أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - حين انكسر الجدار














المزيد.....

حين انكسر الجدار


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8430 - 2025 / 8 / 10 - 23:11
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة من فصل احد

ثمة جدرانٌ لا تراها العيون، لكنها تحيط بالإنسان كما يحيط الهواء برئتيه. جدران من ثقةٍ، وعهد، وإيمان، تُبنى ببطء على مرّ السنين، حتى يصير هدمها أشد قسوة من الموت نفسه. وحين ينهار الجدار، لا يتساقط الحجر على الأرض، بل على القلب، فيسمع المرء داخله صدى ارتطام لا ينتهي.

عشٌّ آمن تحت سقف من ثقة.

كنت أعيش معه كما تعيش الطيور في عشّها، لا تخاف الريح ما دام الغصن ثابتًا. أربعة وعشرون عامًا من الزواج، حفظت خلالها تفاصيله كما يحفظ العابد صلاته: نبرة صوته حين يناديني، رائحة يديه حين يعود من العمل، وحتى ظلّه وهو يمر أمام نافذتي.
كان يكبرني بثماني سنوات، لكنني كنت أراه شابًا لا يشيخ، أضع في وجوده يقيني بالغد. كنت أظنّ أنّ بيتنا، بجدرانه وأسراره، محصّن من أي تصدّع.

العقدة الأولى – الشرخ الأول في الجدار

في ذلك المساء، جلس أمامي، لكن شيئًا في ملامحه بدا مكسورًا، كأن ضوء الغرفة انكسر فوق وجهه. قال بصوت هادئ، لكنه مشحون ببرود غريب:
– أريد أن أتزوج مرة أخرى.

تجمّد الدم في عروقي. سألته وأنا أتمسّك بخيط من العقل:
– ما العيب فيّ إذن؟
أجاب:
– المصيبة أنه لا يوجد عيب.

كانت الجملة كحجر يسقط من أعلى الجدار، فأدركت أنّ الانهيار بدأ. كيف لرجل يراك بلا عيب أن يفتح بابًا للهدم؟ عرضت عليه أن نذهب معًا إلى العمرة، لعلّ الطواف يطهّر قلبه من هذه الفكرة، لكنه رفض، كأن الجدار بيننا كان قد ارتفع فجأة. وحين أصرّ، أصررت أنا على الطلاق، لا عن قوة، بل عن يأس يشبه الانتحار البطيء.

خراب البيت والرحيل

حين خرجت من بيتنا، شعرت كمن يترك تحت الركام قطعة من روحه. حملت ما استطعت من الذكريات، وتركت البقية تحت سقفٍ لم يعد سقفي.
في بغداد، حيث دعاني أخي، كانت الشوارع واسعة، لكن قلبي ضيّق كزنزانة. التقيت بصديق له، عرض الزواج. رفضت في البداية، لكن صوتًا خفيًا في داخلي قال: لِمَ لا؟ أليس لك حقّ في حياة جديدة؟ وافقت، ربما عنادًا، وربما لأثبت أنّني أستطيع أن أبني جدارًا آخر.

العقدة الثانية – سقوط الجدار على رأس صاحبه

حين علم بخطبتي، جاء غاضبًا، ملامحه كوجه رجل خرج للتو من معركة:
– أنتِ لي وحدي.

لأول مرة شعرت بطعم الانتصار، فقد ذاق من كأس الغيرة التي سقاها لي من قبل. وازداد ذلك الشعور حين سمعت أنه طلّق تلك التي تزوجها، قائلًا إنه لم يجد معها الراحة.

لكن قبل كتب كتابي بيوم، جاء الخبر كالصاعقة: انهار فجأة، وراح يضرب رأسه بجدار بيته حتى أغمي عليه. في المستشفى، حيث الجدران بيضاء ببرود الموت المؤجّل، لم يطلب سوى أن يراني. هناك، كان سريره يطل على نافذة تُرى منها غيوم ثقيلة، وكأن السماء تشاركنا ثقل اللحظة.

بين جدارين
أولادي يتوسّلون إليّ أن أعود إليه، لعلّ وجودي يعيده للحياة. لكنني، وأنا أرى وجهه بين الغيبوبة والوعي، أدركت أن بيننا جدارين: جدارًا قديمًا تهدّم، وآخر شفافًا لكنه صلب، يفصل بين ماضٍ لا يعود ومستقبل لا يولد.

في غرفتي تلك الليلة، فتحت صورة قديمة لنا. كان يبتسم لي بابتسامة رجل مطمئن إلى أنّ كل شيء باقٍ، وكنت أبتسم بثقة من يظن أن الحب لا يشيخ.
وضعت الصورة على الطاولة، وأغمضت عينيّ، وسألت نفسي:
"هل يمكن للحب أن يعود حين يكون الجدار قد سقط، أم أن العودة لا تكون إلا تحت سقف آخر… وفي بيت آخر؟"



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحمار الذي زأر
- نعلُ الجدِّ الذي أنقذَ الحفيد
- حُجَّةٌ... وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ؟
- بيت لا يقبل القسمة


المزيد.....




- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...
- 5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه ...
- وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم ...
- الساحة الفنية 2026: منافسة خليجية حادة والقارة العجوز لم تقل ...
- ماذا خسرت فلسطين برحيل سادن تراثها حمزة عقرباوي؟
- اللغة العربية.. اقتحام أنيق لعالم الموضة والمجوهرات والتصميم ...
- إطلاق خدمة البث باللغة الفارسية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - حين انكسر الجدار