أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الفستان














المزيد.....

الفستان


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8484 - 2025 / 10 / 3 - 11:45
المحور: الادب والفن
    


"بعض الأقمشة أثقل من الحديد حين تكون محشوّةً بذكريات."
في حياة كلّ إنسان أشياء بسيطة تتحوّل بمرور الزمن إلى أوطان صغيرة للذاكرة؛ قطعة قماش، صورة قديمة، أو حتى حجر وورقة. وفي قلب "أبو سمير" لم يبق من زوجته الراحلة سوى فستان أسود وحيد، صار أثقل من الحديد لأنه مشبع بروحها.
لم يبق من ثيابها سوى ذلك الثوب المنزلي البسيط، الذي اعتادت أن ترتديه داخل البيت. أما بقية الملابس فقد تصدّق بها، حتى كرسيها المتحرك والعصا التي كانت تتوكأ عليها. بقي الفستان وحيدًا في الخزانة ـ أو كما يسمّيه أهل البيوت القديمة "الكنتور" ـ معلّقًا في صمتٍ يشبه الصلوات المكتومة.
كان "أبو سمير" يفتح الخزانة بين حينٍ وآخر، يمدّ يده بحذرٍ نحو الفستان، كأنّه يلمس أطراف روحٍ ما زالت تحوم حوله. رائحة عطرها البسيط ما زالت تفوح من القماش، تعيده إلى ليالٍ كانت فيها تملأ البيت بخطواتها وضحكاتها، وإلى صبرٍ لم يعرف له مثيل.
تذكّر ذلك الصباح البعيد، حين همّ بالخروج إلى وظيفته، فلاحظ أنّ الفستان ممزّق من أحد جانبيه. كانت سنوات الحصار تنخر الأجساد وتسرق القوت، والراتب الشهري لا يكفي سوى عشرة أيام. أما هو، فكان يقود سيارته في بقية الشهر كسائق أجرة. لم تطلب منه يومًا شيئًا، لا ثوبًا ولا زينة، بل كانت تكتفي بابتسامة راضية. يومها اغرورقت عيناه بالدموع، وأقسم أن يشتري لها فستانًا جديدًا من أول راتب يتحسّن. وقد فعل؛ وحين انتقل بعد أشهر إلى دائرة أوسع رزقًا، ذهب معها إلى السوق واشترى لها أربعة فساتين دفعةً واحدة. لكنها، بحكمة قلبها، أبقت ذلك الفستان الأسود لأنه جاء في أتعس الأوقات، وصار شاهدًا على صبرها.
جلس ذات مساء على حافة السرير، أخرج الفستان ووضعه على ركبتيه. مرّر يده على الأزرار الصغيرة، ثم رفع الحافة وقبّلها كما لو كان يقبّل يدها. تردّد في أذنه صدى كلماتها الأخيرة: "تصدّق بملابسي كلها، لكن أبقِ هذا الفستان… ففيه بقاياي." عندها فهم أنّ الفستان لم يعد قماشًا، بل صار ذاكرةً مكثّفة، ووعاءً لنبضٍ انقطع.
وفي ليلة خانقة بلا كهرباء، خرج إلى الشرفة واضعًا الفستان على كتفيه. نسمةٌ خفيفة حرّكت الأكمام، فأحسّ بها تربّت عليه. لم يكن وهمًا، بل عزاءً منسوجًا في خيوط سوداء.
وفي صباحٍ تالٍ، وهو يحتسي قهوته، لمح انعكاسه في زجاج المكتب؛ فرأى نفسه ورأى ظلّها في الفستان، يقفان معًا كجسدين متداخلين. ابتسم فيما دمعة ساخنة تحفر مسارها على وجنته، وعاد مساءً ليعلّقه في مكانه بهدوء.
أغلق الخزانة وهمس:
"نامي الآن… غدًا عيدٌ آخر."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل
- بين البندقية والباسون
- ذكريات لا تُنسى / ٣
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا
- انتظر .... عسى الله يفرجها
- ابتسامة على دفتر الدَّين


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الفستان