أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رائحة الخبز في بغداد














المزيد.....

رائحة الخبز في بغداد


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8495 - 2025 / 10 / 14 - 12:29
المحور: الادب والفن
    


حين يتنفس الفجر بالحب والرحمة
قصة من ذاكرة الصباحات البغدادية

ثمة لحظات لا تُقاس بالزمن، بل برائحةٍ تملأ القلب قبل الأنف.
ورائحة الخبز في بغداد عند الفجر ليست مجرد نكهة، بل ذاكرة وطنٍ ينهض من رماده كل صباح، ويدفئ جياعه بالرحمة قبل النار.
عند الفجر، خرج "أبو علي" من فرنه الفخاري حاملاً صينية خبز حار تفوح منه رائحة تشبه الطفولة.
وقف أمامه فتى نحيل يحمل بيده ورقة نقدية صغيرة. قال بخجل:
ـ "عمي، أريد رغيف واحد بس."
توقف أبو علي لحظة وسأله:
ـ "ليش مو خمسة؟"
خفض الفتى رأسه وقال:
ـ "هذا اللي أملك."
ناولَه رغيفين وقال بابتسامة أبوية:
ـ "عمت عيني على العراق، ما يستاهل شبابه ينامون جياع."
منذ ذلك اليوم صار الفتى يعود كل فجر، يشتري رغيفاً، فيُضاعف له أبو علي العدد بلا كلمة، وكأن الخبز صار رسالة صامتة بالرحمة.
في ذلك الطابور، كان رجل مسن يتكئ على عصاه، يرتجف من البرد، وقد بدا عليه التعب وكأنه يقف على أطراف أيامه.
حين وصل دوره، قال بصوتٍ مبحوح:
ـ "وليدي، سويلي خمس خبزات للبيت."
ابتسم أبو علي ووضع له ستّ خبزات، وقال بهدوء:
ـ "هاي وحدة زيادة… يمكن تمرّ عليك ضيفه، وبغداد ما ترِد الضيف خالي اليدين."
رفع الشيخ نظره، ودمعةٌ صغيرة لمعت في عينه، وهمس:
ـ "الله يعمّر دارك يا وليدي."
ثم غادر ببطء، يحمل الكيس كما لو كان يحمل ذاكرة أيامه وكرامته معاً.
وعلى الجانب الآخر من الطابور، كانت شابة تحمل كيساً قماشيّاً تنتظر دورها بهدوء.
من بعيد، كان شابٌّ يقف في صف الرجال، يرمقها بنظرةٍ عابرة، لا يجرؤ أن يطيلها.
لم يتكلما، لكنّ عيونهما التقت للحظةٍ قصيرةٍ كأنها وعدٌ مؤجل، أو حلمٌ بسيط ضاع بين دخان الفرن وضجيج الصباح.
وفي تلك اللحظة العابرة، هبّت نسمة باردة حرّكت شالها الرمادي، فابتسم الشاب دون قصد، بينما أسدل عينيه بسرعة كمن ارتكب ذنبًا جميلاً.
كان الصمت بينهما أبلغ من الكلام، ورائحة الخبز من حولهما جعلت تلك اللحظة الصغيرة تتوهج بدفءٍ يشبه الحبّ في بدايته.
حين امتزج دخان الفرن بنور الصباح، بدا كأن بغداد كلّها تستيقظ على رغيفٍ من الأمل.
الخبز لم يكن طعاماً فقط، بل صوت الرحمة في زمنٍ قلّ فيه الكلام الطيب.
وفي عيون "أبو علي" كانت تتقد نار صغيرة… تشبه وطنًا ما زال يحاول أن ينهض من رماده.
حتى رائحة الخبز، حين تمرّ بين عيون العاشقين، تصير نشيدًا للحياة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ساعة لا تدقّ
- مقعد في قاعة الانتظار
- حُلْمٌ يُحاكَمُ في اليقظة
- كلية واحدة للحب
- مرثيَّةُ الرُّوحِ الغائبة
- الطريق الى المخيم
- رسالة لم تُسلَّم
- ذاكرة التيار
- الفستان
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رائحة الخبز في بغداد