أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذكريات راحلة














المزيد.....

ذكريات راحلة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 13:25
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

مقدمة
في كل تجربة فقدٍ نواجهها، لا يبقى معنا من الراحلين سوى أثرهم الخفي؛ ذلك الأثر الذي لا يُرى بالعين، بل يُلمَس بالذاكرة. فالفقد ليس انقطاعًا تامًا بقدر ما هو انتقالٌ للوجود من صورة إلى أخرى؛ من حضورٍ ملموس إلى حضورٍ خافت يسكن التفاصيل الصغيرة التي نظنّها عابرة. وما يراه القلب في لحظات السكون يكشف لنا أن الذاكرة ليست صندوقًا يُختزَن فيه الماضي، بل كائنٌ حيّ يستيقظ متى شاء، ويُعيد ترتيب الألم على نحو يجعل الغياب أقلّ قسوة.
إننا لا نتصالح مع الغياب دفعة واحدة، بل عبر إشارات صغيرة، ورسائل غير مكتملة، وأشياء تُفتح مصادفة فتوقظ معنى جديدًا في داخلنا. وحين يحدث هذا الاكتشاف، ندرك فجأة أن الراحلين لم يبتعدوا حقًا، بل غيّروا فقط طريقة وجودهم في حياتنا.
ومن هنا تولد هذه القصة…
قصة رجلٍ وحيد يُعيد اكتشاف زوجته الراحلة من خلال مذياع قديم ودفترٍ منسي. ليست حكاية عن الحزن فحسب، بل عن التحوّل… عن قدرة الذكريات على أن تصبح جسرًا بين ما مضى وما يمكن أن يُشفى.
إنها محاولة للفهم بأن الرحيل ليس نهاية، بل شكل آخر للبقاء؛ وأن الحنين، رغم وجعه، قد يكون أكثر الطرق رقةً لمصافحة من غابوا.

القصة
لم تكن ذكرياتي معها مجرد صور على الجدار، بل أرواح صغيرة تتحرك حولي كلما هبّت نسمة المساء من شباك غرفتنا القديم. منذ رحيل زوجتي، صار البيت أوسع مما ينبغي، وصارت أصوات الأشياء أعلى من قدرتي على الاحتمال؛ حتى وقع خطواتي بات ثقيلاً، كأنني أمشي فوق زجاج عمرٍ انكسر بضربة واحدة.
كل ليلة أجلس في الأريكة القريبة من المطبخ، حيث كانت تضع لي الشاي بابتسامتها الهادئة. أفتح مذياعها القديم، فيأتي صوته مشوشًا، لكنه يشبه حفيف شالها حين تمر بقربي. أبتسم وأنا أخفي دمعة لا تستأذنني، ثم أغلق المذياع لأمنح للصمت فرصة ليكلمني عنها.
وذات مساء، عندما عدت من السوق، وجدت دفترًا صغيرًا فوق احد الرفوف. لم أره منذ رحيلها. فتحته بارتباك، فاستقبلتني كلماتها المكتوبة بخطها الرفيع:
" حبيبي… إن ضعتَ يومًا، فابحث عني في قلبك."
تجمدت مكاني. مرّرت أصابعي فوق الحروف كما لو كنت ألمس يدها نفسها. لا أعلم هل تركت الدفتر لي قبل رحيلها أم أنني أنا من نسيه… لكن حضوره كان مثل عودتها، خفيفة، شفافة، كأنها تراقبني من زاوية الغرفة.
أغلقت الدفتر وتركته قرب وسادتي. تلك الليلة، ولأول مرة منذ شهور، غلبني النوم دون أن يقاومني الحزن.
اكتشفت أن الذكريات لم تعد تؤلمني كما كانت؛ صارت طريقًا يقودني إليها، لا جرحًا يعيدني إلى الفقد.
وفي قلبي همسٌ واضح:
من يرحل بالجسد… يبقى بالحنين.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١
- المقهى الأخير
- حِذاءُ كريم
- بائعة الساعات
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر
- سارة
- يا راحلتي — نورٌ لا ينطفئ
- طيور السطح


المزيد.....




- شهادة نسب فنانة مصرية إلى آل البيت تفجّر سجالا بين النقابة و ...
- معرض دمشق الدولي للكتاب: عناوين مثيرة للجدل وأخرى جديدة بعد ...
- وفاة روبرت دوفال الممثل الحائز على جائزة الأوسكار عن عمر ينا ...
- نحو ترسيخ ثقافة الكرامة..حين يصان الإنسان يقوى الوطن
- اشتهر بأدواره في فيلمي -‌العراب- و-القيامة الآن-... وفاة الم ...
- كيف نقل الفينيقيون خشب الأرز إلى مصر زمن الفراعنة؟
- نص سيريالى (جُمْجُمة تَمضُغ بُرْتقالة الأرْض)الشاعرمحمدابوال ...
- يحفظون القرآن على اللوح في 2026.. حكاية منارة النعاس في ليبي ...
- الصحراء والسلطة والمرض.. دراما العزلة في فيلم -هوبال- السعود ...
- رحيل الممثل الحائز على الأوسكار روبرت دوفال عن عمر يناهز 95 ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذكريات راحلة