أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذكريات لا تُنسى / ٣














المزيد.....

ذكريات لا تُنسى / ٣


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8469 - 2025 / 9 / 18 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


أبو نؤاس وذكريات الطفولة بين دجلة ووجوه بغداد

تمتد بي الذاكرة إلى طفولتي كلما مررتُ بشارع أبي نؤاس بحُلّته الجديدة. كم كان هذا الشارع رائعاً، وكم يفيض في داخلي من صور لا تُنسى. كنتُ أقف عند حافة دجلة ساعة الغروب، أراقب انعكاس الشمس على مياهه، وأتساءل: كم ذاكرة خبّأها في عمقه؟

كان الشارع يومها عالَماً قائماً بذاته؛ الكازينوهات تضجّ بالحياة، والملاهي الليلية تلمع بأضوائها، والفنادق تستقبل السائحين من كل صوب. وعلى الضفة المطلة على النهر، تصطف أكشاك السمك "الجرادغ"، وروائح الشوي تعبق في الهواء. وفي الصيف، حين ينخفض منسوب الماء، كان جرف النهر يزدان باللوبية الصيفية، فيما سيارات الرمل "الزميج" لا تهدأ حركة.
كنتُ أنا وصديقي داود نحمل "المصيادة" نصطاد العصافير الصغيرة. كثيراً ما طاردتنا الشرطة، أو صاح بنا أصحاب المنازل الغاضبون. وكم من مرة كسرنا زجاج النوافذ، أو تسلّقنا أشجار التوت (التكي) والنبق (النبك)، نسرق الثمر ونضحك ببراءة الصغار.
وحين يأتي الليل، كان الشارع يزداد حياة؛ العوائل تفترش الأرصفة، الروّاد يتزاحمون على المقاهي والكازينوهات، والسياح الأجانب والعرب يتأملون دجلة بدهشة كأنهم أمام مسرح أسطوري. الأغاني تنبعث من المقاهي، أصوات أم كلثوم تمتزج مع ضحكات السهارى وأحاديث العشّاق، فيصير الليل كرنفالاً متواصلاً.
ولا أنسى أن أبي كان يرتبط بعلاقة شخصية مع الفنان وجيه عبد الغني، الذي كان بيته في شارع أبي نؤاس، وبالقرب منه بيت الدكتور مهدي كبة. ذات مرة، حملني وجيه عبد الغني بين يديه وهو يضحك، يداعبني بمحبة وقال لأبي:
ــ «دير بالك عليه يا أبو صبحي».
ثم وضع في يدي ديناراً واحداً، ظلّ محفوراً في ذاكرتي كأنه كنز، لا لقيمته، بل لحرارة تلك اللحظة. كانت تلك اللمسة الإنسانية جزءاً من ذاكرة شارع لا يشبه أي شارع، ومدينة كانت تُضيء قلوب أهلها قبل أن تُضيء مصابيحها.

سيبقى شارع أبي نؤاس بالنسبة لي أكثر من مكان؛ إنه مرآة لطفولتي، ودفترٌ مفتوح يروي حكايات بغداد كما لم تروها الكلمات. كلما مررتُ به، شعرت أنني أسير بين أطيافٍ لا تموت، وضحكاتٍ ما زالت معلّقة في هواء المدينة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا
- انتظر .... عسى الله يفرجها
- ابتسامة على دفتر الدَّين
- نزف الغياب
- ظلّ البطاقة
- لقاء الأرواح
- أبنة السجان
- السيّار… حين يتوقف الحديد وتتحرك القلوب
- الرصاصة الرابعة
- الجندي المجهول _ حكاية الهوية العراقية
- نور في العتمة
- أشبيدي آنه ؟
- صوت وطن
- الضفة الاخرى
- مدرسة الطين
- عقاب الماء البارد


المزيد.....




- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...
- الفنان توفيق عبد الحميد يحسم اعتزاله بلا رجعة.. وهذه أسبابه ...
- بوتمن: مشروع أول جامعة متخصصة في موسيقى الجاز في روسيا جاهز ...
- -الحرب لا تنتهي عند الرصاصة الأخيرة-.. مصور إسباني يوثق جراح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ذكريات لا تُنسى / ٣