أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بائعة الساعات














المزيد.....

بائعة الساعات


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8523 - 2025 / 11 / 11 - 12:12
المحور: الادب والفن
    


مرثية صغيرة لامرأة تبيع الزمن ولا يراها أحد

في شارع الرشيد، قرب باب المعظم، حيث تختلط رائحة التاريخ بأنين الحاضر، كانت تقف امرأةٌ نحيلة تحمل على صدرها لوحًا من الكرتون علّقت عليه ساعات يدٍ متواضعة. كانت الساعات تلمع تحت الشمس كأن الزمن نفسه يعرض تجارته على المارة.
اسمها نرجس.
لم تكن الساعات أصلية، وربما لم تُقنع أحدًا إن فحصها بعين خبيرة، غير أنّ الناس اعتادوا الوقوف عندها. لم يجذبهم لمعان المعدن، بل شيء آخر يتخفّى في ابتسامتها الهادئة، وفي صوتها الذي يشبه همس امرأةٍ تعرف قدر الألم وقد سارت فيه وخرجت دون صخب.
كانت نرجس أرملة منذ خمس سنوات. زوجها، عامل بناء، سقط من السلم في ورشة قريبة من ساحة الطيران. قيل إن الموت كان سريعًا، لكن الفاجعة كانت بطيئة؛ بدأت يومًا بعد يوم، وهي تبحث عن عمل لا يهين كرامتها، فلم تجد إلا الشارع.
هكذا وقفت تبيع الزمن.
وكانت تُجيد شيئًا لا يتقنه غيرها: ترميم القلوب قبل الساعات.
إذا وقف أمامها رجلٌ عجوز يرتجف صبرًا، قالت بابتسامة دافئة:
"هاي ساعة الصبر، عمو… تذكّر: العمر ما ينقاس بشكد يطول… ينقاس بشكد إحنا نتحمّل."
وإذا جاءها شابٌ تسبق خطاه همومه، قالت له:
"خذها… وإذا ضاق صدرك، شوف العقارب شلون تمشي… كل ضيقة إلها نهاية."
وإذا جاءت امرأةٌ منهكة، متعبة الروح:
"الدنيا دواره … اللي يروح يرجع. الله ما ينسّى واحد."
كانت كلماتها تخرج من ذاكرةٍ امتلأت بالليل قبل أن تعرف الصباح.
وذات يوم شتوي، اقترب منها شابٌ أنيق الثياب، تلمع ساعةٌ ذهبية في معصمه.
كان واضحًا أنه لا يحتاج ساعة، ولكن شيئًا فيها أوقفه.
قال لها ببرودٍ ظاهر يخفي اضطرابًا داخليًا:
"عمري… شكد أرخص ساعة عدّج؟"
نظرت إلى ساعته اللامعة، ثم إلى عينيه اللتين تعب فيهما شيء غير مُسمّى، وقالت بهدوء:
"إنت مو ناقصك ساعة… إنت ناقصك تهدّه."
تغير وجهه، وقال بنبرة دفاعية:
"إنتِ شتعرفين عنّي؟"
لم ترد.
رفعت ساعةً بسيطة وقالت:
"زوجي الله يرحمه… كان يركض ورا الوقت يوميّة… حتى اختنقت روحه وگام يوكع. الوقت ما كان ناقصه… اللي ناقصه هو يفهم نفسه."
سكت الشاب طويلًا.
ثم اشترى ساعة بثمنٍ كبير، ومضى دون أن يقول شيئًا.
ومن يومها صار يأتي كل أسبوع، لا ليشتري، بل ليجلس جانبها، كأنه وجد عندها بابًا صغيرًا للراحة.
لكن الجسد يُنهك حتى لو صبر.
وفي مساءٍ ماطر، حين خفّ الضوء فوق الشارع، شعرت نرجس بدوار خفيف.
حاولت أن تثبّت قدميها… فلم تستطع.
هوت ببطء، كمن يسلّم كل ما حمله العمر من حزن.
تجمع الناس.
قال أحدهم:
"أسرعوا… خلّونا نوديها للمستشفى!"
غير أن طفلها الصغير، الذي كان يمسك بلوح الساعات بكفّين صغيرتين، قال بصوتٍ مُرتجف:
"يمّه… مو جنتي تكولّين الزمن ما يوكف… مو؟"
فتحت نرجس عينيها بصعوبة، وابتسمت كما تبتسم شجرة أنهكتها الرياح:
"إي يمّه… الزمن ما يوكف… بس إحنا… إحنا نختار شلون نعيش بيه."
ثم أغمضت عينيها بسلام.
قال احدهم ممن كان يراقبها يوميا ومطلع باحوالها:
فعلا ، إن الزمن لا يملك قلوبنا. نحن من نمنحه القدرة على الجرح أو الشفاء.
فالوقت، كما كانت نرجس تقول، لا يقف ولا يتراجع…
لكن الإنسان يستطيع أن يتوقّف لحظة،
ينظر إلى نفسه،
ويختار الطريق من جديد.
لعلها كانت تبيع الساعات…
لكنها في الحقيقة، كانت تبيع معنى البقاء حيًّا.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر
- سارة
- يا راحلتي — نورٌ لا ينطفئ
- طيور السطح
- العراق بين حلم الدولة المدنية وواقع المحاصصة
- بيت الزجاج
- لم يعد… لكنه عاد
- قاربٌ من الطين
- تنّور أم زينب
- ذكرى لا تُباع
- ألمُ الفقد
- نبضٌ لا يموت
- ضجيجُ العيش وصمتُ الحكمة
- حديقة البيت رقم ١٧
- ظل الصباح
- الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر
- مقهى على دجلة


المزيد.....




- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 
- الدوحة 35.. معرض كتاب يكبر في زمن ينكمش فيه القراء
- مهرجان كان: حضور محترم للأفلام العربية وتكريم للممثل المصري ...
- 7 دقائق كلفت 102 مليون دولار.. تقرير فرنسي يندد بالإهمال الأ ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بائعة الساعات