أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خارج المتن














المزيد.....

خارج المتن


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8558 - 2025 / 12 / 16 - 12:05
المحور: الادب والفن
    


​في كراج ساحة العلاوي، حيث لا يسأل أحدٌ القادم من أين جاء، ولا الراحل إلى أين يذهب، كان أحمد يعيش في مخزنٍ ضيّق خلف أكشاك الجرائد. رجل أعرج، يجرّ قدمه كما يجرّ عمره، جاء من الجنوب محمّلًا بتعب الطريق فقط.
رآه الحاج محمود يومًا ممدّدًا قرب الرصيف، فرفعه من الأرض وأعطاه عملًا وبقعة ينام فيها. لم يكن ذلك إنقاذًا، بل ترتيبًا مؤقتًا للفوضى.
​ليل أحمد بلا نهاية. جدران المخزن مغطّاة بصور نساءٍ من جرائد قديمة. وجوه تبتسم له دون أن تعرف أنه موجود. كان يتأمّلها طويلًا، لا لأنّه يصدّقها، بل لأنّها أقل قسوة من أملٍ كاذب.
​ليلى. هي الواقع الذي لا يُطاق. بائعة مشروبات لا تمشي، بل تنزلق بين الحافلات كأنها غيمة سريعة، تضحك بضجر لا يفهمه أحمد، وكأنّ ضحكها مَلَكٌ تتقاضى عليه أجرًا. أحبّها أحمد بصمتٍ لا يُرى.
ذات مساء، أخرج من جيبه خاتمًا ذهبيًا ورثه عن أمّه، وقال بصوتٍ مرتعش كالخائف من ظلّه:
"هذا مهر... إن كنتِ تقبلين أن تُنهي انتظاري."
​لم تضحك ليلى. ابتسامتها انحسرت كمدّ غاضب. نظرت إلى العكاز الذي يشدّ قدمه نحو الأرض، ثم إلى الطريق البعيد، ولم تقل شيئًا. الصمت كان كافياً ليغلق الباب، ويغلق معه كل نافذة يرى منها أحمد الشمس. قلبها كان مع عباس، الحمّال الذي يمشي بثبات، كأنّ الأرض تتّسع له وحده. لم يكره أحمد عباس. كان يحسده. الحسد لا يحتاج كراهية، يكفيه نقصٌ واحد.
​حين رأى الصندوق قرب ليلى، فهم. ملابس مطويّة، استعداد للرحيل، زواج قريب. في تلك الليلة، لم يعلّق صورة جديدة، بل صنع صندوقًا آخر. وضع فيه الخاتم وسكينًا صغيرة. لم يكن متأكدًا ممّا يريد، لكنه كان متأكدًا أنّ الألم لا يحتمل تأجيلًا آخر.
​طلب منها أن تأتي لتأخذ دلو المثلّجات. تردّدت، فأرسلت منى. في تلك اللحظة، كان أحمد لا يرى. كان يرى فقط الخاتم الذي وُضع بجانب السكين. حين دخلت منى، لم تكن سوى شبح لليلى في الظلام، وجه يرتدي الضحكة المرفوضة. صرخ باسمٍ لم يكن متأكداً منه، ثم طعن. كان يقتل الفكرة التي كانت ستنجيه، لا الجسد الذي أمامه. لم يكن متأكداً إن كان يقتل امرأة أم احتمالًا. بعدها صار كل شيء ساكناً. وضع الجسد في الصندوق وأغلقه بإحكام، كأنّه يُنهي إجراءً إداريًا متأخّرًا.
​في الصباح، رآها حيّة. ليلى كانت تضحك قرب الحافلات. شعر أنّ رأسه صار صندوقًا آخر. حين فُتح الصندوق، خرج الدم بدل الملابس. تجمّع الناس. صراخ. اتهامات. أمسك أحمد ليلى، السكين في يده بلا معنى. اقترب الحاج محمود، وهمس في أذنه شيئًا عن الخاتم ، عن القميص الأبيض الذي جهّزه للعرس. لم يعترض أحمد. ارتدى القميص الأبيض، قميص فرح لم يُعطَ له إلا وهو مُكبّل.
​وحين أخذوه، لم يتوقّف الكراج. الحافلات واصلت الرحيل، والناس واصلوا الانتظار.
​الصندوق بقي في مكانه. كان فارغًا هذه المرّة، لكن أحدًا لم ينتبه أن أصعب ما في هذه الحكاية، هو ما تبقّى خارجها؛ صندوق فارغ، وإنسان لم يكن معدّاً للحياة، كأنه كان في الغلاف الخلفي للقصة، لا في متنها.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق
- ظل سمر
- خطيئة السابع عشر
- الهروب .... وعودة الروح
- ريح الحنوب في قلب المستنصرية


المزيد.....




- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خارج المتن