أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذاكرة التيار














المزيد.....

ذاكرة التيار


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8485 - 2025 / 10 / 4 - 11:28
المحور: الادب والفن
    


حكايات أم سعد بين العتمة والصبر

في حياة الإنسان، ليس الضوء وحده ما ينير الطريق، بل أحيانًا تكون العتمة معلمًا خفيًّا، يربّي في الروح صبرًا أكبر من أن تطفئه مصابيح الدنيا. وما التيار الكهربائي إلا رمز صغير، لكنه قادر أن يحوّل ليالي الناس إلى امتحانٍ للنفس، ويعلّمهم أن الانتظار باب واسع للحكمة.
جلس سعد، الجرّاح المعروف اليوم، في صالون بيته البغدادي الهادئ. أمامه جلست زوجته سناء، الطبيبة المصرية، وقد جمعت أوراقها ورفعت عينيها نحوه بابتسامةٍ تسأله أن يحكي. كان الليل ساكنًا، والساعة القديمة على الجدار تُحصي الوقت بتثاقلٍ مملّ، حتى كأنها تئنّ.
قال سعد بصوتٍ يقطر حنينًا:
– "سناء… هل أخبرتكِ من قبل كيف كنّا نعيش؟ كيف كنّا ننتظر الكهرباء كمن ينتظر خلاصًا من الغرق؟"
ابتسمت سناء وقالت:
– "حدّثني يا سعد. في مصر عرفنا الانقطاع، لكنه لم يكن قدَرًا يوميًّا. أريد أن أسمع حكايتكم كاملة."
تنهد سعد، وألقى بنفسه في أحضان الذكرى:
– "في حيّنا القديم، لم يكن التيار كهرباءً فقط، بل كان امتحانًا يوميًّا للصبر. كل بيت يملك مولّدًا صغيرًا، لكن المولّد الأكبر كان في قلوبنا… اسمه الصبر. كنّا نصعد إلى سطح بيتنا عند المساء، بيت أم سعد – أمي – والجيران كلهم معنا، ننتظر الضوء كما ننتظر ضيفًا غامضًا لا نعرف متى يطرق الباب."
توقف لحظةً كأنه يرى المشهد أمامه:
– "الصغار يلعبون لعبة الظلال على الجدران، النساء يتهامسن عن الغد المجهول، والرجال يسردون حكايات الحصار. أما نحن الطلبة فقد درسنا على وهج الشموع. لا أنسى أبي – رحمه الله – وهو يصلح الأسلاك بابتسامةٍ مطمئنة، ثم يغادرنا مهاجرًا في سفر طويل، تاركًا أمي وحيدة. كانت تقول لنا: الظلام ليس وحشًا، بل درسٌ في الصبر… والنور سيأتي ولو بعد حين."
أطرق برهة، ثم رفع صوته قليلًا وكأنه يناجي نفسه:
– "كنت أسأل نفسي: هل يمكن أن يظل الإنسان أسيرًا للعتمة؟ ثم أكتشف أن في داخلنا نورًا لا ينطفئ. كل مرة ينقطع فيها التيار، كنا نتعلّم أن القوة ليست في المولدات ولا في الأسلاك، بل في قلوبٍ تعرف كيف تصبر وتنتظر."
ابتسمت سناء وقد بدا التأثر على ملامحها:
– "ومع ذلك… ألم تشعروا بالحرمان؟"
أجابها سعد:
– "بلى، كان الحرمان حاضرًا، لكنه كان يعلّمنا غنىً من نوع آخر. حين تضيء لمبة صغيرة فجأة، كان الحي كله يهتف: أجت!… لم تكن لمبة، كانت حياة. نركض لنشغّل ما انطفأ فينا قبل أن نشغّل الأجهزة. الراديو يصدح: يا دجلة الخير يا أم البساتين، وأمي تتمتم: رحم الله أيامًا كان الصوت يكفي. وعندما ينقطع التيار ثانيةً، لا نتفرق، بل نواصل الحكايات… نروي للظلام عن نورٍ قادم."
مدّ يده إلى كأس الماء، ثم قال وكأنه يضع الخاتمة:
– "نجاحي يا سناء لم يولد في قاعات الجامعة، بل على سطح بيت أم سعد. هناك وُلد حلمي أن أكون جرّاحًا. الكتب التي ذابت على وهج الشموع حملتني إلى هذا المقام. وما نحن فيه اليوم ثمرة امرأة اسمها أم سعد، علّمتنا أن التيار قد يخون، لكن القلب إذا امتلأ بالصبر لا يخون أبدًا."
ساد صمتٌ عميق. الساعة القديمة على الجدار ما زالت تدور بتثاقل. ابتسم سعد وأغمض عينيه كمن يختم رواية العمر:
– "قد تتوقف الساعة عن الدوران، لكن الزمن لا يتوقف في قلوب من حوّلوا العتمة إلى نور."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفستان
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل
- بين البندقية والباسون
- ذكريات لا تُنسى / ٣
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا
- انتظر .... عسى الله يفرجها


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذاكرة التيار