أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضفة الاخرى














المزيد.....

الضفة الاخرى


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8453 - 2025 / 9 / 2 - 20:54
المحور: الادب والفن
    


القرية بدت كأنها تُوقظها كل يوم موجة جديدة. الطين يزحف في الأزقة، رائحة القصب المبتل تختلط بدخان المواقد، والبعوض يحوم فوق المصابيح المطفأة. الأطفال يركضون حفاة، النساء يصرخن من الضفة، والرجال يتحلّقون أمام دكان أبي زامل يتجادلون:
– «الماء يعلو… من يعبر بنا؟»
– «من عنده قارب؟»
ظهر حيدر، شاب في أواخر العشرين، نحيل الساقين، عابس القسمات، يجرّ قاربه الخشبيّ الملطّخ بالقطران. لم يكن وسيمًا، لكن في عينيه بريق عناد. صاح أحدهم: «ها هو حيدر!» فأجاب بهدوء: «من يريد العبور… فليتقدّم. اليوم أنا بخدمتكم.»
بدأت الرحلات. النساء أولًا، ثم الأطفال، وبعدهم الشيوخ. كانت أم رقية، بعطر حنّائها ومسبحتها الخضراء، تتمتم بالدعاء. المعلّم عادل، صديق الطفولة، قال له وهو يصعد القارب: «مكانك في الجامعة يا حيدر، لا فوق هذا الخشب.» ابتسم حيدر: «دروس النهر أوضح من كتب الجامعة.»
على الضفة الأخرى، تقدّم أبو زامل، ممتلئ الجسد، يلمع خاتمه الذهبي تحت الشمس: «خذ هذا المال، اشترِ به محركًا.» رد حيدر وهو يشدّ الحبل إلى وتد: «اليوم أنا بخدمتكم… غدًا قد أحتاجكم.» همس الناس بالإعجاب، لكن همسات أخرى سرت: «يريد وجاهة… يتظاهر بالتقوى.»
وفي إحدى الرحلات، كانت بينهم شذى بنت الشيخ، ابنة الثالثة والعشرين، معلمة المدرسة الابتدائية. جلست في القارب بوقار، حتى باغتتهم موجة عالية ارتجّ لها الخشب وكاد ينقلب. تشبثت بيده في فزع، وقالت مرتجفة: «لا تتركني وحدي.» لحظة قصيرة أشعلت جمرة في قلبيهما. لم يقل شيئًا، لكنها نظرت إليه نظرة لم تحتج إلى كلام.
منذ تلك اللحظة، صار قلبه أثقل. كان يردّد عبارته للناس، بينما في داخله سؤال خفي: أيسعف الآخرين ويترك نفسه؟ أم أن ما يفعله قدرٌ لا فكاك منه؟
وفي ليلة داكنة، جاءوا بمريض يحتضر. وضعوه في وسط القارب. جلس قاسم الصغير عند قدميه، وأم رقية أمسكت بيده. صاح أبو زامل من الضفة: «إلى متى ترفض المال؟ أتريد أن تصير زعيمًا علينا؟» شعر حيدر كأن شكوك القرية كلها انغرست في صدره. دفع القارب رغم ذلك.
في منتصف النهر اصطدم القارب بخشبة خفية، وتسرّب الماء. بحث حيدر عن شيء يسدّ الثغرة. لم يجد إلا ورقته المشمعة، شهادته الإعدادية. نظر إليها طويلًا، ثم إلى المريض والطفل، وأدخلها في الشق وثبّتها بخنجر صغير. توقّف النزف. أحسّ أنه ألقى جزءًا من نفسه إلى الماء.
على الضفة، كانت شذى تراقب. وضعت يدها على قلبها، دمعة سالت وهي تهمس: «هذا الرجل… يضحي حتى بمستقبله.»
وصل القارب بسلام. ارتفعت الأصوات: «أضاع مستقبله!» «بل وجد مستقبله!» تقدّم أبو زامل، صوته هذه المرة خافت: «أنا المخطئ… الخير لا يُقاس بالمال.» ألقى محفظته على الأرض، وتبعه الناس. حتى قاسم وضع طائرته الحمراء في صندوق صغير: «هذه تطير لمن لا يملك جناحًا.»
جلس حيدر على حافة القارب، عينيه معلقتين بالماء الذي ابتلع شهادته. قال بصوت منخفض: «المستقبل… أن نصل جميعًا للضفة الأخرى.» ساد الصمت لحظة، ثم ارتفع صوت ضحك قاسم وهو يركض بطائرته الجديدة.
أما شذى فبقيت واقفة بين النساء، صامتة، نظراتها معلّقة به. لم تقترب، ولم تتكلم، لكن يدها التي تمسكت به في لحظة الخوف ظلّت ممسكة به في قلبه.
وعادت القرية إلى صخبها المعتاد: أبو زامل ينقل الأرز بالحمير، أم رقية توزع أعشابها، المعلّم عادل يحلم بصفوف مسائية، وقاسم يركض في الأزقة. وحده حيدر ظلّ يعبر القارب، أكثر صمتًا من قبل، لكن في داخله نهر جديد. وفي ليلة هادئة، جلس قرب الماء، نظر إلى انعكاس القمر وهمس: «لقد حملتهم… فحملوني.» ثم دفع مجدافه، فانشقّ وجه الماء إلى طريق واضح، كأنه ينتظر هذه الضربة منذ بدء النهر.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدرسة الطين
- عقاب الماء البارد
- ومضات العمر
- دم في نفس الشارع
- السوق _دكة العطار
- حين سلمني ابي
- الكرسي الفارغ
- حلم التخرج
- النافذة التي لا تُفتح
- بين النخيل
- حين تسقط الاقنعة
- صحوة القلب
- زهرة ذبلت قبل الربيع٤
- الصندوق الأخير
- الحب عبر الجدار
- رسالة بين دفّتي كتاب
- الشمعة والريح
- قصة حب واحدة… وحياة كاملة
- صويحبتي
- حين يغسل المطرُ الوجوه


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضفة الاخرى