أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - صدأ الشالجية














المزيد.....

صدأ الشالجية


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8560 - 2025 / 12 / 18 - 09:36
المحور: الادب والفن
    


(من البدء إلى الطوفان)

​لم يكن موت "محمود" حدثاً استثنائياً في حي الشالجية المحاذي لمحطة القطار؛ كان مجرد واقعة رتيبة تمرّ بصمت، كما تمرّ القطارات المسرعة التي لا تلتفتُ أبداً إلى البيوت الواطئة المتربة.
مات محمود، فاختلّ ميزان البيت فجأة، كأنّ عموداً خفياً من أعمدة الروح قد أُزيح من مكانه. ترك خلفه أرملةً غارقة في صمتها، وأربعة أبناء، وحياةً كانت بالكاد تقف على قدميها.. ثم مضى إلى ترابه.
​كانت التسعينات ترخي سدولها الثقيلة، والحصار يضغط على صدور الناس قبل أن يضغط على أسواقهم. لم يكن الفقر طارئاً، بل كان حالةً عامة، قدراً جماعياً. ومع ذلك، فإن غياب الأب لم يكن يعني ضيق العيش وحده، بل كان يعني أن "بوصلة" البيت قد انكسرت، وأن على كل فرد أن ينحت طريقه في الصخر.. أو يسقط في الهاوية.
​سعد، الابن الأكبر، كان أول من قرر التمرد على صمت الجدران المتآكلة. كان يراقب أمه وهي تفتت الخبز اليابس في الماء لتصنع وجبة باهتة. وقف يوماً عند عتبة الباب، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب، وقال بصوتٍ يملؤه اليأس والقوة معاً:
​"أمي، الشالجية لم تعد تتسع لنا.. القطارات تمرّ من هنا لتذهب إلى أماكن حقيقية، وأنا سأركب أحدها، ولو كنتُ عالقاً في الحديد."
​أجابته الأم وهي لا ترفع عينها عن الصحن:
​"يا ولدي، من خرج من جلده ضاع.. وسكة القطار نهايتها غامضة."
​فأجابها وهو يغلق الباب خلفه بإصرار:
​"البقاء هنا هو الضياع الحقيقي."
​انطلق سعد إلى حي "الفضل". هناك، وسط تجارة الحافات والمهربات، تعلم أن الخوف ترفٌ لا يملكه الفقراء. صار يبتعد عن البيت، وكلما زاد ماله، زاد اغترابه، حتى صار وجهه غريباً عن كل المرايا التي غادرها.
​أما كاظم، فقد اختار "الاستسلام النبيل". رضي بوظيفة في مخزن حكومي رطب، يعود منه كل مساء ورائحة العفونة والورق القديم تلتصق بجلده كوشمٍ لا يزول. ذات مساء، جلس بجانب أخيه الصغير حسن الذي كان يذاكر دروسه العسكرية، وقال له كاظم وهو يسلمه بضع ورقات نقدية مجعدة:
​"هذه من أجل بذلتك الجديدة يا حسن.. لا تدع غبار هذا البيت يلمس قماشك. أريدك أن تمشي برأس مرفوع، لتغسل عار فقرنا."
​نظر إليه حسن بنظرة فيها مزيج من الامتنان والترفع، وقال:
​"سأفعل يا كاظم.. سأخرج من هذه الحفرة، ولن أعود إليها إلا فاتحاً."
​ابتسم كاظم بمرارة وتمتم:
​"يكفي أن تخرج أنت.. أما أنا، فقد صرتُ جزءاً من أثاث هذا المكان."
​دخل حسن الكلية العسكرية، وهناك بدأت عملية "سلخ" متعمدة لماضيه. صار يرى في الشالجية ومحطة القطار كابوساً يجب الاستيقاظ منه. ومع كل رتبة تُوضع على كتفه، كان يبني جداراً عازلاً بينه وبين عائلته.
​وفي تلك السنوات، كانت سعاد، الابنة الوحيدة، تذوب كشمعة في زاوية معتمة. لم ينقذها الصمت، ولم يشفع لها حظها العاثر. تحت وطأة الحرمان والحاجة لتوفير "طلبات" حسن التي لا تنتهي، زلّت قدمها.
كانت تعود فجراً، تضع المال في يد أمها وتتجنب النظر في عينيها.
وفي ليلة من ليالي الشتاء القارس، واجهتها الأم بهمسٍ كأنه فحيح الأفاعي:
​"سعاد.. هذا المال رائحته ليست كبقية المال.. من أين جئتِ به؟"
تصلبت سعاد في مكانها، وقالت بصوت ميت:
​"إنه الثمن الذي ندفعه لنبقي (حضرة الضابط) في كليته.. لا تسألي يا أمي، فالأسئلة في هذا البيت دائماً ما تنتهي بالبكاء."
​تخرج حسن ضابطاً، وصار يخطط لزواجٍ "طبقي" يرفعه إلى أعالي المجتمع، متناسياً أن أخته وسعد هما من عبّدا له الطريق بدمائهم وسمعتهم. وفي ليلة عاصفة، تداخلت الأقدار بشكلٍ تراجيدي؛ عاد سعد جريحاً، مطارداً برصاص المهربين، يطرق باب البيت بوهن، ودمه يلوث عتبة الدار.
​وفي اللحظة ذاتها، كان حسن في قسم الشرطة، يواجه الفاجعة التي لم يحسب لها حساباً: "سعاد" محتجزة في قضية أخلاقية. وقف حسن أمامها في الزنزانة، ببدلته العسكرية التي لا يزال عطرها يفوح في المكان. نظر إليها باحتقار وقال:
​"دمرتِ كل شيء.. دمرتِ مستقبلي الذي بنيته بجهدي."
​ضحكت سعاد ضحكة هستيرية مكسورة، وقالت وهي تشير إلى نجومه المتلألئة:
​"جهدك؟ بل قل دمي.. هذه الرتب التي تحملها، أنا من صبغها لك باللون الأحمر. لا تتحدث عن الشرف، فنحن جميعاً ضحايا (محمود) الذي مات وتركنا للذئاب."
​خرج حسن من القسم، لا كضابط منتصر، بل كمهزوم يحمل جنازته على كتفه. عاد إلى وحدته، وصار يؤدي واجباته بآلية باردة، كأنه تمثال من ثلج. تلاشت أحلام الزواج، وصار المستقبل يوماً طويلاً يشبه ليل الشالجية الرتيب.
​أما سعاد، فقد عادت للبيت لليلة واحدة، ثم اختفت مع خيوط الفجر الأولى، كأن الأرض انشقت وابتلعتها. لم يبقَ منها سوى منديل قديم ورائحة حزن لا تزول عن الجدران.
​وفي بيت الشالجية، بقي كاظم يذهب إلى عمله ويعود بفتاته، وتبقى الأم جالسة عند النافذة، تعدّ القطارات الذاهبة والآتية، وتنتظر غائبين تعرف في قرارة نفسها أنهم لن يعودوا أبداً. استمرت الحياة بثقلها المعتاد، كأنها "طوفان" صامت، يغرق الجميع دون أن تظهر على السطح فقاعة واحدة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق
- ظل سمر
- خطيئة السابع عشر
- الهروب .... وعودة الروح


المزيد.....




- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...
- المثقف العربي بين حصار النظرية وميادين الفعل الغائبة
- عبير سطوحي.. مصممة أزياء تدمج الثقافة اللبنانية بالموضة العا ...
- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - صدأ الشالجية