أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رسالة لم تُسلَّم














المزيد.....

رسالة لم تُسلَّم


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8486 - 2025 / 10 / 5 - 10:26
المحور: الادب والفن
    


مرآةٌ من ورقٍ أبيض

كان المساء يهبط على المدينة كعباءةٍ من غبارٍ ذهبيّ، والهواء يمرّ على الواجهات القديمة فيصدر أنينًا خافتًا كأن الحجر يذكُر أسماءً نُسيت. في مثل هذا الضوء، يصبح الزمنُ مرئيًّا: دقائق تنفلت كحبّات قمح من يدٍ متعبة، ورسائل مؤجّلة تعود إلينا بطرقٍ لا ننتظرها. فالضمير—ذلك الساعي الصامت—يوزّع علينا طرودًا من الأسئلة: لمن كُنّا نكتب حقًّا؟ ومتى نكتشف أنّ بعض الرسائل وُجّهت إلينا نحن؟
لم يكن جاسم موظّف بريدٍ عابرًا؛ كان يقرأ الأظرفة كما يقرأ الآخرون الوجوه. ومنذ سنين رافقه ظرفٌ غامض: عنوانه ممزّق، بلا بيتٍ ولا اسمٍ واضح. وضعه في حقيبته، وتحوّل بمرور الوقت إلى ندبةٍ لا تُشفى. كل محاولة لتسليمه انتهت بخيبة، ومع ذلك ظلّ يحمله كما لو كان أمانةً من قدرٍ مجهول.
حين تقاعد، أفرغ حقيبته القديمة، فإذا بالظرف يلمع بين الأوراق كجرحٍ يذكّر صاحبه بنفسه. شعر فجأة أن مهمته لم تنتهِ بعد. لم يعد الأمر واجبًا وظيفيًّا، بل صار مسألة نجاة شخصية.
خرج عصرًا إلى الأزقّة التي بدّلت ملامحها السنوات. سأل أصحاب الدكاكين، فكان الجواب دائمًا غيابًا آخر. عند بيتٍ مهجور، التقى امرأةً تكنس الغبار. نظرت إلى الاسم بصعوبة، ثم قالت بابتسامةٍ حزينة: “كتبت لي يومًا قصيدة على دفتر، ثم رحلت… ولم تعد.”
عاد جاسم مع الغروب، يتصبّب من حرّ النهار، وفي داخله سؤال أشدّ حرارة: ماذا لو كانت الرسالة تنتظره هو، لا غيره؟ جلس أمام مكتبه، وضع الظرف أمامه، ولمس حوافّه كمن يلمس كتف صديقٍ قديم. تردّد طويلًا، ثم فتحه.
كانت الورقة بيضاء، ناصعة بلا أثرٍ لحبر. لا رسالة، لا اسم، لا شيء سوى فراغٍ يشبه صمت الضمير حين يواجهك بالحقيقة. للحظةٍ أحسّ بالخديعة، ثم سرعان ما أدرك: البياض ليس خداعًا، بل دعوة ليكتب هو ما لم يُكتب.
ابتسم والدمعة تحرق عينيه، وقال بصوتٍ خافت: “يا للعجب… أحيانًا تصل الرسائل بلا حروف، لنكتب نحن ما ينقصنا.”
أمسك قلمه الأزرق، ودوّن على ظهر الظرف: “وصلت، ولو متأخرة.” ثم قلب الورقة البيضاء، وكتب عليها ما لم يجرؤ أن يقوله طوال حياته: أسماء أحبّته وخاف أن يفقدهم، اعتذاراتٍ صامتة، ووعودًا صغيرة أن يزور من بقي حيًّا ليقول له الكلمة التي تأخّرت.
حين انتهى، شعر أنّه أخيرًا تلقّى رسالته الخاصة. لم يعد ساعي بريدٍ للآخرين فقط، بل صار المرسِل والمرسَل إليه في آن. أعاد الورقة إلى الظرف، ووضعه بين كتب الشعر، وهمس:
“ربما كنتُ أنا المقصود منذ البداية… وقد وصلت الرسالة، في وقتي أنا.”



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة التيار
- الفستان
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل
- الجامعة وجرح لا يندمل
- بين البندقية والباسون
- ذكريات لا تُنسى / ٣
- ذكريات لا تنسى / ١
- ذكريات لا تُنسى / ٢
- ذكريات لا تموت
- الزانية
- حين صار الحزن انا


المزيد.....




- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...
- -فتح- تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني وحضور إسرائيل في اجتماع - ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رسالة لم تُسلَّم