أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الصندوق الأخير














المزيد.....

الصندوق الأخير


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8442 - 2025 / 8 / 22 - 08:42
المحور: الادب والفن
    


قد يطول العمر بين رجلٍ وامرأة، فيظنّ الناس أن سرّ التفاهم قد استُكمل، وأن المودة التي جمعت بينهما قد أذابت كل غشاوة، حتى لم يبقَ بينهما ما يُخفى أو يُكتم. غير أنّ الإنسان، أيّاً كان قربه أو وفاؤه، يظلُّ عالماً غامضاً، فيه زوايا مظلمة لا تُضاء، وأسرار لا يجرؤ اللسان على الإفصاح بها.
إنّ الصمت في الحبّ أشبه بالملح في الطعام: قد يحفظه من الفساد، لكنه إن زاد خنق الطعم حتى يذهب بروحه. وهكذا، يظلّ السؤال الأبدي: أيهما أصدق، أن تُبنى البيوت على صراحةٍ عاصفة تهزّ الأركان بين حينٍ وآخر، أم على صمتٍ يدفن الغضب في الأعماق حتى يتراكم كغبارٍ لا يُرى؟

لقد علّمنا العمر أن الوجوه المبتسمة كثيراً ما تخفي وراءها دموعاً لا تُرى، وأن البيوت الصامدة ليست دائماً دليلاً على السعادة، بل ربما تكون شاهداً على صبرٍ مريرٍ وحكمةٍ مُكلِفة. فما أتعس أن يعيش الإنسان دهراً وهو يظنّ نفسه محبوباً بغير قيد، ثم يكتشف متأخراً أن الحبيب ابتلع من أجله آلاف الصرخات ولم يُخرج منها إلا ابتسامة!

في بيتٍ قديم، عاش رجل وامرأة ستين عاماً متعانقين في رحلة العمر. لم يفرّق بينهما شيء، ولم يعرفا للخلاف أثراً يُذكر. كانا يقتسمان الكلام كما يقتسمان الخبز، ويتقاسمان الخدمة كما يتقاسمان الراحة. لم يكن بينهما سر… سوى صندوقٍ صغير احتفظت به الزوجة على رفٍّ عالٍ، وكرّرت على مسامع زوجها وصيتها:
– "لا تفتحه، ولا تسأل عمّا فيه."

فاحترمها الرجل، ولم يسأل. ومضت الأعوام، حتى جاء اليوم الذي هدّ المرض جسدها، وجلس هو إلى جوارها يعدّ أنفاسها المتعبة. وأثناء لمسه لذكرياتهما، وقع بصره على الصندوق. حمله وجلس بقربها، فابتسمت ابتسامةً شاحبة وقالت:
– "لقد حان الوقت… افتحه."

فتح الصندوق، فوجد دميتين صغيرتين من القماش، وإبرة كروشيه، ومبلغاً كبيراً من المال تجاوز خمسة وسبعين ألف دولار. تملّكته الحيرة، فسألها. أجابته بصوتٍ متقطّع:
– "يوم زواجنا، أوصتني جدتي: إذا غضبتُ منك، فلا أجادلك، بل أصنع دميةً صغيرة… هاتان الدميتان هما كل ما صنعتُه في ستين عاماً."

غمرته دموع الفرح، وقال وهو يكاد يختنق:
– "يا لروعتك! لم تغضبي مني سوى مرتين؟"

لكن عينيه عادت إلى المال، فسألها:
– "وماذا عن هذا المبلغ؟"

أغلقت عينيها، وقالت آخر كلماتها:
– "هو ثمن ما بعته من بقية الدمى…"

ثم أسلمت الروح، تاركة الصندوق مفتوحاً، والسرّ ماثلاً أمامه كمرآة لا ترحم. جلس العجوز مذهولاً، يحاول أن يفهم: هل كانت زوجته مثلاً أعلى في الحكمة والصبر، أم أسيرةً لصمتٍ طويلٍ حوّل آلامها إلى دمى تُباع في الأسواق؟

لم يجد جواباً. وكل ما بقي له هو سؤال يتردّد في أعماقه كصدى لا ينتهي:
هل يُبنى البيت على صبرٍ يُخفي الجروح، أم على صراحةٍ تُخرج الحقيقة ولو مزّقت القلوب؟
وهكذا أدرك، بعد فوات الأوان، أنّ الصندوق الأخير لم يكن صندوقاً من خشب، بل صندوق عمرٍ كامل، كُتب على غلافه: الصمت قد ينقذ البيوت… لكنه أحياناً يدفن القلوب حيّة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحب عبر الجدار
- رسالة بين دفّتي كتاب
- الشمعة والريح
- قصة حب واحدة… وحياة كاملة
- صويحبتي
- حين يغسل المطرُ الوجوه
- مرثيّة نصف عام
- رحيلٌ مؤجَّل
- حين انكسر الجدار
- الحمار الذي زأر
- نعلُ الجدِّ الذي أنقذَ الحفيد
- حُجَّةٌ... وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ؟
- بيت لا يقبل القسمة


المزيد.....




- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...
- قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟ ...
- كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟
- باب شرقي وحيّه.. حيث تبدأ دمشق ويُشرق المعنى
- الرجال لا ينهارون! كيف تُنتج ثقافة القوة إرهاقا صامتا؟
- من هم قادة الرأي الرقميون؟ وكيف يؤثّرون علينا؟
- نجلاء البحيري تطلق -امرأة الأسئلة-.. إصدار شعري جديد يطرق أب ...
- المغرب يعلن اكتشاف بقايا عظمية تعود لـ 773 ألف سنة بالدار ال ...
- بعد فوزه بعدة جوائز.. موعد عرض فيلم -كولونيا- في مصر والعالم ...
- العودة إلى الشعب: مأزق التعددية الحزبية وفشل التمثيل السياسي ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الصندوق الأخير