أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أنابيب ضائعة














المزيد.....

أنابيب ضائعة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8475 - 2025 / 9 / 24 - 17:22
المحور: الادب والفن
    


انحنى الشاب على مواسير البيت، يطرقها بمطرقته كمن يطرق بابًا موصدًا في وجهه. ساعة كاملة ظل منحنياً، والعرق يتصبب من جبينه، لكنه لم يشتكِ. صمته كان أثقل من ضجيج الأدوات، وهيئته أنيقة على غير عادة عمّال "المسطر".( ١ )
سألته وأنا أراقبه:
ــ "إنت من وين ؟"
رفع رأسه، مسح جبينه وقال بابتسامة متعبة:
ــ "آني من ذي قار، خريج معهد تكنولوجيا قسم ري."
صُعقتُ:
ــ "معهد؟ وتشتغل بالمجاري؟"
ضحك ضحكة صغيرة فيها وجع وقال:
ــ "إي حجي… الشغل ماكو بالناصرية. لا تعيين ولا فرصة. شنسوي؟ نكعد؟ جينا ندور رزقنا بهالمدينة."
ترددت لحظة ثم قلت:
ــ "وأهلك؟"
هز رأسه:
ــ "آني أعيل أبويه… وأمي تعبانة. عندي أخت معوقة، كل شهر تحتاج علاج ودوا. بعدين…" وسكت فجأة.
اقتربت منه:
ــ "بعدين شنو؟"
خفض صوته كمن يبوح بسر:
ــ "عندي وعد لازم أوفيه… خطّابة بانتظاري."
ثم ابتسم بخجل وهو يضيف:
ــ "إسْمها بسعاد… بنت منطقتنه. كلشي ما طالبة غير الستر . بس شنسوي؟ العرس هم يحتاج فلوس."

بينما كان يطرق الأنابيب، سرحت عيناه للحظة، كأنه ابتعد عن المكان. كان يرى نفسه في الناصرية، عند ضفاف الفرات، حيث جلست بسعاد ذات مساء تحت نخلةٍ يابسة. كانت تمسك كتابًا بين يديها وتبتسم له قائلة:
ــ "أريدك تظل قوي… لا تخلّي الظروف تكسر أحلامنا."
وهو يومها وعدها:
ــ "أجيبلچ بيت ولو من طين، بس يكون إلنا."
أفاق من شروده على صوت الماء المتدفق. مسح يديه، وقال لي:
ــ "خلص حجي… إنفتحت المجاري."
من النافذة المقابلة، أطلت سوسن، جارتنا، تراقبه في صمت. لم تسمع كلماته، لكنها رأت وقاره وهدوءه، فارتجف قلبها إعجابًا. نظرة عابرة، ستبقى ذكرى موجعة كلما تذكرت هذا الغريب الذي انحنى على الانابيب ثم غاب.
أنهى عمله، واعطيته اجرته ، شكرني:
ــ "ممنون منك حجي… الله يرزقك."
حمل حقيبته، ومضى في الزقاق.
تبعته بعيني حتى ابتلعه الزحام. ترك خلفه مواسير مفتوحة تسيل بالماء، وترك داخلي مواسير مثقوبة تنزف أسئلة: كم "سعد" يضيع هكذا؟ كم شهادة تُعلّق على جدران طينية كتحفة ميتة؟ كم بسعاد تنتظر وعدًا هشًّا؟ وكم سوسن تحترق بصمت لنظرة عابرة؟
ومضى سعد… جسده في بغداد، وقلبه في الجنوب، وحلمه في مهب الريح. أما أنا، فبقيت أسمع طرقاته الأخيرة على الأنابيب، كأنها طبول جنازة لوطنٍ يدفن أبناءه أحياءً… في "المسطر".

( ١ ) لمسطر : مكان تجمع اليد العاملة الرخيصة



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل
- بين البندقية والباسون
- ذكريات لا تُنسى / ٣
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا
- انتظر .... عسى الله يفرجها
- ابتسامة على دفتر الدَّين
- نزف الغياب
- ظلّ البطاقة
- لقاء الأرواح
- أبنة السجان
- السيّار… حين يتوقف الحديد وتتحرك القلوب
- الرصاصة الرابعة
- الجندي المجهول _ حكاية الهوية العراقية
- نور في العتمة


المزيد.....




- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية
- تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض ...
- تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا ...
- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أنابيب ضائعة