أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر














المزيد.....

الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8504 - 2025 / 10 / 23 - 12:00
المحور: الادب والفن
    


في قصتنا هذه تتقاطع الواقعية البوليسية مع الهوس النفسي بأسلوب يذكّر بأفلام هتشكوك، حيث يتحوّل المحقق من باحثٍ عن الحقيقة إلى جزءٍ منها، وتتلاشى الحدود بين الجريمة والضمير، بين القاتل والمقتول.

كان صباح بغداد بارداً كأنّ المدينة تستيقظ على وجعٍ قديم.
الضباب يتدلّى فوق نهر دجلة، والماء الرمادي يعكس وجوه المارّة في صمتٍ ثقيل.
عند الضفة، كان الصياد العجوز يحاول إلقاء شبكته حين شعر بأن الحبل تعلّق بشيءٍ ثقيل. سحب الشبكة ببطء، فخرج منها جسد رجلٍ بوجهٍ مائل إلى الزرقة، وعينين نصف مفتوحتين تحدّقان في اللاشيء.
صرخ الصياد، فتجمّع المارّة، وجاءت سيارة الشرطة بعد دقائق.
وقف الرائد سيف قرب الجثة، نظر إليها طويلاً، ثم قال:
ـ "في الأربعين تقريباً… لا هوية، لا هاتف، لا شيء يدلّ عليه."
لكن سيف شعر بأن الجسد يخفي قصة أكبر من مجرد موتٍ في نهر.
كان هناك شيء غريب في ملامحه، مزيج من السكينة والدهشة، كأن الرجل لم يمت من خوف، بل من مفاجأةٍ قاسية.
نُقل الجسد إلى الطب العدلي، وسُجّل في السجلات الرسمية باسم: مجهول الهوية.
وفي المساء، جلس سيف في مكتبه أمام لوحة بيضاء كتب عليها بخطٍ أحمر:
الدافع؟ المكان؟ من الأخير الذي رآه؟
الملف خالٍ تقريبًا: لا بصمات واضحة سوى واحدة باهتة على حافة الحزام الجلدي، ولا أثر لعنفٍ سوى ضربةٍ دقيقة على مؤخرة الرأس. لا سرقة، لا مقاومة.
قال أحد المساعدين:
ـ "يمكن حادث سطو فاشل، سيدي؟"
فأجابه سيف بنبرة هادئة:
ـ "لا، السارق ما يترك ساعة سويسرية ثمينة ولا خاتم غالي. القاتل يعرفه… ويعرف كيف يضرب."
بعد أيام، جاء تقرير الطب العدلي:
"الوفاة نتيجة ضربة حادة بأداة معدنية ثقيلة من الخلف، على حين غِرّة، قبل أربعٍ وعشرين ساعة تقريباً من العثور على الجثة."
قرأ سيف التقرير أكثر من مرة. ثم نهض، وخرج نحو جسر الجمهورية، حيث وُجدت الجثة.
الليل ممطر، والأضواء ترتجف على الماء. وقف قرب الجدار الحجري، فلاحظ بقعة داكنة تحت لوحة صدئة كُتب عليها بالطلاء الأحمر:
«الموت للوطن خيانة»
مرّر يده على الجدار، شعر بخشونة الدم اليابس. همس لنفسه:
ـ "هنا سقط… وهنا بدأت الحكاية."
في اليوم التالي، استدعى بائع الشاي الذي يقف عند الجسر منذ سنين.
ـ "يوم الحادث، شفت أحد؟"
قال الرجل وهو يحاول التذكّر:
ـ "إي سيدي، شفت رجل ببدلة رمادية، وياه واحد ثاني. جانوا يتجادلون شوي، بعدين راحوا صوب الجسر. سمعت صوت شي انكسر أو ضربة قوية، وبعدها سكت المكان."
ـ "تتذكر ملامحه؟"
ـ "وجهه ما واضح، بس صوته… غريب، كأنه مبحوح أو مصاب بزكام مزمن."
سجّل سيف الملاحظة بخطٍ ثقيل:
«صوت مبحوح – بدلة رمادية».
بعد أسبوع، ظهرت مفاجأة غريبة:
عُثر على سيارة مهجورة قرب ساحة الطيران، داخلها بقع دم مطابقة لدم الضحية، وفي صندوقها الخلفي كاميرا صغيرة تحمل شعار قناة إعلامية قديمة أُغلقت منذ سنوات.
أرسلها سيف إلى المختبر، وبعد أيام استعادوا جزءاً من تسجيلٍ قصير:
رجل يقف تحت الجسر ليلاً، يتحدث مع آخر خارج الكادر، ثم يقول صوتٌ مبحوح بوضوح:
"ما كنت تتوقعني، مو؟"
ثم تُسمع ضربة مكتومة وصوت سقوط في الماء، وتنقطع الصورة.
تجمّد سيف أمام الشاشة.
كان الصوت مألوفًا… سمعه من قبل، لكنه لا يتذكّر أين.
بدأ يشكّ بأن الجريمة لم تكن صدفة، بل مسرحية أُعدّت بدقّة، وربما هو نفسه جزء منها دون أن يدري.
ليالٍ طويلة قضاها سيف قرب الجسر.
كان يقف وحيدًا في الظلام، يسمع صدى خطواته يتردّد بين الأعمدة المعدنية.
أحيانًا يرى خيال رجلٍ ببدلة رمادية على الطرف الآخر من الجسر، يختفي كلما اقترب.
وأحيانًا يسمع الصوت ذاته، خشناً ومبحوحاً، يأتيه من الماء:
"ما كنت تتوقعني، مو؟"
بدأ يفقد النوم، وصار يشكّ في كل شيء، حتى في ظله.
في إحدى الليالي الماطرة، وجد نفسه أمام نفس اللوحة المعدنية، ينظر إليها طويلاً.
كأن الكلمات تخاطبه هذه المرة:
«الموت للوطن خيانة»
ابتسم بمرارة، وتمتم:
ـ "كنت أبحث عن خائنٍ للوطن، فاكتشفت أن الخيانة كانت تسكن ظلي."
بعد أيام، لم يعد أحد يراه في الدائرة.
وعند الفجر، وجد أحد الحرّاس معطف الرائد سيف معلّقاً على درابزين الجسر، وقبعته تطفو على الماء.
وفي دفتره الجلدي الصغير كانت آخر جملة كتبها بخطٍ مرتجف:
"القاتل لم يغادر الجسر… ربما كنتُ أنا من حمل ظله دون أن أعلم."
أُغلق الملف في مديرية التحقيقات تحت عنوان:
القضية رقم ٤٢١ – ظلّ الجسر – مفتوحة حتى إشعار آخر.
لكن بائع الشاي يقول إنه في كل فجرٍ ضبابي، يرى رجلًا ببدلة رمادية يقف عند الجسر، ينظر إلى الماء طويلاً… ثم يختفي مع أول ضوء نهار.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقهى على دجلة
- كرسيٌّ فارغ… ووردةٌ على الطاولة
- مرثيّة الظلّ البعيد
- عزاء في الأزقة
- وصيّة في باص مزدحم
- رائحة الخبز في بغداد
- ساعة لا تدقّ
- مقعد في قاعة الانتظار
- حُلْمٌ يُحاكَمُ في اليقظة
- كلية واحدة للحب
- مرثيَّةُ الرُّوحِ الغائبة
- الطريق الى المخيم
- رسالة لم تُسلَّم
- ذاكرة التيار
- الفستان
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر