بقميصٍ مكويّ ووعودٍ برّاقة كأزراره. وقف وسط السلف، يبشرهم بمدينة "الخبز الذي لا يُعدّ بالحبّات"، مدينة الأجور التي تُقبض في كف اليد كل ثلاثين يوماً، لا في آخر العمر. قال بجزم وهو يمسح غبار القرى عن حذائه اللامع: «بغداد تفتح بابها لمن يطرق.. هنا لن تحصدوا غير الملح».
​في ذلك الموسم، جفّت البيوت من رجالها. مضوا كأسراب طيور ذعرها الصياد، تاركين وراءهم رئتي القرية فارغتين، إلّا من حشرجة الجد "سعد" الذي تسمّر جسده على حصيره العتيق، وحفيده "أحمد"؛ ذاك الصبي الذي نبت شاربه قبل أوانه، ليجد نفسه فجأةً الوتد الوحيد في خيمةٍ تعصف بها رياح الأنوثة المكسورة.
​الوحدة في القرى ليست فراغاً، بل هي وحشٌ له أنياب.
​كانت "سامية" تلتقي بأحمد عند جدول الماء. لم يكن بينهما كلامٌ كثير؛ فالجوع للكلمة كان أشدّ من الجوع للخبز. نظرةٌ تارة، ويدٌ تمتد لتسند جرة ثقيلة تارةً أخرى. في غياب الرجال، سقطت الحدود التي كانت تحرسها العيون، ونشأت بينهما لغةٌ سرية، لغةٌ لم تُكتب في الكتب، بل في مسام الجلد وتحت شجر الغرب الساكت. كانت سامية تبتسم، وابتسامتها تلك كانت القشة التي تشبث بها غريقٌ مثل أحمد.
​لكنّ الماء لا يحفظ السر طويلاً.
​ذات ضحى، جلست سامية عند حافة الساقية. لم تكن تراقب انعكاس وجهها، بل كانت تتحسس ثقلاً غريباً في أحشائها، ثقلاً ينمو كما ينمو القصب في الهور؛ بصمتٍ وعناد. عدّت الأيام على أصابعها المرتجفة، فكانت الحسبةُ ذنباً لا يُغتفر. لم تبكِ، فالدموع في القرية ترفٌ لا تملكه النساء، بل اكتفت بالنظر إلى الأفق، حيث تختفي الشمس خلف السواتر الترابية.
​في الجانب الآخر من الوجع، كانت "ليلى" تُدفع خارج حدود السلف. امرأةٌ نسيها الزمان، فاستأنس بظلها عابرُ سبيلٍ ترك أثره ومضى. لم تُحاكم القرية "الغياب" الذي جعلها فريسة، بل حاكمت "الفضيحة". صرخن بها النساء: «ارحلي.. الأرض ضاقت، ولا تتسع لخطأين».
​ثم وقعت الصاعقة.
​عاد الرجال فجأة، بجيوبٍ فارغة وأرواحٍ مهزومة. لم تكن بغداد "الفردوس" الموعود؛ كانت وحشاً يبتلع الكرامة قبل الجسد. وحين وطأت أقدامهم الطين ثانية، وجدوا أن "العرض" الذي تركوه أمانةً في عنق الريح قد اهتز.
​انفجر الغضب. لم يسأل أحدٌ منهم: «لماذا تركناهم؟»، بل صرخوا: «كيف تجرأوا؟». تحول أحمد، الفتى الذي نضج في أتون الغياب، إلى طريدة. كان الغضب الجمعي يبحث عن "كبش فداء" يغسل به الرجال هزيمتهم في المدينة الكبيرة.
​وحده "كاظم"، الذي أكلت السنون نصف عمره في التيه، وقف وسطهم صائحاً بصوتٍ مبحوح:
«نحن الذين هجرنا الظل، فلا تلوموا الشجر إذا ذبل! نحن المذنبون، لا تعلقوا خطايانا على رقبة فتى كان يصارع الوحشة وحده».
​لكنّ صوته ضاع في جلبة السكاكين المشرعة والعيون المحتقنة بالدم. فالقرى حين تخشى العار، تصمّ آذانها عن الحقيقة.
​ في تلك الليلة المثقلة برائحة الطين والخوف، انزوى أحمد في ركن حجرة جده. الجد سعد، الذي لم يعد يقوى على النطق، مدّ كفه التي تشبه خريطة جافة من التجاعيد، وربت على كتف حفيده. لم تكن تربتة حنان فحسب، بل كانت اعترافاً بالخيبة، وتواطؤاً صامتاً على مصيرٍ محتوم.
​نظر أحمد إلى كف جده، ثم إلى الخارج حيث كانت أصوات الرجال تعلو، فشعر لأول مرة بمرارة أن يكون رجلاً في مكانٍ يقتل أطفاله ليتطهر من ذنوب كباره.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣


المزيد.....




- فيلم -غرينلاند 2: الهجرة-.. السؤال المؤلم عن معنى الوطن
- الزهرة رميج للجزيرة نت: العلم هو -كوة النور- التي تهزم الاست ...
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- لماذا يلجأ اللاعبون إلى التمثيل داخل الملعب؟
- فيلم -الوحشي-.. المهاجر الذي نحت أحلامه على الحجر
- ماكرون غاضب بسبب كتاب فرنسي تحدث عن طوفان الأقصى.. ما القصة؟ ...
- مصطفى محمد غريب: هرطقة الرنين الى الحنين
- ظافر العابدين يعود إلى الإخراج بفيلم -صوفيا- في مهرجان سانتا ...
- جينيفر لورنس خسرت دورًا بفيلم لتارانتينو لسبب يبدو صادمًا
- اللغة والنوروز والجنسية.. سوريون يعلقون على مرسوم الشرع بشأن ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - العطش في أرض الماء