أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - راديو أم خزعل














المزيد.....

راديو أم خزعل


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8529 - 2025 / 11 / 17 - 21:52
المحور: الادب والفن
    


حين يسقط الصوت… وتنهض الذاكرة

هناك لحظات ندرك فيها أن الأشياء التي ترافق أعمارنا ليست جمادات، بل أجزاءٌ من أرواحنا.
وحين تغيب أصواتها، نشعر كأن زمنًا بأكمله قد انطفأ… وكأن صمتًا جديدًا يهبط علينا، يختبر قدرتنا على التذكّر.

كانت أم خزعل، المرأة التي تجاوزت الثمانين، تسكن بيتًا صغيرًا متواضعا في أحد أحياء العمارة القديمة؛ بيتًا تحفظ جدرانه أنفاس الفجر وروائح القهوة الأولى.
وفي وسط ذلك البيت عاش معها أربعين عامًا راديو نحاسي قديم، صار جزءًا من حياتها كما لو كان فردًا من عائلتها.
كانت توقظه قبل أن يكتمل الضوء، تلمس زرّه بإصبعها المتعب، وتقول:
«يَمّه… خلّ نسمع شكو ماكو.»
فينطلق صوت إذاعة بغداد، يتسلّل بين الجدران الخاوية، يعبر الأزقّة، ويوقظ الديك والأهالي معًا.
الجيران يعرفون موعد الصباح لا من الشمس… بل من صوت راديو أم خزعل.

غير أن صباحًا شتويًا حمل معه ما لم تتوقّعه.
فحين كانت تجرّ الكرسي الخشبي لتقرّبه من الموقد، تعثّرت بطرفه، واصطدم الراديو بالأرض.
كان الارتطام خفيفًا، لكنه حمل معه نهاية صوتٍ عاش معها عمرًا.
ارتفع صوت "طَقة" ثم تلاه صمتٌ كثيف… صمتٌ يشبه انطفاء نبض.
رفعت الراديو بين يديها كمن يحمل طفله الذي سقط فجأة، تهمس:
«يمّه… لا تسكت عليّه.»
لكن الصوت لم يعد.

جاء الجيران.
فتحوه، بحثوا في أسلاكه، قلّبوه كأنهم يقلّبون صفحات عمرٍ قديم.
وحين وجدوا القطعة المكسورة، عرفوا الحقيقة:
القطعة لم تعد تُصنَع… ولا تُباع.
ساد صمتٌ لم تعرفه المحلّة منذ أربعين عامًا.
حتى الديك لم يصحُ تلك الليلة، وكأنه كان يتعلّم الصياح من الراديو نفسه.
اقترب فتى منها وقال:
« جده… نشتريلچ واحد جديد!»
فتنهّدت كمن يشيّع ذاكرة:
«الجديد ما يعرف أسراري… هذا يسمع ضحكتي وبجاي.»

مرت الأيام ثقيلة.
البيت مظلم رغم وجود الضوء، لأن الصوت الذي كان يهب الحياة لجدرانه قد انطفأ.
كان الفراغ يملأ المساء، وكأن الزمن يختبر صبر شيخٍ فقد صديقه القديم.
وفي مساء اليوم السابع، طرق بابها شابّان من أبناء المحلّة.
كانا يحملان راديو عتيقًا يشبه راديوها حدّ الذهول.
قال أحدهما:
« جده… دوّرنه من سوك لسوك . هذي هديّة من المحلّة.»
لمعت عيناها بدموع تشبه ضحكة قديمة.
أمسكت الراديو بيدين ترتجفان، وضغطت زر التشغيل ببطء.
لحظة… ثم أخرى…
وفجأة انطلقت أغنية قديمة، أغنية كانت تسمعها يوم كانت تركض بين بيوت الطين.
وضعت يدها على قلبها، وقالت بصوت مبلّل بالعمر:
«رجع صوتي… رجع بيتي.»
ومنذ ذلك اليوم، صار الراديو الجديد – القديم رمزًا للمحلّة.
يمسح الأطفال غباره، ويصلحه الشبان، وتطلب النساء منها رفع الصوت عند الأغاني الحزينة.
وصارت أم خزعل تقول:
«مو كل صوت نسمعه… بعض الأصوات نعيش وياها، وتعيش ويانة.».
والأشياء التي تشاركنا العمر تتحوّل مع الوقت إلى مرآةٍ لروحنا.
وإن انطفأ صوتها يومًا، يبقى صداها مقيمًا في داخلنا، يذكّرنا بأن ما نحبّه لا يموت… بل يواصل العيش في ذاكرة لا تنطفئ.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١
- المقهى الأخير
- حِذاءُ كريم
- بائعة الساعات
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر
- سارة
- يا راحلتي — نورٌ لا ينطفئ
- طيور السطح
- العراق بين حلم الدولة المدنية وواقع المحاصصة
- بيت الزجاج


المزيد.....




- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..
- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - راديو أم خزعل