أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليل المستشفى














المزيد.....

ليل المستشفى


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8482 - 2025 / 10 / 1 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


كان الليل يهبط ثقيلاً على ردهة المستشفى، لا كظلّ عابر، بل كقدرٍ يُطبق على الصدور. الجدران باهتة، والأنوار الفلورية ترتجف كأنها تحتضر هي الأخرى، فيما صفير الأجهزة يشقّ السكون كأنّه نعيٌ معلّق على حافة الموت. كلّ سريرٍ هنا شاهد قبرٍ مؤجَّل، وكلّ جريحٍ نافذة مفتوحة على هاوية الغياب.
جلستُ بجانب حفيدي، جسده غارق في البياض، كتمثالٍ من رمادٍ يحاول أن يتذكّر الحياة. وجهه يلمع بالعرق البارد، وعيناه غائبتان كنجمتين انطفأتا قبل أوانهما. أخذت أروي له قصص الطفولة: عن الأزقة التي كان يركض فيها ضاحكًا، عن الطين الذي كان يلطّخ ثيابه، وعن عربات البوظة التي كان يتعقّبها بلهفة. كنت أرجو أن تعود الحياة لحظةً واحدة إلى ملامحه، لكن ما عاد إليّ سوى دمعة يتيمة، سالت ببطء على خدّه، دمعة أرهقتني أكثر من صرخات الحرب نفسها، دمعة كأنها اعترافٌ صامت: أنا أرحل يا جدّي، وأتركك وحيدًا في هذا الخراب.
في الخارج، كانت السماء شريكةً في المأساة. المطر ينحدر كدموعٍ جماعية، يطرق زجاج النوافذ بعنف، والريح تقتحم الممرّات كأنها تبحث عن آخر نفسٍ يوشك أن ينطفئ. رائحة اليود تختلط بدماءٍ جافّة، والبرد يلسع الأرواح أكثر مما يلسع الأجساد.
تساءلتُ: ما معنى كل هذه التضحية إن كانت نهايتُها سريرًا باردًا، وأجهزةً تصرخ نيابةً عن صدورٍ لم تعد تقوى على الصراخ؟ كيف أقنع نفسي أن الوطن باقٍ، إذا كانت زهوره تُقطَف قبل أن تتفتّح، ويُلقى بها على أرصفة الموت كأحلامٍ مهشّمة؟
اقتربتُ من أذنه، همست: "انهض، يا ولدي، لا تتركني"، لكنني لم أسمع جوابًا. لم يبقَ لي سوى صمته، وصوت المطر، وارتجاف مصباحٍ وحيد في الممرّ، يشبه قلبًا يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وحين أغمض عينيه فجأة، شعرت أنّ كل الحكايات التي رويتها له تلاشت في الفراغ، وأنّ روحي نفسها صارت عكّازًا مكسورًا في زمنٍ يتّكئ على الخراب. عندها أدركت أنّ المأساة ليست في الموت وحده، بل في ذلك الفراغ الذي يبتلعنا بعده، حيث لا يبقى من الإنسان سوى ظلّه المرتجف على جدارٍ مبلّل بالمطر.
أيُعقَل أن تكون ذاكرة الوطن كلّها مجرد ردهةٍ باردة، ودموعٍ على خدّ شابٍ لم يعش ما يكفي حتى ليحزن؟



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل
- بين البندقية والباسون
- ذكريات لا تُنسى / ٣
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا
- انتظر .... عسى الله يفرجها
- ابتسامة على دفتر الدَّين
- نزف الغياب
- ظلّ البطاقة


المزيد.....




- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...
- تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر ...
- نص سيريالى بعنوان( حَنجرَة تعضُّ ظِلَّها) الشاعر محمد ابوالح ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليل المستشفى