أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - طفل أطفأته بغداد














المزيد.....

طفل أطفأته بغداد


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8548 - 2025 / 12 / 6 - 06:32
المحور: الادب والفن
    


​وُلِدَ سيف في قلب باب الشيخ كقطرة ضوءٍ انفلتت من يد السماء وسقطت في أرضٍ لا تعرف كيف تحتفظ بالضياء.
جاء طفلاً هشًّا، لا يسنده من الكون سوى أمٍّ تتّكئ على صبرها كما يتكئ الجريح على عكازه، تُربّي طفلها على طرف الخوف،
بعدما خلّف موت والده زواجًا عرفيًّا معلّقًا، وجرحًا لا يعرف أحدٌ كيف يضمّده.
​أما فاضل، عمّه، فكان رجلاً قدَّ من غِلظةٍ لا تعرف الندم.
استولى على تركة أخيه وبدّدها، ولم يترك للطفل سوى شتات حق، ولا لأمّه سوى جدارٍ تصطدم به كلما طالبت بالعدالة.
وحين فعلت، أغلق الباب في وجهها وقال بفظاظةٍ أشدّ قسوة من الشتاء:
«لا توقفين على بابٍ ما يعترف بيچ.»
كانت تلك اللحظة درسَه الأول:
أن الظلم لا يحتاج سببًا... يكفيه أن يجد ضعيفًا.

​نشأ سيف في الأزقة، يتعلّم من حجارتها الباردة أن الطفولة عابرة، وأن الجوع قادر على أن يغيّر مسار حياة.
حتى ساقته قدماه إلى ظلال جاسم البغدادي، عصابة تتحرّك في بغداد كما يتحرك الظلّ في ظهر الشمس، صامتًا... لكنه حاضر.
​ثم جاء الحدث الذي قسّم روحه إلى نصفين: موت الأم.
انطفأت بهدوءٍ يشبه انطفاء شمعةٍ رطبتها دمعة. ماتت وخلّفت ولدًا يتيماً من الأمس والغد. حمل سيف ما تبقّى من عمره في كيس بلاستيكي، وذهب إلى عمّه علّه يجد بابًا يُفتح. لكن فاضل نظر إليه ببرودة، وقال:
«ما إلك مكان… ولا راح يصير.»
ودفعه خارج العتبة التي كانت يومًا بيت أبيه.
​في الليلة ذاتها، ابتلعته حملة عشوائية للشرطة. أودعوه إصلاحية الأحداث، فخرج منها وهو يحمل في قلبه شقوقًا لا تراها العين. حاول أن يبدأ من جديد، طرق أبواب الكرادة، لكن كل باب كان يغلق بعبارة واحدة:
«إحنا ما نشغّل واحد ماضيه مو نظيف.»
كان الماضي يطارده كظلٍّ أطول من جسده، ويحجب عنه الشمس. عاد سيف إلى ظلال جاسم،
لكن القدر شاء أن يضع أمامه نورًا نادرًا: ميس الغجرية.
كانت تغنّي في كباريه عتيق، بصوتٍ يخرج من عمق الوجع، كما لو أنها تغنّي لمدينةٍ فقدت أبناءها. وجد فيها سيف صوت الأمان الذي لم تمنحه إياه بغداد.
كانت ابتسامتها الجانبية كفيلة بأن تجعل العالم أقل قسوة، وأن تقول له بصوتٍ لا يسمعه أحد:
«بعدكَ مو وحدك.»
​لكن الشرّ، كما تعرف بغداد، لا يغمض عينيه طويلًا.
فاضل، الذي لم يتحمّل فكرة أن يجد الصبي نورًا، دسّ له الفخاخ وخنق عليه الهواء، حتى سقط سيف في آخر كمين: جريمة قتل لم يرتكبها.
​دخل السجن، فيما كان الليل يهبط على الكرادة كنعشٍ يتدلّى من السماء.
وكانت ميس وحدها من آمنت أنه بريء. قلبت الأوراق، وسألت الشهود، حتى وجدت الدليل القاطع: فاضل هو من ورّطه.
​لكن حين أسرعت به إلى الشرطة، جاءها الخبر الذي أطفأ صوتها من جذره:
سيف هرب من السجن.
هرب... لا لينجو، بل ليواجه.
ذهب إلى البيت الذي كان يومًا بيته. وقف أمام الباب ذاته الذي صفعه طفلاً. طرقه بيدٍ لم تعد ترجف، بيدٍ صارت تحمل كل أثقال العمر.
​فتح فاضل الباب.
وفي تلك اللحظة، لم يكن بينهما حوار... بل حساب مفتوح منذ سنوات. سقط الظالم، ووقف سيف وحيداً أمام الفراغ الذي ابتلعه منذ الصغر.
​خرج سيف إلى شارع الكرادة. المدينة تُطفئ مصابيحها، كأنها تختار ألا ترى. سار بخطواتٍ مثقلة، فيما صوت ميس يرتجف من بعيد، لا ندري إن كان صوت غناء... أم بكاء.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق
- ظل سمر
- خطيئة السابع عشر
- الهروب .... وعودة الروح
- ريح الحنوب في قلب المستنصرية
- الظلّ الذي قتل الحُب
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب


المزيد.....




- -دخان لجمر قديم-: ديوان جديد للمغربي بن يونس ماجن يوثق صرخة ...
- الفيلم الكوري The Great Flood.. رعب اليوم الأخير لكوكب الأرض ...
- قراءة في كتاب كارل لويث : بين فيبر وماركس
- -سينما قطاع-.. مشروع شبابي في مدينة الصدر
- أنديرا غاندي: من الصعود إلى الاغتيال… أول امرأة قادت أكبر دي ...
- صدور الطبعة الثانية من السردية للكاتب الأردني أشرف الضباعين
- عائشة بنور: النقد عاجز عن مواكبة طوفان الروايات
- لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟
- بعد استحواذ -نتفليكس- على -وارنر- … ما هو مستقبل السينما؟
- من هي أم سيتي البريطانية التي وهبت حياتها لحبيبها الفرعون؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - طفل أطفأته بغداد