أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وداع عند الفجر / ٢














المزيد.....

وداع عند الفجر / ٢


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 02:39
المحور: الادب والفن
    


وداعٌ بطعم الضوء

​في غرف الإنعاش، لا يطرق الفجرُ النوافذَ بالضوء، بل يسلل نفسه عبر الأنابيب البلاستيكية وإيقاع الأجهزة الرتيب. لم تكن هناك عصافير تشدو، بل نبضاتٌ آليةٌ خضراء ترسم على الشاشة خارطةً مهتزة لما تبقى من حكاية. الحياة هنا لا تُقاس بالسنوات، بل بتلك الأرقام اللعينة التي تتراقص أمام عيوننا المجهدة، معلنةً أن "الآن" هو كل ما نملك.
​جلستُ على حافة الوقت، أراقب وجه أمي. كان وجهها في تلك اللحظة يشبه أرضاً استراحت بعد حروبٍ ضارية؛ سكونٌ موجع، وملامح غادرها القلق ليحل محله وقار الرحيل. أمسكتُ يدها، ففزعتُ من خفتها. لم تعد تلك اليد التي كانت تعجن الصباحات وتغزل الدفء؛ صارت يداً شفافة، أخفّ من الذكرى، كأنها خُلقت من غمام، تستعد للتحلل من جاذبية الأرض لتلحق بملكوتها البعيد.
​انحنيتُ نحو أذنها، كأنني أبوح لها بسرٍّ لا يعرفه الممرضون المنهمكون في الخارج. حاولتُ أن أستعير صوتي القديم، صوت الطفلة التي تناديها لتبدأ الحياة. همستُ بيقينٍ يرتجف:
— "يمّه.. الفجر طلع."
​لم تكن الكلمات خبراً عن شروق الشمس، بل كانت "كلمة السر" المتفق عليها بين روحين تعرفان أن وقت الفراق قد أزف. كان قولي "طلع الفجر" يعني في لغتنا الخاصة: "يا حبيبتي، انتهى ليل الألم، وباب السماء مفتوحٌ الآن."
​فتحت عينيها.. نصف فتحةٍ فقط، لكنها كانت كافية لكي يرى قلبي كل الضياء الذي حُرمت منه تلك الغرفة. ارتسمت على شفتيها ابتسامتها المعهودة؛ تلك الابتسامة التي كانت تُشهرها دائماً في وجه الوجع لتطمئنني، كأنها تقول لي: "لا تخافي، الوجع ضيفٌ ثقيل وسيرحل، أما أنا فباقيةٌ فيكِ."
​ضغطت على يدي. كانت ضغطةً واهنة، خيطاً رفيعاً من الوداع، لكن ثقلها في روحي كان يزن عمراً كاملاً. في تلك اللحظة، اخترق خيط ضوءٍ يتيم زجاج النافذة البارد، فاصطدم بصمتٍ مفاجئ.
​سكت النبض الآلي.
توقف الجهاز عن صراخه الرتيب، وأسلمت الغرفة قيادها لسكينةٍ غريبة. في تلك اللحظة تحديداً، خُيّل إليّ أن الفجر لم يأتِ لينير العالم، بل جاء ليكون "شاهد قبر" من ضوء، يحرص على حراسة رحيلها الأخير.
​وقفتُ ببطءٍ يليق بجلال الموقف. لم تكن هناك دموع، فالغصات الكبيرة لا تمر عبر القنوات الدمعية، بل تسكن في النخاع. خرجتُ إلى الممر الطويل، فاصطدمتُ بضجيج الحياة المستأنفة: أقدامٌ مسرعة، همسات عابرة، وحركة بشرية لا تتوقف. كان العالم يستيقظ في الخارج لتبدأ دورة يومٍ جديد.
​الجميع استيقظ.. إلا قلبي.
بقي هناك، في تلك الزاوية من غرفة الإنعاش، ممسكاً ببراعةٍ بيدٍ توقفت عن الإمساك بكل شيء، لتترك لي أمانة الثبات.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير


المزيد.....




- حكاية مسجد.. جامع -صاحب الطابع- في تونس أسسه وزير وشارك في ب ...
- باريس في السينما.. المدينة التي تولد كل يوم
- فيلم -رسائل صفراء- يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين ا ...
- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وداع عند الفجر / ٢